العدالة الانتقالية في تونس.. مسار بطيء ومعطّل لازال يبحث عن تحقيق أهدافه

العدالة الانتقالية في تونس.. مسار بطيء ومعطّل لازال يبحث عن تحقيق أهدافه

قراءة تقييمية لمسار العدالة الانتقالية في تونس (نيكولا فوكو/جيتي)

 

مثّل نشر التقرير الختامي لهيئة الحقيقة والكرامة (نشطت بين منتصف 2014 ونهاية 2018) في الرائد الرسمي في جوان/يونيو 2020 بعد طول انتظار، آخر حلقات التنفيذ البطيء لمسار العدالة الانتقالية في تونس الذي يعرف تعثّرات عدّة في جوانب مختلفة. ويؤكد هذا النشر، في جانب منه، محورية عنصر الإرادة السياسية في هذا المسار بغض النظر عن الالتزامات الدستورية والقانونية التي ظلّت، طيلة سنوات، مجرّد حبرًا على ورق في غياب الرافعة السياسية. ويفتح نشر التقرير الختامي الباب لاستكمال تطبيق مقتضيات قانون العدالة الانتقالية وتحديدًا في علاقة بالجانبين الحكومي والبرلماني: الحكومة فيما يهمّ إعداد خطة وبرامج عمل لتنفيذ التوصيات والمقترحات المقدّمة من هيئة الحقيقة والكرامة، والبرلمان فيما يهمّ مناقشة هذه الخطة وإنشاء لجنة مختصة لمراقبة مدى تنفيذها وذلك بالاستعانة بالجمعيات ذات الصلة.

مثّل نشر التقرير الختامي لهيئة الحقيقة والكرامة في الرائد الرسمي في جوان 2020 آخر حلقات التنفيذ البطيء لمسار العدالة الانتقالية في تونس

ويشهد مسار العدالة الانتقالية، الذي انطلق إثر الثورة مباشرة بموجب مراسيم منها العفو العام والمصادرة (2011) ولجان وقتية منها لجنة تقصي الحقائق حول ملفات الفساد والرشوة (2011) وتعزّز مع تركيز وزارة مختصة في العدالة الانتقالية (2012-2013) قبل تبلوره في تصوّر عام في قانون العدالة الانتقالية (2013) الذي أنشأ هيئة الحقيقة والكرامة (2014-2019)، مطبّات وتعقيدات متراكمة لـ3 أسباب على الأقل: أولًا غياب الخيط الناظم طيلة السنوات التسع لتصوّر واضح للعدالة الخصوصية ما أدى لاحقًا لارتباك خاصة في علاقة بتسوية ملفات الفساد المالي وإهدار المال العام، وثانيًا غياب الإرادة السياسية في تنفيذ هذا المسار في فترة رئاسة رئيس الجمهورية الراحل الباجي قائد السبسي وسيطرة حزب نداء تونس على البرلمان (2014-2019)1، وثالثًا الارتباك في أداء هيئة الحقيقة والكرامة في ظل الخلافات الحادة داخل مجلسها (أكملت عهدتها بـ9 من أصل 15 عضوًا) والانتقادات الموجّهة حول فاعليتها والشكوك بخصوص نزاهة بعض أعمالها بما يرتقي لشبهات فساد2.

اقرأ/ي أيضًا: ملفات دون متهمين وجلادون غائبون.. مصاعب المسار القضائي في العدالة الانتقالية

في خضم ذلك، يوجد إقرار أن العدالة الانتقالية، التي يُنظر إليها أنها الضمانة الأصيلة للبناء الديمقراطي وعدم عودة الاستبداد وتحقيق المصالحة الوطنية الشاملة، لازالت أهدافها السامية غير محققة في جلها أمام مسار يتراوح بين البطء في تنفيذ بعض جوانبه، والتعطّل في تنفيذ جوانب أخرى. وتعرض هذه المقالة مراجعة تحليلية تقييمية لمسار العدالة الانتقالية ورهانته خاصة بعد نشر التقرير الختامي لهيئة الحقيقة والكرامة، وذلك انطلاقًا من 5 عناوين أساسية:


