ابتهال عبد اللطيف: تقرير

ابتهال عبد اللطيف: تقرير "الحقيقة والكرامة" ضعيف وملفات سُويت في الظلام (حوار)

اتهامات لرئيسة هيئة الحقيقة والكرامة بالوقوف وراء إخلالات وشبهات خاصة في ملفات التحكيم والمصالحة (مريم الناصري/ألترا تونس)

 

"سيأتي اليوم الذي سيُكشف فيه الصندوق الأسود في لجنة التحكيم والمصالحة"

"رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة تتحمل المسؤولية الرئيسية للتجاوزات والشبهات في عمل الهيئة"

" خيّرت مواجهة الإخلالات والشبهات وكانت الضريبة هي معاقبتي وهرسلتي"

"التقرير الختامي لم يكن في مستوى التطلعات وقد أُنجز في الغرف المغلقة مع أناس لا نعرفهم"


ظلّ الجدل سمة ملازمة لعمل هيئة الحقيقة والكرامة منذ نشأتها للإشراف على مسار العدالة الانتقالية، وقد تصاعد مؤخرًا بعد إصدار تقريرها الختامي والشامل منهية عهدتها. كما تزايد الجدل أيضًا مع تقرير دائرة المحاسبات الذي تحدث عن إخلالات وتجاوزات عديدة طيلة مدة نشاطها.

وقد عرفت هيئة الحقيقة والكرامة، في الأثناء، توترات بين أعضائها ما أدى لاستقالة 4 أعضاء وإقالة 3 آخرين لتنهي أعمالها بـ9 أعضاء صادق 5 أعضاء فقط منهم على التقرير الختامي. 

في هذا الجانب، التقى "ألترا تونس" ابتهال عبد اللطيف عضو هيئة الحقيقة والكرامة ورئيسة لجنة المرأة ونائب رئيس لجنة التحكيم والمصالحة لتحدثنا عن التقرير الختامي وأيضًا عن تقرير دائرة المحاسبات خاصة في علاقة بالتجاوزات المسجلة في ملفات التحكيم والمصالحة. فيما يلي الحوار:


  • تتصاعد في الفترة الأخيرة الانتقادات لحصيلة أعمال هيئة الحقيقة والكرامة. ما رأيك؟

في البداية يجب الفصل بين مسار العدالة الانتقالية وهيئة الحقيقة والكرامة، نحن دائمًا مع المسار وحقوق الضحايا. لكن البعض يرى أنه حين تنقد أداء الهيئة تصبح ضدّ العدالة الانتقالية وهذا ليس سليمًا.

لا بد من التأسيس لنقد مؤسسات ما بعد الثورة بما في ذلك هيئة الحقيقة والكرامة، والتأكيد أنه لا توجد أي جهة فوق النقد والتقييم. قانون العدالة الانتقالية يقول بضرورة معالجة الماضي والاعتراف والاعتذار، وإذا كان هذا المبدأ لا يطبق علينا ولا نقبله ولا يصبح عقلية في بلادنا يصبح هناك تناقض. ونحن أولى بمواجهة أخطائنا كهيئة.

ابتهال عبد اللطيف: لابد من التقييم الذاتي لأنفسنا وتقييم عملنا ونثمن ما هو إيجابي ونحاول إعطاء فرصة لمن سيواصل مسار العدالة الانتقالية ليتدارك النقائص

اقرأ/ي أيضًا: عضو هيئة مكافحة الفساد محمد العيادي: لا نتحمّل مسؤولية تباطؤ القضاء (حوار)

مسار العدالة الانتقالية يجب استكماله بعد هيئة الحقيقة والكرامة. ومن هذا المنطلق لابد من التقييم الذاتي لأنفسنا وتقييم عملنا ونثمن ما هو إيجابي من مكاسب مهمة حققتها الهيئة ونحاول إعطاء فرصة لمن سيواصل المسار أن يتدارك النقائص.

إن تقييم عمل الهيئة لا ينقص من قيمة دعمنا لمسار الضحايا وحقوقهم وضرورة حصولهم على جبر الضرر وتفعيل صندوق الكرامة بما هي مسألة أساسية لا يمكن التنازل عنها. يجب أن نواصل رفضنا لأي محاولة لضرب مسار العدالة الانتقالية على غرار مشروع القانون الذي يجري إعداده لإلغاء الدوائر القضائية المتخصصة.

