قضية البنك الفرنسي التونسي.. هل يكون ملف الفساد الأكبر كلفة في تاريخ تونس؟

قضية البنك الفرنسي التونسي.. هل يكون ملف الفساد الأكبر كلفة في تاريخ تونس؟

470 مشاهدة
ملف البنك يعود للثمانينيات ولا يزال لليوم لدى التحكيم الدولي (صورة تقريبية/فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

لا تزال قضية البنك الفرنسي التونسي تلقي بظلالها على الدولة التونسية وحاكميها منذ ثمانينيات القرن الماضي. عملية ترفيع في رأس مال البنك سنة 1983 سرعان ما تحولت إلى قضية مالية دولية بين الدولة التونسية والشركة العربية للاستثمار ABCI، التي يشرف على إدارتها التونسي عبد المجيد بودن إلى جانب الأمير السعودي بندر بن سلطان. وقد تمكنت المؤسسة العربية للاستثمار من الدخول في مناقصة الترفيع في رأس المال بعد مراسلة من وزير المالية والتخطيط الأسبق منصور معلى لطلب الترخيص قبل أن يتراجع هذا الأخير بعد فوات الأوان.

لا تزال قضية البنك الفرنسي التونسي تلقي بظلالها على الدولة التونسية وحاكميها منذ التسعينيات حينما تحولت عملية ترفيع في رأس مال البنك إلى قضية دولية بين الدولة التونسية والشركة العربية للاستثمار

قُدرت مساهمة المؤسسة العربية للاستثمار في رأس مال البنك الفرنسي التونسي بـ20 مليون دولار في ذلك الوقت أي ما يعادل 50 في المائة من رأس مال البنك، لكن شهر العسل لم يدم طويلًا بين عبد المجيد بودن رئيس مجلس إدارة البنك الفرنسي التونسي والشركة التونسية للبنك والتي يعتبر البنك الفرنسي التونسي أحد فروعها بعد تبادل اتهامات بين الطرفين بمحاولة السيطرة على البنك.

تفاقم النزاع وبدأ مسلسل تكسير العظام. إذ اكتشف بودن بعد أشهر (حسب وثيقة المركز الدولي للتحكيم في قضايا الاستثمار الذي لجأ إليه بودن بعد ذلك) اختفاء مبالغ طائلة من رأس مال البنك الفرنسي إضافة إلى تحويل جزء من ديون الشركة التونسية للبنك إلى حسابات البنك الفرنسي التونسي.

اقرأ/ي أيضًا: الدائمي: شبهة تواطئ لهيئة مكافحة الفساد في صفقة بقيمة 180 مليون دينار

بعد انقلاب 1987، وضع البنك الفرنسي التونسي تحت تصرف القضاء وحكم على عبد المجيد بودن بـ6 سنوات سجنًا بتهمة التلاعب بالمال العام وخطية مالية تقدر ب30 مليون دولار. غادر بودن البلاد على جناح السرعة والتجأ إلى القضاء البريطاني الذي حكم في سنة 2004 بعدم أهليته في القضية التي رفعها على الدولة التونسية من أجل استعادة أموال المؤسسة العربية للاستثمار قبل أن يتوجه إلى المركز الدولي للتحكيم في قضايا الاستثمار والذي حكم في سنة 2011 بأهليته في البت في القضية، ثم قضى في سنة 2017 بمسؤولية الدولة التونسية في القضية. ولم يبق إلا الحكم بقيمة التعويضات التي وصفها الخبير الاقتصادي معز الجودي في تصريح لـ"الترا تونس" بأنها ستكون هائلة وستتسبب في انخرام للمالية العمومية حسب تأكيده.