1- معرفة الحقيقة.. جزء مكشوف وآخر مبتور

يمثّل كشف الحقيقة الركيزة الأولى للعدالة الانتقالية والحلقة المركزية التي ترتبط بها بقية الحلقات، وقد نص الفصل 67 من القانون المختص على أن أول عنصر يُضمّن في التقرير الخاتمي لهيئة الحقيقة والكرامة هو "الحقائق التي توصلت إليها بعد التثبت والتحقيق". وقد استحوذت هذه الحقائق على الجانب الأكبر من التقرير الختامي، وقد توزّعت بين مجلّد لتفكيك منظومة الاستبداد في جزء أول (العناوين: حزب الدولة، آلية الوشاية، الرقابة على المراسلات، السجون، التعذيب، قطع الأزراق والملاحقة الأمنية، توظيف المؤسسة القضائية، توظيف المؤسسة الأمنية، منظومة الدعاية، انتهاك حرية الأنترنت، مصادرة حرية التنظم وتزوير الانتخابات) وثان (العناوين: الانتهاكات الحاصلة بين 1956 و1962، الانتهاكات في حق اليسار، الانتهاكات في حق القوميين، انتهاكات الخميس الأسود، الأحداث والمواجهات ضد الطلبة، الانتهاكات في حق الإسلاميين، براكة الساحل، احتجاجات الخبز، الانتهاكات بمناسبة قانون مكافحة الإرهاب، انتهاكات الحوض المنجمي، أحداث الثورة، أحداث الرش بسليانة) إضافة لمجلّد حول منظومة الفساد (الفساد في المجال العقاري/البنكي/إلخ) وآخر خاص بالانتهاكات ضد المرأة.

وقد حمل التقرير الختامي خلاصة أعمال 4 سنوات من البحث والتقصي والتحقيق بالولوج للأرشيفات المتاحة والاستماع للضحايا والشهود وجمع المصادر، ولم تستطع هيئة الحقيقة والكرامة الولوج لأرشيف البوليس السياسي، الذي يمثل عين الحقيقة في تجارب العدالة الانتقالية المقارنة. ومكّن التقرير، رغم ذلك، من تسليط الضوء على زوايا مظلمة من تاريخ انتهاكات حقوق الإنسان على مدى 58 سنة (من 1955 إلى 2013)، ولكن لم يحظ هذا التقرير بالنقاش العام اللازم بعد نشره، مع محدودية اهتمام المواطنين وحتى الباحثين والمؤرخين وأهل الاختصاص عمومًا بمخرجاته لاعتبارات عدة أولها طول حجم التقرير (يضمّ 7 مجلّدات وأكثر من 1800 صفحة)، وثانيًا هامشية الاهتمام الشعبي والسياسي والأكاديمي بمسار العدالة الانتقالية أمام حيوية المشهد الوطني والسياسي طيلة الأشهر الماضية، وثالثًا عدم قيام هيئة الحقيقة والكرامة بواجبها في "نشر النتائج وتوزيعها على أوسع نطاق وذلك بكل الطرق وقبل انتهاء مهامها" وهو إخلال بتطبيق الفصل 67 من قانون العدالة الانتقالية.

تضمن التقرير الختامي لهيئة الحقيقة والكرامة مواطن ضعف في الجزء المخصص لكشف الحقيقة منها الإخلالات المنهجية وعدم الدقة التاريخية والانحياز وضعف الاعتماد على الإنتاجات العلمية