  • في هذا الجانب، ماذا عن إحالات الهيئة للقضاء المختص في العدالة الانتقالية؟

لقد أثرت الشغورات سواء على مستوى مجلس الهيئة وأيضًا على مستوى الإطارات السامية مثل القضاة بشكل كبير على عمل الهيئة خاصة على مستوى التحقيق القضائي الذي أصبح ضعيفًا جدًا.

من المهم اليوم إحداث قطب قضائي لعدالة انتقالية يستكمل عمل الهيئة خاصة في علاقة بالملفات منقوصة الاجراءات فيها، وهي ملفات كثيرة. أنا ضد إلغاء الدوائر المتخصصة ولكن مع إصلاح المسار وتصحيح الإجراءات كي يحصل الجلاد على حقّه في محاكمة عادلة فليس هدفنا أن نخلق من الجلاد ضحية. لابدّ لأي مشروع لاستكمال مسار العدالة الانتقالية أن يستبطن نفس آليات العدالة الانتقالية ويسمح باستكمال المسار القضائي بهدف منع الإفلات من العقاب على اعتبار أن المحاسبة وإرجاع حقوق الضحايا هي شرط لتحقيق المصالحة الوطنية.

  • كشف تقرير دائرة المحاسبات شبهات فساد في التصرف داخل هيئة الحقيقة والكرامة وإخلالات خاصة في التحكيم والمصالحة. ما تعليقك؟

ما كشفه تقرير دائرة المحاسبات، وهو تقرير رقابي مهمّ جدًا، هو عيّنة بسيطة من إخلالات الهيئة وليس كلها سواء على مستوى القيام بعهدتها أو على مستوى التسيير الإداري والمالي. أطالب من جهتي بفتح ملف التجاوزات والإخلالات وشبهات الفساد في الهيئة، وهي شبهات أكثر مما تحدّث عنه تقرير دائرة المحاسبات وأكثر من كونها تضارب مصالح خاصة في علاقة بالتحكيم والمصالحة.

ابتهال عبد اللطيف: ما كشفه تقرير دائرة المحاسبات هو عيّنة بسيطة من الإخلالات وشبهات الفساد في هيئة الحقيقة والكرامة 

لم تتمكن الدائرة في الحقيقة من الاطلاع على مداولات مجلس الهيئة عدا بعض الملخصات المفرغة من محتواها، ولم تتمكن أيضًا من الولوج إلى كل الوثائق المحاسبية والإدارية. أؤكد أن ما توصل إليه الفريق الرقابي بدائرة المحاسبات هو جزء بسيط من المعطيات ولذلك أقول أن ما توصلت إليه الدائرة هو جزء يسير من حجم الإخلالات وشبهات الفساد.

لكن رغم ذلك رصدت دائرة المحاسبات إخلالات في مجالات متعددة لكن أخطرها بنظري ما يتعلق بالتحكيم والمصالحة. لقد أكد أن الهيئة لم تحرص على التحري بالقدر الكافي في وضعيات تضارب المصالح التي شابت أعمال اللجنة وبالخصوص في علاقة برئيس اللجنة وسيأتي اليوم الذي سيُكشف فيه الصندوق الأسود في هذه اللجنة.

ابتهال عبد اللطيف: الهيئة لم تحرص على التحري بالقدر الكافي في وضعيات تضارب المصالح التي شابت أعمال لجنة التحكيم والمصالحة 

غير أن الإخلالات والتجاوزات في الهيئة شملت أيضًا البحث والتقصي وقرارات العناية الفورية مع عدم الشفافية في عقود إسداء الخدمات وبالخصوص في عقود تنظيم جلسات الاستماع العلنية بالنظر للفوارق المالية الضخمة بين جلسة وأخرى وغيرها من المسائل. لقد أكد تقرير دائرة المحاسبات ما كنت أحذر منه وأحتج عليه وبعض الزملاء داخل الهيئة وقد ساهمت احتجاجاتنا في الحد من العديد من الإخلالات.

وأريد الإشارة إلى أن المجتمع المدني المحلي والدولي الداعم لمسار العدالة الانتقالية يتحمل مسؤولية التقصير في مراقبة الهيئة لأن أغلب ما كشفته دائرة المحاسبات كان معلومًا للجميع. جزء كبير من المكونات المدنية والحقوقية بل والسياسية المتابعة لعمل الهيئة عن قرب كانت على علم بحجم التجاوزات الخطيرة وشبهات الفساد. هذا الصمت دفع رئيسة الهيئة لتظن أنها أخذت صكًا على بياض لتفعل ما تشاء ضاربة بعرض الحائط عديد القوانين والإجراءات.