جميع التفاصيل الذي ذكرناها ليست بأهمية ما يحصل اليوم للبنك الفرنسي التونسي بالنظر إلى ما يعيشه من إهمال. صرح، في وقت سابق، رئيس الحكومة يوسف الشاهد قائلًا "قضية البنك الفرنسي التونسي أكبر عملية فساد في تاريخ تونس". تصريح يتيم لم تعقبه أي إجراءات لحلحلة الوضع، حسب زياد الكافي أحد المنتمين لنقابة موظفي البنك الفرنسي التونسي وأحد إطاراته الذي تحدث في تصريح لـ"الترا تونس" قائلًا: "استبشرنا خيرًا بعد تصريح رئيس الحكومة، وكنا نظن أن الدولة ستبدأ باتخاذ إجراءات لحل أزمة البنك. وكنا ننتظر أن يتم التحقيق في الموضوع ولكن إلى اليوم لا زلنا ننتظر رغم جميع المراسلات التي وجهناها إلى رئيس الحكومة ووزير أملاك الدولة مبروك كورشيد".

زياد الكافي (عضو في نقابة البنك الفرنسي التونسي): كنا ننتظر أن يتم التحقيق في ملف البنك الفرنسي التونسي ولكن إلى اليوم لا زلنا ننتظر رغم جميع المراسلات التي وجهناها إلى رئيس الحكومة ووزير أملاك الدولة

يتعلق بالبنك الفرنسي التونسي عدد كبير من ملفات الفساد، فساد تاريخي يتعلق بما ذكر سابقًا حول محاولة بعض الأطراف الاستيلاء على أموال المؤسسة العربية للاستثمار، وفساد يتعلق بقروض تم الحصول عليها دون ضمانات فاقت الـ 300 مليون دولار، وقضية فساد لم يقع البت فيها إلى اليوم اتهم فيها وزير أملاك الدولة الحالي مبروك كورشيد وزير أملاك الدولة الأسبق سليم بن حميدان بتقديم وثائق للشركة العربية للاستثمار تثبت مسؤولية الدولة التونسية، وأيضًا ملف فساد يحوم حول تكليف الدولة التونسية لمكتب المحاماة هاربت سميث Herbert Smith الذي تقاضى أموال طائلة قبل أن تخسر تونس القضية.

ملفات فساد أو شبهات فساد كان سببها الوحيد الوضعية المعقدة للبنك الفرنسي. أحد المتابعين للشأن المالي يقول: "أصبح البنك الفرنسي التونسي مثل مكب للقروض الكريهة، يتم إرسال جميع عمليات الفساد المالي إلى حسابات البنك الفرنسي التونسي حتى يتم إعدامه بعد ذلك بما فيه". زياد الكافي أحد إطارات البنك الفرنسي التونسي وأحد أعضاء نقابة موظفي البنك الفرنسي التونسي يقول إن وضعية البنك صعبة للغاية: "لقد تم إغلاق جميع العمليات المالية منذ جانفي/كانون الثاني 2017 بقرار من البنك المركزي وذلك على خلفية تعقد الأزمة التي يعيشها، اليوم يعيش موظفو البنك الفرنسي التونسي في وضعية صعبة لا عمليات مالية ولا عمليات استخلاص ديون حتى أن موظفي البنك لا يستطيعون الحصول على قرض منه".

اقرأ/ي أيضًا: "ويني فلوس السياحة؟".. سؤال طرحه الشاذلي العياري لا حسم في إجابته

أصبح البنك الفرنسي التونسي بذلك هدفًا لعدد من عمليات الفساد بسبب وضعيته المعقدة، وتتلخص هذه الوضعية المعقدة في أن الدولة التونسية وخلال بداية القرن الحالي عمدت إلى تحسين وضعية البنك عبر توسيع قاعدة الحسابات وقبول جميع العمليات المالية و إسداء قروض دون ضمانات وصلت إلى ما يقارب 400 مليون دينار رغم أن رأس مال البنك لا يتجاوز 5 مليون دينار. يعتبر محدثنا زياد الكافي أن هدف الدولة من التضخيم في العمليات المالية هو التجميل فقط من أجل إظهار البنك الفرنسي التونسي يحقق نتائج إيجابية ويملك محفظة جيدة من الحرفاء: "كانت هذه العملية بجميع تفاصيلها تهدف إلى بيع البنك، أول عملية بيع حصلت في سنة 2006 لكن تم إبطالها بعد قضية رفعتها المؤسسة العربية للاستثمار، وكان مقرّرًا في سنة 2010 بيعها إلى صهر بن علي مهدي بالقايد لكن الثورة أجهضت العملية".