ومن بين المحاولات الجدية للمجتمع المدني في القراءة النقدية للتقرير هو ما أعدته جمعيات "سوليدار تونس"، ومنظمة "امبونيتي واتش" وجمعية "عدالة ورد الاعتبار" من قراءة عامة للتقرير3 كشفت عن إخلالات منهجية وهيكلية من ضعف المصادر وعدم ذكرها أحيانًا بما يمسّ من المصداقية العلمية، وانحياز وتشنج في معالجة المسألة التاريخية تحديدًا في فترة الاستقلال مع معاينة أخطاء تاريخية، وتطويل دون موجب عبر السرد الروائي في بعض المواضع وغيرها من نقاط الضعف. ولعلّ من أهم الملاحظات في التقرير هو غياب كشف الحقيقة عن فترات معيّنة منها أحداث سيدي بوزيد سنة 1990 وأحداث بنقردان سنة 2010، وعدم حسن معالجة ملف البنك الفرنسي التونسي (الذي يوصف بأنه أكبر ملف فساد في تاريخ الدولة) بتغييب وجهة نظر الدولة وعرض معطيات غير دقيقة بما قد يؤثر على موقف الحكومة أمام التحكيم الدولي، وكذا من الملاحظات اللافتة التباين في معالجة فترات الانتهاكات ومن ذلك تخصيص 58 صفحة لمعالجة انتهاكات أحداث الخبز، مقابل 9 صفحات لانتهاكات الحركة الطلابية على مدى ما يزيد عن نصف قرن، و10 صفحات للانتهاكات للإسلامين و3 صفحات للانتهاكات ضد القوميين4. وبخصوص تحديد المسؤوليات، تم ذكر مسؤولين دون آخرين في ظل غياب منهجية واضحة لمسألة ذكر الأسماء بعيدًا عن تصفية الحسابات وضمانًا للموضوعية وذلك بما يبتر جزءًا هامًا من الحقيقة سواء بالنسبة لتفكيك منظومة الاستبداد والفساد. وقد أثار التقرير مثلًا انتقادات جهات منها الاتحاد العام التونسي للطلبة الذي اعتبره "انتقائيًا" و"ضحكًا على الذقون" أمام عدم الدقة التاريخية للأحداث5.

ولعلّ من أولى الموجبات حاليًا بعد نشر التقرير الختامي هو انكباب الباحثين والمختصين على فحصه وتمحيصه باعتباره وثيقة تاريخية مؤسسة تعدّ كتابًا لبناء المصالحة الوطنية بين أبناء الشعب الواحد، رغم أن القراءات النقدية الأولى وردود الفعل من الباحثين تشي أن الجزء المتعلق بالحقيقة في التقرير كان دون مستوى المأمول بالنظر لحجم الإمكانيات المتاحة لهيئة الحقيقة والكرامة على مدى 4 سنوات على المستويين البشري والمالي. إذ توجد خشية أن كشف الحقيقة في جوانب، وبترها في جوانب أخرى، واعوجاجها في مواضع عدة بسبب التشنج في العرض والانحياز وشبهات التوظيف وعدم المصداقية العلمية والأخطاء التاريخية والإخلالات المنهجية وغيرها من مواطن الضعف، قد تمسّ من نزاهة مسار العدالة الانتقالية في ظلّ الخلل المسجّل في هذه الحلقة الأولى والرئيسية، كشف الحقيقة، وبما قد يعطّل بقية الحلقات أو يصعّب مهامها وبالخصوص حفظ الذاكرة الجماعية ورد الاعتبار وتحقيق المصالحة الوطنية.

2- ضحايا الاستبداد.. عن جبر ضرر مفقود 

قامت هيئة الحقيقة والكرامة قبل انتهاء مهامها بتوزيع مقررات لجبر الضرر على الضحايا بتفصيل 18 ألف مقرر جبر ضرر مادي و15 ألف مقرّر جبر ضرر معنوي6، وقبلها أنشأت الحكومة تطبيقًا لقانون العدالة الانتقالية "صندوق الكرامة ورد الاعتبار لضحايا الاستبداد" الذي سيتولى مهمّة تقديم التعويض المادي للضحايا وفق القوائم المقدّمة من الهيئة مع ترسيم مبلغ 10 مليون دينار من الدولة دون ضخها بعد في الصندوق الذي يتم تمويله أيضًا بهبات غير مشروطة ومن نسبة من الأموال المدفوعة في إطار تنفيذ ملفات التحكيم في مجال الفساد المالي. واستحوذ الجزء الرابع من التقرير الختامي للهيئة المخصص لجبر الضرر على نصيب الأسد بـ625 صفحة استعرضت برنامج جبر الضرر الفردي، والجماعي إضافة لجبر ضرر المناطق الضحايا.