  • لماذا لم تقدمي استقالتك من الهيئة أمام كل هذه التجاوزات؟

لم أقدم استقالتي لأن هناك مسؤولية كبيرة على عاتقي وكانت بوصلتنا دائمًا هي مصلحة الضحايا. الهيئة عملت في جو متوتر، وكنت أرى أن استقالتي ستضرّ بملفات الضحايا خاصة وأننا نفتقد للنصاب القانوني.

لقد هددت باستقالتي في فترة ما احتجاجًا على تجاوزات كبيرة لكن الخوف على حقوق الضحايا والحرص على إتمام مسار العدالة الانتقالية جعلني أستمر في الهيئة وأتجاوز الهرسلة خاصة في ظل المبادرات التي تخدم المنظومة القديمة الساعية لإنهاء المسار. كنا في محرقة بين مواجهة شبهات الفساد والاخلالات من الداخل أو الانسحاب وقد كان خيارًا صعبًا بالفعل. تحملت مسؤوليتي إلى آخر لحظة لأنّها كانت أمانة وأرحت ضميري ولم أنخرط في أي تضارب مصالح أو شبهة فساد.

ابتهال عبد اللطيف: الهيئة عملت في جو متوتر وكنت أرى أن استقالتي ستضرّ بملفات الضحايا خاصة وأننا نفتقد للنصاب القانوني

لكن طالبت وغيري من الزملاء مجلس الهيئة في عديد المناسبات أن نحترم قانون العدالة الانتقالية والنظام الداخلي وأدلة الإجراءات، كما طالبت باعادة الأعضاء المقالين عبر احترام قرارات المحكمة الإدارية حماية لحقوق الضحايا والتزامًا بمفهوم دولة القانون والمؤسسات.

حاولت دائمًا الإصلاح من الداخل وعملت على الحدّ من الإخلالات وقد وفقت إلى حد بسيط في ذلك. ولولا "الوقوف في العديد من المسائل" لكانت التجاوزات ستكون أكبر بكثير.

لقد خيّرت مواجهة الإخلالات والشبهات وكانت الضريبة هو معاقبتي وهرسلتي في الهيئة. وأريد الإشارة إلى أنّه توجد ثغرة في قانون العدالة الانتقالية على اعتبار عدم تمكين العضو من اللجوء إلى جهة ما حينما يجد شبهات فساد دون أن يقع تحت وطأة واجب التحفظ وكشف السر المهني، وذلك كي لا يجد نفسه أمام الأبواب المغلقة ما يضطره للصمت أو الهرسلة. هذه من بين الثغرات التي لابد من تعلمها للأخذ بها في القوانين والتجارب الأخرى.

اقرأ/ي أيضًا: أهم 10 إخلالات في عمل هيئة الحقيقة والكرامة وفق دائرة المحاسبات

  • هل تحمّلين مسؤولية التجاوزات والإخلالات في الهيئة لرئيستها؟

قطعًا، هي تتحمل المسؤولية الرئيسية للتجاوزات والإخلالات والشبهات في عمل هيئة الحقيقة والكرامة.

من جملة 15 عضوًا لم يبق إلا 9 أعضاء في الهيئة وتفرّدت رئيستها بالرأي عبر منطق ديكتاتورية الأغلبية وهي أغلبية 5 أعضاء فيما حاولنا نحن فريق من 4 أعضاء الوقوف أمام هذه الغطرسة وقد أصدرنا عدة بيانات للرأي العام أهمها في 15 و23 أوت و19 سبتمبر 2017 لأن التجاوزات فاتت الحدود.

لم تنجح هيئة الحقيقة والكرامة في إدارة الاختلاف بين أعضائها بسبب وجود شخصية متوترة وصدامية في رئاستها والحال كان المطلوب شخصية جامعة وبناءة تحظى بتوافق واسع. وقد أثر هذا الأمر على عمل الهيئة تباعًا.