 بعد تعطل عملية البيع الأولى والثانية لم تستطع الحكومات المتعاقبة استرجاع القروض التي تم منحها دون ضمانات. يضيف زياد، عضو نقابة موظفي البنك، قائلًا:" إن الأشخاص الذين تحصلوا على قروض دون ضمانات يعيشون أحرارًا اليوم في تونس دون أي تهديد يذكر ودون أي تتبعات".

معز الجودي (خبير اقتصادي متابع للملف): سيكون مبلغ التعويض هائلًا في قضية البنك الفرنسي التونسي وسيصل إلى حدود 500 مليون دولار وهو ما يمثل قسطين من أقساط صندوق النقد الدولي

من جهة أخرى و لمتابعة القضية مع الهيئة الدولية للتحقيق في قضايا الاستثمار، كلفت الدولة التونسية مكتب المحاماة هاربرت سميث Herbert Smith، وتحوم شكوك كثيرة حول ظروف تكليف هذا المكتب. ويؤكد تقرير نشر في جوان /حزيران 2013 صادر عن وزارة أملاك الدولة، أن المكتب احتسب تعريفة بالساعة غير التعريفة المتفق عليها، وأن أتعاب المكتب بلغت ما يقارب 35 مليون دولار أي ما يقارب 100 مليون دينار.

تخوض الدولة التونسية اليوم حربًا في جبهة الهيئة الدولية للتحكيم في قضايا الاستثمار والتي هي قاب قوسين أو أدنى من الحكم بالتعويضات. يقول في هذا الصدد الخبير الاقتصادي والمتابع للملف معز الجودي في تصريح لـ"الترا تونس": "سيكون مبلغ التعويض هائلًا وسيصل إلى حدود 500 مليون دولار، وهو ما يمثل قسطين من أقساط صندوق النقد الدولي حتى أن الصندوق في تقريره الأخير أوصى الدولة التونسية بالأخذ بعين الاعتبار مبلغ التعويضات".

ومن جانب آخر، توجد شبهة حول دور أطراف كانت تمتلك نفوذًا إبان حكومة الترويكا وأهمهم وزير أملاك الدولة السابق سليم بن حميدان، إذ وجه وزير أملاك الدولة الحالي مبروك كورشيد اتهامًا لعدد من المسؤولين السابقين في الوزارة بتقديم وثائق إلى الطرف المقابل استعان بها لتقويه موقفه في القضية. وتعود أطوار القصة إلى سنة 2012 عندما قرر الرئيس المدير العام للشركة العربية للاستثمار عبد المجيد بودن التفاوض مع الدولة التونسية لإيجاد حل للقضية دون اللجوء إلى القضاء الدولي، وتم الاتفاق على حل يحصل بمقتضاه بودن على عفو تشريعي لإسقاط الأحكام السياسية في مقابل الدخول بمبلغ 60 مليون دولار في رأس مال البنك الفرنسي التونسي.

عمر الشتوي (محامي سليم بن حميدان): الاتهامات ضد موكلي هي محض كذب وافتراءات وتلفيق لغايات سياسية دنيئة

كل هذه التفاصيل وتفاصيل أخرى تم صياغتها في وثيقة أمضى عليها المستشار حامد النقعاوي الذي تقول بعض التقارير إنه تمت التضحية به بعد ذلك ككبش فداء. بل صرح أحد القريبين من دوائر الحكم في سنة 2012 (رفض ذكر اسمه) لـ"الترا تونس" إن للوزير السابق سليم بن حميدان علاقة مشبوهة بعبد المجيد بودن بحكم تواجدهما في فرنسا في نفس الفترة قبل الثورة قائلًا: "لا أستبعد أن يكون المخطط كله مدبر منهما، يحصل بمقتضاه بودن على التعويض ثم يعطي لبن حميدان حصته".

