سنة بعد انطلاق الدوائر القضائية المتخصصة.. النقابات الأمنية تضغط والجلاد غائب!

سنة بعد انطلاق الدوائر القضائية المتخصصة.. النقابات الأمنية تضغط والجلاد غائب!

تواجه الدوائر القضائية المتخصصة عراقيل وضغوطات عديدة (صورة أرشيفية/فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

 

تمرّ سنة منذ بدء عمل الدوائر القضائية المتخصصة في العدالة الانتقالية بعد عقد أولى جلساتها في المحكمة الابتدائية بقابس بتاريخ 29 ماي/آيار 2018 التي خُصّصت لملف الشهيد كمال المطماطي الذي قضى تحت التعذيب سنة 1991. وقد نظرت الدوائر المتخصصة طيلة سنة كاملة في 38 ملفًا ( من بين 138 ملفًا مُحالًا من هيئة الحقيقة والكرامة) بما يوافق 108 جلسة راوحت بين ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان التابعين للاتجاه الاسلامي سابقًا، وحركات اليسار والحركات الطلابية والنقابية وأحداث الخبز وشهداء الثورة وجرحاها، إضافة إلى ملف وحيد في الفساد المالي وذلك وفق ائتلاف المجتمع المدني للدفاع عن العدالة الانتقالية.

فيما أفادت جمعية "بوصلة" أن العدد الجملي للضحايا والمتهمين في هذه القضايا بلغ 541 ضحية و687 متهمًا مشيرة إلى الغياب الكلي للمتهمين ولمحاميهم عن الجلسات في 13 قضية، والاقتصار على حضور المحامي في 16 ملف مقابل حضور متهم على الأقل في 9 قضايا فقط.

اقرأ/ي أيضًا: الأمل الأخير للمحاسبة.. ماذا تعرف عن قضاء العدالة الانتقالية؟

نشأة الدوائر القضائية المتخصصة في العدالة الانتقالية

اُحدثت الدوائر القضائية المتخصصة في العدالة الانتقالية بموجب الفصل 8 من قانون العدالة الانتقالية لتتعهد بالنظر في القضايا الخاصة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والفساد المالي إضافة لتزوير الانتخابات. ثم صدر الأمر عدد 2887 المؤرخ في 8 أوت/أغسطس 2014 المتعلق بإحداث دوائر جنائية متخصصة في العدالة الانتقالية بالمحاكم الابتدائية المنتصبة بمقار محاكم الاستئناف، وشمل 8 محاكم فقط لتنضاف لاحقًا محاكم أخرى لتوجد بالنهاية اليوم 13 دائرة قضائية بكل من المحاكم الابتدائية بتونس وقفصة ونابل والكاف وبنزرت والقصرين وسيدي بوزيد وصفاقس وقابس وسوسة ومدنين والقيروان والمنستير.

نظرت الدوائر القضائية المتخصصة طيلة سنة كاملة في 38 ملفًا بما يوافق 108 جلسة تتعلق بضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان

وقامت الهيئة الوقتية للقضاء العدلي في نوفمبر/تشرين الثاني 2015 بتسمية قضاة لهذه الدوائر في مرحلة أولى، ليتولّى لاحقًا مجلس القضاء العدلي تسمية القضاة في مرحلة موالية بتاريخ 4 و5 ديسمبر/كانون الأول 2017، وذلك على ألا يكون رئيس المحكمة الابتدائية هو رئيس الدائرة الجنائية المتخصصة في العدالة الانتقالية اعتبارًا لأهمية سلطته في إدارة المحكمة ونظرا لعدم تفرغه ليقع إسناد هذه المسؤولية إلى رئيس الدائرة الجنائية بالمحكمة الابتدائية.

ويشترط قانون العدالة الانتقالية أن يقع اختيار قضاة الدوائر المتخصصة من بين من لم يشاركوا في محاكمات ذات صبغة سياسية، وعلى أن يتم تكوينهم تكوينًا خصوصيًا في مجال العدالة الانتقالية.

وقد بدأت الدوائر المتخصصة عملها الفعلي بتاريخ 20 فيفري/شباط 2018 لتستقبل في مارس/آذار من العام أول ملف من هيئة الهيئة والكرامة، وهو ملف الشهيد كمال المطماطي، لتتلاحق تباعًا الملفات المُحالة التي شملت أغلب الفترات التاريخية لتونس، ومن بينها ملف اغتيال الشهيد صالح بن يوسف الذي أسال الكثير من الحبر.