ابتهال عبد اللطيف: لم تنجح هيئة الحقيقة والكرامة في إدارة الاختلاف بين أعضائها بسبب وجود شخصية متوترة وصدامية في رئاستها

وأشير إلى أن رئيسة الهيئة اعتمدت على شراء ذمم بعض الذين يصرون على تقديم أنفسهم كضحايا، وكانوا يمارسون البلطجة ضدّ كلّ من يعارض رئيسة الهيئة ويتصدى لأي شبهة فساد داخلها. كانوا يقومون بهرسلة كل عضو أو موظف معارض أو متحفظ على قرارات رئيسة الهيئة بل وصل بهم الأمر لاقتحام مكتب قاضية في الهيئة .

استعملتهم الرئيسة أيضًا لضرب الضحايا وتشتيتهم فيما بينهم. وهم أنفسهم من اقتحموا مؤخرًا مكتب أحد مستشاري رئيس الحكومة ومارسوا العنف وقد كانت رئيسة الهيئة في انتظارهم في الخارج بما يؤكد أنها توظفهم.

وقد سبق أن رُفعت قضايا ضدهم من العديد من موظفي الهيئة وأيضًا وصلت شكاوى من ضحايا ضدهم إلى مجلس الهيئة. وقد منحت رئيسة الهيئة هؤلاء المشبوهين أموالًا وامتيازات دون علمنا، وقد أثبت تقرير دائرة المحاسبات إخلالات في عقود هؤلاء الأشخاص على غرار أن أحدهم تعلقت به شبهة استغلال صفته للانتفاع بنسبة 5 في المائة من قيمة التدخل العاجل للضحايا، كما انتفع أحد هؤلاء بعقد باسمه وآخر باسم جمعية يترأسها بمبلغ جملي يتجاوز 35 ألف دينار.

وأشير إلى أن رئيسة الهيئة بصفتها عضو في لجنة التحكيم والمصالحة جعلت هذه اللجنة بمثابة صندوق أسود عبر قرارات تحكيمية وقع طبخها في الغرف المغلقة.

  • التقرير أشار لك كنائبة رئيس لجنة التحكيم والمصالحة رفضت المصادقة على تقرير اللجنة لسنة 2016. لماذا؟

نعم رفضت المصادقة على تقرير لجنة التحكيم والمصالحة نظرًا لحجم الإخلالات المسجلة ولغياب الشفافية. وقد قالت رئيسة الهيئة في ردّها على دائرة المحاسبات إنّ نائبة رئيس اللجنة، في إشارة لي، لم تصادق على تقرير لجنة التحكيم والمصالحة ولكن صادقت على التقرير السنوي للهيئة لسنة 2016 وهذا غير صحيح. أنا لم أصادق على أي تقرير منذ سنة 2016 بل ضمنت رفضه في محضر الجلسة.

ابتهال عبد اللطيف: رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة اعتمدت على شراء ذمم بعض الذين يصرون على تقديم أنفسهم كضحايا

في الأثناء، رئيسة الهيئة التي كانت أيضًا عضوة في لجنة التحكيم والمصالحة لم تطلعنا على تسجيلات اللقاءات التي قامت بها على غرار اللقاءات مع عماد الطرابلسي. كانت تقوم بمعالجة العديد من ملفات التحكيم والمصالحة في مكتبها بشكل غير شفاف. طالبت من جهتي بصفتي نائبة رئيس اللجنة بالشفافية وإعلام اللجنة ومجلس الهيئة بكل التطورات حول هذه الملفات لكن هذا لم يحصل، ولدي كلّ ما يفيد ذلك.

  • هل استرجعتم فعلا 745 مليون دينار كما صرحت بذلك رئيسة الهيئة؟

هذا غير صحيح بل هي مبالغ افتراضية. مثلما تحدث رئيس دائرة المحاسبات تم اعتماد آلية المقاصة بإدخال الأملاك المصادرة في هذه القرارات التحكيمية. وبالنسبة لي هذه هي القطرة التي أفاضت الكأس لأنّها أصبحت تمس من مدخرات الدولة التونسية وهي أملاك الشعب التونسي نهاية. ولتوضيح الأمر للقارئ، هناك قرارات تحكيم ومصالحة تضمنت أن يدفع المعني بالأمر مبلغًا ماليًا للدولة لكن هذه القرارات تضمنت دفع جانب بسيط نقدًا مقابل اقتطاع الجانب الآخر من الأملاك المصادرة وعليه سيصبح هؤلاء دائنين للدولة ببقية قيمة أملاكهم المصادرة. وأنبه هنا لكون القرارات التحكيمية قد لا تؤدي لتمكين الدولة من أموال إضافية بل إلى جعل من اختلسوا المال العام أصحاب حق على الدولة وهي من سترجع لهم أموالًا وهذا غريب وعجيب وغير منطقي ومضحك يؤدي الى أن تدفع الدولة أموالًا بدل استرجاعها.