اقرأ/ي أيضًا: توريث الوظائف: الأقربون أولى بالوظيفة!

لكن المحامي المكلف بالدفاع عن الوزير الأسبق سليم بن حميدان في هذه القضية عمر الشتوي يقول لـ"الترا تونس" إن جميع الاتهامات الموجهة إلى موكله هي "محض كذب وافتراءات و تلفيق لغايات سياسية دنيئة لأنه لا وجود لفعل مادي قام به الوزير سليم بن حميدان".

يشير المحامي عمر الشتوي، وفق تأكيده، أن القضية بدأت منذ الثمانينيات حينما حاول بن علي وعائلته تفريغ البنك وأصبح البنك شبه مفلس وهو مما لا شك فيه مسؤولية الدولة التونسية قائلًا: "اليوم موكلي سليم بن حميدان يتهم وزير أملاك الدولة مبروك كروشيد بالثلب على خلفية تصريحاته الغريبة، لكن المحكمة في حكمها الابتدائي تخلت عن القضية لأسباب شكلية، هؤلاء الأشخاص يتهمون الجميع بكل شيء ووصلت الاتهامات إلى رئيس محكمة التعقيب الذي أصدر عفوًا لعبد المجيد بودن، والمشكلة أن العفو لا يسقط القضايا المدنية". من ناحية أخرى، رفض المكلف العام بنزاعات الدولة علي الهمامي الحديث معنا عن الموضوع بدعوى أنه لدى القضاء ومازال قيد التحقيق.

أسئلة عديدة يطرحها هذا الملف منها حول سبب استثناء البنك الفرنسي التونسي من إعادة الرسملة واستثنائه أيضًا من عملية التدقيق التي خضعت لها البنوك التي تم إعادة رسملتها وحول محاولات الحكومات تصفيته بما فيه.

المكلف العام بنزاعات الدولة: الدولة التونسية لم تتمكن من فتح قنوات للتفاوض مع الطرف الآخر في قضية البنك الفرنسي التونسي لحل المسألة دون الرجوع إلى الهيئة التحكيمية الدولية

أما بخصوص تقدم القضية أمام الهيئة التحكيمية الدولية، يشير المكلف العام بنزاعات الدولة علي الهمامي لـ"الترا تونس" بالقول "إن القضية متوقفة توقفًا تامًا. لقد تم الحكم في أواخر جويلية/ يوليو 2017 بمسؤولية الدولة التونسية، واليوم نحن في مرحلة التعويضات ولكن قبل أشهر تقدم رئيس الهيئة التحكيمية الدولية التي تنظر في قضية البنك الفرنسي التونسي باستقالته لأسباب صحية ما تسبب في إيقاف إجراءات القضية، ولم يتقدم الخصم بطلبات التعويضات ولا نعرف إلى حد هذه اللحظة مطالبه لدراستها". ويؤكد المكلف العام بنزاعات الدولة أن الدولة التونسية لم تتمكن من فتح قنوات للتفاوض مع الطرف الآخر لحل المسألة دون الرجوع إلى الهيئة التحكيمية الدولية.

كان قد وافق، في الأثناء، صندوق النقد الدولي بعد التزام الحكومة بحزمة "إصلاحات"، على منح قسطين لتونس بقيمة جملية تعادل الـ 500  مليون دولار، ولكن هناك إمكانية كبيرة أن يتغير عنوان هذا المبلغ من تمويل للميزانية إلى تعويض في قضية البنك الفرنسي التونسي. ستعوض الحكومة الخسارة من جيوب دافعي الضرائب لكنها لن تتجرأ، كما يؤكد مراقبون، على تتبع رجال الأعمال الذي تحصلوا على قروض دون ضمانات من البنك الفرنسي التونسي بل ومن بنوك تونسية أخرى.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أزمة المؤسسات العمومية في تونس: التفويت أم الإصلاح؟

عدم دفع موظفي الصناديق الاجتماعية لمساهماتهم.. امتياز عمّق أزمة الصناديق