اقرأ/ي أيضًا: تونس في مجلس الأمن.. فرصة ثمينة أم اختبار عسير؟

وعدا جبر الضرر المخصص للمناطق الضحايا والذي يأتي في إطار مشاريع اقتصادية واستثمارية، وجبر الضرر الجماعي ومحوره تدعيم بعض الحقوق الأساسية، وأيضًا عدا الأشكال الرمزية والمعنوية لجبر الضرر، يظلّ جبر الضرر الفردي وتحديدًا الجانب المادي هو العنصر الرئيسي في منظومة جبر الضرر بالنسبة للضحايا. إذ يتحوّز اليوم 18 ألف ضحية على مقرّرات تحتوي على نسبة مئوية تقابلها قيمة مالية (2000 دينار لكل نقطة مئوية)، ويأمل هؤلاء الضحايا في تنفيذ هذا المقرر، أي ضخ الأموال، لجبر ضرر خسائرهم واستئناف حياتهم وحياة عائلاتهم عبر مشاريع يمثل التعويض المادي المنتظر رأسمالها. غير أن هذه المقرّرات تمثل، في المقابل، عبئًا على كاهل خزينة الدولة التي تشهد أزمة اقتصادية ومالية غير مسبوقة منذ الاستقلال، بما يجعل قيام الدولة بتحمّل كلفة جبر الضرر المادي أملًا صعب المنال يعيه الضحايا أنفسهم، ويظل الرهان على تلقي هبات لتمويل صندوق الكرامة من الدول الشقيقة والمنظمات الدولية، وهو بالأمر غير اليسير، أيضًا، في ظل عدم جاذبية الاستثمار في العدالة الانتقالية في تونس بعد 10 سنوات من الثورة. أما بخصوص الاستفادة من نسبة من الأموال المدفوعة من رجال الأعمال الفاسدين بمقتضى تسوية ملفاتهم، فالمسألة بدورها متعثرة لسببين اثنين أولًا أنه لم يقع بعد تنفيذ هذه التسويات المقدّمة في شكل قرارات تحكيمية، وثانيًا الأمر يتعلق بتحديد نسبة منها فقط ستُوظّف لجبر ضرر الضحايا لم يقع بعد ضبطها.

 يتحوّز اليوم 18 ألف ضحية على مقرّرات لجبر الضرر المادي تحتوي على نسبة مئوية تقابلها قيمة مالية (2000 دينار لكل نقطة مئوية)