ابتهال عبد اللطيف: رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة كانت تقوم بمعالجة العديد من ملفات التحكيم والمصالحة في مكتبها بشكل غير شفاف

اقرأ/ي أيضًا: فوزية باشا: 673 مليون دولار ديون الشركات الأجنبية النفطية لصالح تونس (حوار)

وأعتبر هذا الإخلال هو الأكبر والأكثر فداحة خاصة أنّ هذه القرارات وقع اتخاذها بضرب عرض الحائط القانون الأساسي للعدالة الانتقالية وأدلة الإجراءات والنظام الداخلي وذلك في استهتار تام لمجرّد أنّ القانون حصّن القرارات التحكيمية من أي طعن. نص القانون على هذه الحصانة لضمان استقلالية الهيئة وحمايتها من الضغوطات وليس من أجل استهتارها بالإجراءات دون أي رقيب وتفريطها في حقوق الشعب التونسي.

كنت أتمنى أن يحدث حوار حول هذه المسألة لكن كان يوجد تعسّف ورأي راديكالي في الهيئة حول هذه القرارات التحكيمية بطريقة تطرح عديد نقاط الاستفهام. ربما سيكشف التاريخ مستقبلًا ما يبدو خافيًا اليوم.

بالنسبة لي أخلاقيًا لم يكن من الممكن أن أواصل قبول هذا العبث ولذلك قدّمت استقالتي من لجنة التحكيم والمصالحة. وقد سبق وقدّمت استقالتي بسبب انعدام الشفافية ورفض رئيسة الهيئة مدنا بالتسجيلات وإعطائنا تفسيرات حول حذف أسماء وترك أخرى بعد تفردها بالإشراف على مونتاج جلسة الاستماع العلنية لعماد الطرابلسي.

حاولت بكلّ الطرق المتاحة الإصلاح الداخلي عبر مجلس الهيئة وعبر إيميلات عديدة طالبت فيها باحترام الإجراءات والكف عن العبث ولكن دون جدوى.

  •  ما رأيك في التقرير الختامي؟

التقرير النهائي أنجز في الغرفة المغلقة بالاستعانة بموظفي إسداء خدمات لا نعرفهم وبعض التقارير اُنجزت في اللجان ولكن بعض التقارير الأخرى اُنجزت تحت الطلب من جهات لا نعرفها دون إشراك أعضاء الهيئة بالشكل المطلوب. وأشير إلى أن التقرير الختامي تمت المصادقة عليه بـ5 أعضاء فقط من أصل 15 عضوًا هي التركيبة الأصلية للهيئة.

ابتهال عبد اللطيف: تضمن التقرير الختامي عدّة أخطاء وإخلالات لا تليق بوثيقة لطالما انتظرها التونسيون وهو يفتقد لمنهجية واضحة

تضمن هذا التقرير عدّة أخطاء وإخلالات لا تليق بوثيقة لطالما انتظرها التونسيون، فهو يفتقد لمنهجية واضحة بل هو عمل متجزأ فيه بعد سردي لا تحليلي يفتقد للإحصائيات والتقاطعات وتضمن تكرارًا في عديد المواضع. ربما الأخطاء الشكلية واللغوية الفادحة هي مؤشر بسيط لمعرفة الاستهتار في كتابة تقرير بهذه القيمة التاريخية.

بالنهاية، لم يكن التقرير الختامي في مستوى التطلعات وهذه الخلاصة يشترك فيها الضحايا مع المجتمع المدني المتابع لمسار العدالة الانتقالية. ثم أنه تمّ حذف جزء هام من التقرير الخاص بلجنة المرأة بقرار أحادي من رئيسة الهيئة بعد أن تمت المصادقة عليه. وهذا فيه خرق واضح للقانون.

  • لما تمّ حذف هذا الجزء؟

لا علم لي، يجب التوجه بهذا السؤال لرئيسة الهيئة.

خلاصة، لقد عدّلت رئيسة الهيئة التقرير الختامي بصفة منفردة في تدخل سافر وعبث كبير. بالنسبة لي، لا يمثل التقرير الختامي مجلس الهيئة، هو تقرير أنجزته رئيسة الهيئة في الغرف المغلقة مع أناس لا نعرفهم.