العمل تحت التهديد وغياب للمتهمين

تواجه الدوائر القضائية المتخصصة منذ بداية نشاطها تحديات وعراقيل عديدة استعرضها ائتلاف المجتمع المدني للدفاع عن مسار العدالة الانتقالية، الذي يضم منظمات وجمعيات منها الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وجمعية القضاة، في بيانه بمناسبة مرور سنة على انطلاق عمل هذه الدوائر، حينما تحدث بالخصوص عن "مناخ سياسي معاد وغير مشجع لعمل الدوائر المتخصصة".

تواجه الدوائر القضائية المتخصصة منذ بداية نشاطها تحديات وعراقيل عديدة من بينها رفض بعض أعوان وزارة الداخلية تنفيذ القرارات الصادرة عن رؤساء الدوائر مثل قرارات تحجير السفر وبطاقات الجلب

وتحدث بالخصوص عن رفض بعض أعوان وزارة الداخلية لتنفيذ القرارات الصادرة عن رؤساء الدوائر المتخصصة بالمحاكم الابتدائية المتعلقة بالإجراءات التحفظية كالاستدعاءات وبطاقات الجلب وقرارات تحجير السفر، وذلك بغاية التفصي من المساءلة والمحاسبة، وفق الائتلاف.

وتشمل قائمة الصعوبات، وفق بيانه، "تنامي التهديدات العلنية الصادرة من قبل النقابات الأمنية بعدم تأمين قاعات الجلسات ودعوتهم لزملائهم من المنسوب إليهم الانتهاك لعدم الامتثال أمام الدوائر ولتجاهل قرارات الجلب الصادرة عنها" وذلك عدا عن "غياب الإرادة السياسية لاستكمال برامج التدريب والتكوين المستمر لقضاة الدوائر المتخصصة والسهر على استقرارهم".

وفي هذا الجانب، أكدت الرئيسة الشرفية لجمعية القضاة التونسيين روضة القرافي في تصريح لـ"ألترا تونس" أن تغيّب المتهمين في قضايا انتهاكات حقوق الانسان أمام الدوائر المتخصصة في العدالة الانتقالية هو نتيجة عدم وصول الاستدعاءات إليهم.

روضة القرافي لـ"ألترا تونس": تكرر غياب المتهمين وإصدار أحكام غيابية سيفرغ المحاكمات من معناها ويجعل منها تبدو كمحاكمات صورية وستكون بمثابة عنوان فشل لمسار العدالة الانتقالية في تونس 

اقرأ/ي أيضًا: قلع أظافر ورصاصة في الرأس.. عن قصة مقتل نبيل بركاتي

وتحدثت، في هذا الجانب، عن وجود غياب متكرر في القضايا محل نظر الدوائر المتخصصة "رغم أنّ من الصعب التصديق بصعوبة التعرف على مقرات المتهمين أو صعوبة إيصال الاستدعاءات إليهم" وفق قولها، مستغربة عدم قدرة النيابة العمومية والضابطة العدلية على جلب متهمين للمثول أمام القضاء.

على صعيد آخر، اعتبرت محدثتنا أنّ تكرر غياب المتهمين وإصدار أحكام غيابية "سيفرغ المحاكمات من معناها ويجعل منها تبدو كمحاكمات صورية وستكون بمثابة عنوان فشل لمسار العدالة الانتقالية في تونس لأنّها تكرس الإفلات من العقاب".

وكانت قد استنكرت جمعية القضاة، في بيان في أكتوبر/تشرين الأول 2018، ما اعتبرته تهجمًا على هذه الدوائر مشيرة إلى أنّ مرجعية المحاكمات هي معايير المحاكمة العادلة حسب الدستور والمواثيق الدولية، منددة بالخصوص بما وصفتها حملات التضليل والمغالطة التي تقودها بعض الأحزاب السياسية والبعض من المنسوب إليهم الانتهاكات ومحاميهم وبعض الناطقين بأسماء النقابات الأمنية بشأن إجراءات المحاكمة أمام الدوائر المذكورة. ورفضت الجمعية استهداف هذه الأطراف للدوائر المتخصصة بالتجريح والتشويه بدعوى تمسكها باختصاص القضاء العادي، كما انتقدت استهداف كتل نيابية لأعمال الدوائر بخطب تنال من استقلاليتها في محاولات للضغط على حسن سير المحاكمات وفق تأكيدها.