يمثّل بذلك تعطّل مسار جبر الضرر المادي لضحايا الاستبداد عنصرًا ثابتًا يعرقل مسار العدالة الانتقالية برمّته لتحقيق أهدافه، وهو عنصر يصعب تجاوزه في السنوات القادمة باعتبار أن الضحايا الذي يملكون بأيديهم مقرّرات تجعلهم "دائنين" يطالبون دولة "مدينة" هي "على حافة الإفلاس" وفق رئيس حكومتها7 بصرف تعويضات مادية ضخمة بحساب عدد المقرّرات الموزّعة وقيمتها المالية. وهذه المعضلة التي لا تتعلق فقط بتوفّر الإرادة السياسية لتعويض الضحايا وبما تحمله هذه المسألة من مشاحنات وتوتر في المشهد السياسي باعتبار أن جلّ الضحايا هم من الإسلاميين، والتي ترتبط بالإمكانيات المادية للدولة، قد لا يمكن تجاوزها في الأجل القريب إلا بالاعتراف بعدم قدرة الدولة على تنفيذ المقررات وثم مراجعة آلية جبر الضرر بغير صورتها الحالية، وهو ما يستدعي توافقًا بين الضحايا والمجتمع المدني من جهة والدولة والمجتمع السياسي من جهة أخرى، وهي مراجعة يرفضها مبدئيًا مجتمع الضحايا الذي يرى في المقررات حقًا لا يمكن التنازل عنه. وعدا ذلك، يتواصل الأمر على حاله بتعليق تنفيذ مقررات جبر الضرر وذلك لأجل مديد غير معلوم، بما يحرم الضحايا وعائلاتهم من حقوقهم، ومعه يبقى إنصافهم ورد الاعتبار إليهم هدفًا معلقًا في مسار العدالة الانتقالية. وفي المقابل، يبقى الرهان على التزام الدولة، على الأقل، بالاستجابة لتنفيذ برنامج جبر ضرر المناطق الضحايا وجبر الضرر الجماعي، وهي تأتي حقيقة في إطار الدور التنموي المطلوب من الدولة لفائدة كل التونسيين، وذلك عدا عن الالتزام بالأشكال المعنوية لجبر الضرر وفي مقدمها اعتذار رئيس الدولة عن انتهاكات حقوق الإنسان التي قامت بها الدولة التونسية على مدى عقود ضد المواطنين الضحايا.

3- محاسبة المسؤولين.. مسار معطّل أم مهمّش؟

الجانب المتعلّق بمحاسبة المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان والفساد المالي هو الجانب الذي أوكل قانون العدالة الانتقالية للقضاء التونسي تنفيذه عبر إحداث الدوائر القضائية المتخصصة الموزّعة في مختلف دوائر محاكم الاستئناف بالبلاد، والتي تلقّت 69 لائحة اتهام شملت 1120 ملفًا وجهت التهم فيها إلى 1426 منسوب إليه الانتهاك فيما شملت هذه الملفات 1220 ضحية8. ويشهد هذا المسار تعثرات عدة أولها عدم تفرغ قضاة الدوائر المتخصصة وعدم استكمال برامج التدريب والتكوين المستمر لفائدتهم، وعمومًا ضعف الإمكانيات المادية واللوجيستية والبشرية بسبب الشغورات في الدوائر ومعاناتها إجمالًا من ذات العراقيل التي تواجه القضاء العادي، وثانيًا حالة "العصيان" بسبب رفض بعض أعوان وزارة الداخلية تنفيذ القرارات الصادرة عن رؤساء الدوائر مثل قرارات تحجير السفر وبطاقات الجلب مع التهديدات الصادرة من قبل نقابات أمنية بعدم تأمين قاعات الجلسات ودعوتهم لزملائهم من المنسوب إليهم الانتهاك لعدم الامتثال أمام هذه الدوائر، وثالثًا غياب حلقات المحاكمة وتحديدًا مبدأ المواجهة بغياب المنسوب إليهم الانتهاك خاصة مع عدم القيام بالاستدعاءات بما قد يؤدي نهاية لمحاكمات غيابية صورية، ورابعًا الضعف في أسانيد بعض الملفات المُحالة من هيئة الحقيقة والكرامة في ظل ضعف أداء جهاز التحقيق داخل الهيئة.

 

تعثّرات في عمل الدوائر القضائية المتخصصة في العدالة الانتقالية (أ.ف.ب)

 

وتترافق هذه التعثرات للمسار القضائي للعدالة الانتقالية مع ضعف الاهتمام السياسي والشعبي والإعلامي رغم أهمية هذه الجلسات التي لا تستهدف في جوهرها عنصر المحاسبة فقط بقدر ما تمثله، في جانب أساسي، من كشف للحقيقة عبر الشهادات المعروضة ورد اعتبار للضحايا الذين يعوّلون على هذه الدوائر لاسترداد حقوقهم وإنصافهم وبالخصوص شهداء ثورة الحرية والكرامة. وما يزيد من تعقيد هذا الجانب من المسار هو الغموض الذي لازال يلفّه في علاقة بعدم تنصيص قانون العدالة الانتقالية على حق استئناف قرارات الدوائر القضائية، وهي نقطة تدعو قوى حقوقية لتداركها بتركيز دوائر متخصصة في محاكم الدرجة الثانية. ويظلّ السؤال بالنهاية إن ما كان سيؤدي هذا المسار إلى تحقيق غايته، ولو بعد حين، أي ضمان المساءلة والمحاسبة التين تمثلان نقطة ضعف مسار العدالة الانتقالية منذ الثورة في تونس أمام سطوة الإفلات من العقاب.