  • ماهي النقائص التي ترينها في عمل الهيئة؟

توجد العديد من النقائص في مختلف مجالات عمل الهيئة التي تحولت في مرحلة ما إلى هيئة سماعات. وقد أخطأنا وأنا كعضو في مجلس الهيئة أتحمل جزءًا من هذا الخطأ، إذ كان من الأجدر القيام بالاستماع والتقصي والتحقيق في نفس الوقت وهو ما كان سيمكننا من التقصي بالشكل المطلوب في الملفات وإحالة أكثر ملفات وبأكثر دقة ومؤيدات إلى قضاء العدالة الانتقالية. لقد أثر قلة عدد القضاة في الهيئة واستقالة البعض منهم بشكل كبير على عمل الهيئة وعلى سير تحقيقاتها.

لم تكن لنا رؤية واضحة ومنهجية في التعامل مع الضحايا منذ البداية حين طالبنا من الضحايا تقديم ملفاتهم وإرفاقها حتى بنسخة من بطاقة التعريف فقط إلى حين استكمال ملفاتهم وإلحاقها بالمؤيدات دون أن نوضح لهم بالشكل الكامل نوع هذه المؤيدات خاصة النساء والضحايا في الأرياف والمناطق الداخلية. وبعد ذلك وقبل حوالي شهرين من نهاية عملنا، طلبت الهيئة عبر موقعها الرسمي من الضحايا استكمال ملفاتهم بمؤيدات أخرى وهذا استهتار لم يراعي الضحايا وبالخصوص المرأة الريفية ومتساكني المناطق الداخلية.

ابتهال عبد اللطيف: تم حذف جزء هام من التقرير الخاص بلجنة المرأة بقرار أحادي من رئيسة الهيئة في خرق واضح للقانون

كان الهدف فقط وكأنّه محاولة تجميع أكثر عدد من الضحايا وإغراق الهيئة بآلاف الملفات وإهدار جهدها في العمل على ملفات مفرغة تم التخلي عنها ورفضها بالآلاف. ولو كان لدينا منهجية واضحة مع الملفات لما تشتت أغلبها وكانت مردودية الهيئة ستكون أكثر نجاعة.

وأشير إلى أنه وقع إصدار نحو 17500 قرارًا بالتخلي والحفظ والرفض في ظرف 5 أيام فقط هي آخر آيام عمل الهيئة دون تمكين أصحاب هذه القرارات من آجال كافية للطعن وفق ما تفرضه أدلة الإجراءات. وهذا المعطى الذي تعرضت إليه دائرة المحاسبات ربما يلخص حجم الاستهتار وانعدام المنهجية طيلة عمل الهيئة وهو ما يتحمله أغلبية أعضاء المجلس والرئيسة بالخصوص.

وأشير إلى أن النقائص والإخلالات خاصة الجسيمة منها تشمل مختلف جوانب عمل الهيئة، وعلي يقين أن الباحثين والدارسين المهتمين بالعدالة الانتقالية سيقومون انطلاقًا من أرشيف الهيئة من رصد هذه الإخلالات ومعاينة مدى فداحتها أحيانًا على حقوق الضحايا.

  • هل تتوقعين أن يتمّ تسلّم الهيئة كامل الأرشيف أو سيقع التلاعب به وإخفاء بعضه؟

كلّ شيء وارد. وبالنسبة للأرشيف، خاض بعض أعضاء الهيئة معركة كبيرة داخل الهيئة عندما أصرت رئيستها عام 2017 على اتخاذ قرارات مع ثلاثة أعضاء بمفردهم لوضع الأرشيفات السمعية البصرية لدى مؤسسة في الخارج، وهذا مخالف للقانون وهو ما سجله تقرير دائرة المحاسبات لأنّه لم تقع استشارة الأرشيف الوطني. خضنا هذه المعركة إلى غاية التراجع عن هذا الإخلال الخطير وفرضنا على رئيسة الهيئة شراء خادم (serveur) داخلي كي لا توضع معطيات حساسة بالضحايا لدى مؤسسة أجنبية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حوار-حمادي الجبالي: حزب الشاهد يستغل الدولة والدور على تونس بعد ليبيا (1 - 2)

حوار-حمادي الجبالي: السبسي أضر بصورة الرئيس والنهضة تنتظر "الضوء الأخضر" (2-2)