مشروع قانون لإلغاء الدوائر القضائية المتخصصة!

رغم أهمية دور الدوائر القضائية المتخصصة في كشف الحقيقة والمحاسبة منعًا للإفلات من العقاب بهدف استكمال مسار العدالة الانتقالية، وعدا عن العراقيل التي تواجهها والتشكيك في إجراءاتها، ظهرت مبادرات لإلغاء هذه الدوائر وتعويضها بلجنة مصالحة.

إذ صدرت في أفريل/نيسان 2019 وثيقة موجهة من الوزير لدى رئيس الحكومة المكلف بالعلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان فاضل محفوظ إلى رؤساء الكتل البرلمانية بعنوان "مشروع أولي لقانون أساسي يتعلق باستكمال مسار العدالة الانتقالية وإرساء المصالحة الشاملة وتعزيز الوحدة الوطنية" وذلك "للتفاعل معه وإبداء الملاحظات والمقترحات".

أعدت الوزارة المكلفة بالعلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني مشروعًا أوليًا لقانون يهدف لإلغاء الدوائر القضائية المتخصصة

وينصّ هذا المشروع الأولي على إلغاء الدوائر المتخصصة في العدالة الانتقالية وتعويضها للجنة للمصالحة في انتهاكات حقوق الإنسان تتكون من 9 شخصيات يعينها كل من رؤساء الجمهورية والحكومة والبرلمان بالتناصف فيما بينهم. وتقع إحالة كل الملفات التي تلقتها الدوائر القضائية المتخصصة إلى هذه اللجنة الجديدة التي يمكن أن تتلقى أيضًا مطالب مصالحة من كل شخص محلّ تتبع لدى القضاء بصفة عامة.

وعبرت منظمات وجمعيات إضافة لنشطاء المجتمع المدني عن رفضها المطلق لهذا المشروع الأولي مشددة على رفضها أي محاولة لإلغاء الدوائر المتخصصة، ومؤكدة تشبثها بمسار العدالة الانتقالية وبالخصوص المحاسبة والمساءلة بما يهدف لمنع الإفلات من العقاب.

ملفات مفرغة؟

في خضم الحديث عن العراقيل التي تواجهها الدوائر القضائية المتخصصة، تواجه هيئة الحقيقة والكرامة بدورها انتقادات على خلفية ما اُعتبر إحالتها لملفات "مُفرغة" لا تحمل أسانيد إدانة كافية رغم أن قانون العدالة الانتقالية يعطيها صلاحية التحقيق القضائي.

وقد أكد القاضي محمد العيادي، العضو السابق في هيئة الحقيقة والكرامة وعضو الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، في حوار لـ"ألترا تونس" أنّ قانون العدالة الانتقالية مكّن هيئة الحقيقة والكرامة من إحالة ملفاتها مباشرة إلى الطور الحكمي على اعتبار أن الهيئة تتولى الطور التحقيقي عبر قضاة صلبها، وهو خيار تشريعي جاء بهدف تسريع المعالجة القضائية لملفات العدالة الانتقالية.

ابتهال عبد اللطيف، عضو هيئة الحقيقة والكرامة، أكدت، في هذا الجانب في حوار أيضًا لـ"ألترا تونس"، أنّ قلة عدد القضاة في الهيئة واستقالة البعض منهم أثر بشكل كبير على عمل الهيئة وعلى سير تحقيقاتها، مما أدّى إلى إحالة عدّة ملفات مفرغة إلى الدوائر المتخصصة وفق تأكيدها. واعتبرت أن الهيئة تحولت في مرحلة ما إلى هيئة سماعات، وقالت إنه "كان من الأجدر القيام بالاستماع والتقصي والتحقيق في نفس الوقت وهو ما كان سيمكن الهيئة من التقصي بالشكل المطلوب في الملفات وإحالة أكثر ملفات وبأكثر دقة ومؤيدات إلى قضاء العدالة الانتقالية".

 

اقرأ/ي أيضًا:

الإخفاء القسري في تونس.. رهان الانتصار للحقيقة المُغيبة

السجون التونسية زمن الاستبداد.. مسرح للانتهاكات المهينة للذات البشرية