4- الإصلاحات وضمانات عدم التكرار.. أي التزام؟

تمثّل الإصلاحات والمقترحات وضمانات عدم التكرار والتوصيات والتدابير الواجب اتخاذها للتشجيع على المصالحة الوطنية وحماية حقوق الأفراد وتعزيز البناء الديمقراطي، بما يشمل المجالات السياسية والإدارية والاقتصادية والأمنية والقضائية والإعلامية والتربوية والثقافية، جميعها، هي الخلاصة النهائية لأعمال هيئة الحقيقة والكرامة في ختام تقريرها النهائي، والبداية المُلزمة المحمولة على عاتق السلطة التنفيذية لتطبيق هذه الإصلاحات والضمانات لتحقيق أهداف العدالة الانتقالية. وهي تمثّل اليوم الرهان الجديد بعد نشر التقرير الختامي في الرائد الرسمي وإعلان أول حكومة بعد انتخابات 2019 التزامها بتقديم خطة عملية لتنفيذ الالتزامات وعرضها على البرلمان الذي يتولى من جهته مراقبة التنفيذ.

اقرأ/ي أيضًا: "دحروج" و"شافط" و"المسخ".. التخفي الذي كشفته هيئة الحقيقة والكرامة

ولم تغب بعض الإخلالات في عمل هيئة الحقيقة والكرامة، في هذا الجانب، خاصة وأن لجنة الفحص الوظيفي (إحدى اللجان الست في الهيئة) لم تعمل طيلة مدة عمل الهيئة إلا لمدة محدودة جدًا بسبب الخلافات والشغورات في مجلس الهيئة، وهو ما أثر بالنهاية على منظومة الإصلاحات المعروضة ومنها مثلًا غياب إصلاحات في مجالات الإعلام والثقافة والتربية رغم أن قانون العدالة الانتقالية يذكر صراحة هذه المجالات. كما لم تنجح الهيئة في المحافظة على خيط ناظم وتفكيك المنظومات والتوصيات المتعلقة بها، عدا عن ملاحظة تناقضات من ذلك انتقاد الهيئة لتشتت الهياكل الرقابة مقابل اقتراحها، مع الوقوف فيما يتعلق بجانب حفظ الذاكرة الوطنية على غياب تصوّر واضح لفلسفة الذاكرة الوطنية ولسياسات عملية في هذا المجال9.

ولكن تجاوزًا لهذه الإخلالات، ولمسار إعداد الهيئة نفسها لهذه الإصلاحات، ولمضامينها ونجاعتها وجديّتها، يظل السؤال حول مدى مضي الحكومة في إعداد خطة تشمل برامج عملية لتنفيذ الإصلاحات والضمانات والمقترحات المعروضة، خاصة وأن المسألة وإن تتعلق في جانبها الظاهر بتطبيق التزام قانوني (وإن يرتبط بتوفر الإرادة السياسية دائمًا)، فهي تتعلق، أساسًا، بتوجهات وسياسات هي موضوع اختلاف في التقدير في الجانب العملي والتفصيلي بين الباحثين والسياسيين والمختصين عمومًا. فهل ستتبنى الحكومة جميع الإصلاحات والتدابير المعروضة من الهيئة أم ستذهب لانتقاء بعضها دون بعض بحسب اللون السياسي للحكومة؟ وهل يحق للحكومة من أصله إعادة مراجعة بعض التوصيات وتغيير مضامينها في علاقة بالجانب التنموي مثلًا بما يتلائم مع توجهاتها وسياساتها أم يجب عليها الالتزام بتطبيق التوصيات دون أي اجتهاد وتغيير؟ وهل ستكون مراقبة البرلمان ناجعة للحكومة لتنفيذ خطة من المفترض أن تستمر على أمد بعيد لثقل الإصلاحات المقترحة خاصة في علاقة بالجانب الاقتصادي؟

5- تسوية ملفات رجال الأعمال.. فشل ومبادرة رئاسية منتظرة

يتميّز مسار العدالة الانتقالية في تونس بدمجه بين منظومة انتهاكات حقوق الإنسان من جهة ومنظومة الفساد المالي من جهة أخرى باعتبار ترابطهما الموضوعي، وأحدث قانون العدالة الانتقالية لجنة مختصّة للبت في الملفات ومنها بالخصوص ملفات رجال الأعمال المورّطين الفساد المالي عبر التحكيم والمصالحةبهدف الحسم بشكل بات في هذا الملف "الثقيل" بعيدًا عن القضاء العادي وبما يسمح من استئناف الاستثمارات في القطاع الخاص على قاعدة منصفة. وأصدرت هيئة الحقيقة والكرامة طيلة عهدتها 8 قرارات تحكيمية في هذا المجال بمبلغ إجمالي يُدفع للدولة يقّدر، وفق قولها، بـ745 مليون دينار، وتُرجع الهيئة ضعف عدد القرارات التحكيمية الصادرة لرفض الدولة التعامل معها في هذا الجانب. غير أن هذه القرارات التحكيمية محدودة العدد تشوبها شبهات عدة أثارها أعضاء داخل الهيئة ومختصّون، بداية من شبهات تضارب المصالح اللاحقة برئيس لجنة التحكيم والمصالحة، وضعف أداء اللجنة وغياب الشفافية بعدم نشر مضامين القرارات التحكيمية، وعدم تنظيم جلسات استماع عمومية لمن شملتهم هذه القرارات وهم من رجال الأعمال البارزين في البلاد10، والجدل القانوني بخصوص إقحام الأملاك المصادرة في احتساب القرارات التحكيمية بما يجعل الجزء الوفير من مبلغ 745 مليون دينار مضمّنًا بخزينة الدولة من أصله، وهي كلها إخلالات وشبهات جعلت نائبة رئيسة لجنة التحكيم والمصالحة تصف هذه اللجنة بأنها "صندوق أسود" و"سوّت ملفاتها في الظلام"، وقد بات القضاء الجزائي متعهدًا بعدد من هذه الشبهات.

إن فشل الدولة التونسية في تسوية ملفات رجال الأعمال الفاسدين عبر العدالة الانتقالية هي حقيقة ثابتة رغم تبادل الاتهام في تحميل المسؤولية

إن فشل الدولة التونسية في تسوية ملفات رجال الأعمال الفاسدين عبر العدالة الانتقالية هي حقيقة ثابتة رغم تبادل الاتهام في المسؤولية بين هيئة الحقيقة والكرامة التي تتهم الحكومة بعدم التفاعل معها وتطبيق قانون العدالة الانتقالية بما لم يشجع رجال أعمال على المضي في مسار التسوية خاصة أمام هذا المناخ السياسي غير المشجّع وذلك من جهة، والشبهات اللاحقة السابق ذكرها حول الهيئة من جهة أخرى. وتعدّ عدم تسوية هذا الملف المشتت بين وزارات وهياكل إدارية والموزعة نزاعاته بين القضاء العدلي والإداري، حجرة عثرة متوارثة منذ سنوات بما حالت دون تمتّع الدولة بحقوقها لتمويل خزينتها التي تعاني نقصًا بسبب الأزمة الاقتصادية والمالية المتعاظمة خاصة بعد أزمة كورونا، وأيضًا بما حالت دون طيّ صفحة هذا الملف وإطلاق يد جزء هام من الاستثمار الخاص في البلاد ليساهم بدوره التنموي والاقتصادي في البلاد.

وأعلن، في خضم تعطّل هذا الملف، رئيس الجمهورية قيس سعيّد عن إعداده لمبادرة تشريعية رئاسية بهدف تسوية ملفات رجال الأعمال عبر آلية الصلح الجزائي، وقد تحدث، فيما مضى منذ عام 2011، عن مشروع عملي مفاده توزيع قائمة رجال الأعمال الفاسدين بشكل تفاضلي من الأكثر فساد إلى الأقل فسادًا ومن ثم قيامهم بتمويل المشاريع في الجهات المرتبة أيضًا بشكل تفاضلي من الأكثر فقرًا إلى أقلها فقرًا. وتقتضي هذه المبادرة التشريعية حال تبلورها دعمًا من البرلمان لإقرارها، وثم التزام السلطة التنفيذية بتنفيذها، وهو مسار من المنتظر أن يثير الكثير من النقاشات في صفوف السياسيين ورجال الأعمال والحقوقيين والمختصين إجمالًا، وإن يبقى الرهان هو تسوية نهائية لملف رجال الأعمال الفاسدين على قاعدة تضمن الإنصاف وعدم الإفلات من العقاب واسترجاع الأموال المنهوبة وذلك بعد 10 سنوات من الثورة بات يتصاعد الحديث فيها، في الحقيقة، عن طبقة جديدة صاعدة من الفاسدين.


المصادر والمراجع:

1- خصّصت هيئة الحقيقة والكرامة الجزء الأول من تقريرها وتحديدًا من الصفحة 119 إلى الصفحة 133 للحديث عن عراقيل السلطة السياسية ومنها الامتناع عن النفاذ لأرشيف البوليس السياسي، وإعداد رئاسة الجمهورية لقانون مصالحة مخالف لقانون العدالة الانتقالية، وامتناع رئاسة الحكومة عن نشر عدة قرارات، والتعامل السلبي من وزارة أملاك الدولة إلخ.

2- تابع مثلًا الاتهامات الموجهة من نائبة رئيس لجنة التحكيم والمصالحة لرئيسة الهيئة ورئيس اللجنة بتعمّد القيام بإخلالات في معالجة ملفات التحكيم والمصالحة في مجال الفساد المالي، ووصفها للجنة التحكيم والمصالحة بأنها "صندوق أسود".

3- تم تقديم عرض عام حول هذه القراءة في حلقة نقاشية مع مهتمين بمسار العدالة الانتقالية في شهر جوان/يونيو 2020 وذلك في انتظار نشر التقرير التقييمي في وقت لاحق.

4- اعتمدت القراءة التقييمية على النسخة الأولى من التقرير الختامي والتي نشرتها هيئة الحقيقة والكرامة في موقعها الإلكتروني.

5- انظر مثلًا "الاتحاد العام التونسي للطلبة في التقرير الختامي لهيئة الحقيقة والكرامة… الحقيقة الضائعة"، رياض داود، جريدة الفجر، 30 أفريل/نيسان 2019.

6- أرقام ذكرها الوزير لدى رئيس الحكومة المكلّف بحقوق الإنسان والعلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني العياشي الهمامي في تصريح إذاعي بتاريخ 10 جويلية/يوليو 2020.

7- تصريح لرئيس الحكومة إلياس الفخفاخ في إذاعة "اكسبراس أف أم"، 23 جويلية/يوليو 2020.

8- الملخص التنفيذي لللتقرير الختامي لهيئة الحقيقة والكرامة، ص. 68.

9- من التقرير التقييمي السابق ذكره.

10- كريم المرزوقي، جلسات الاستماع العلنية في تونس: منصة الحقيقة غير المكتملة، المفكرة القانونية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ابتهال عبد اللطيف: تقرير "الحقيقة والكرامة" ضعيف وملفات سُويت في الظلام (حوار)

عادل المعيزي: مثّلنا الدولة التي تعرّي نفسها في هيئة الحقيقة والكرامة (حوار)