50 عامًا من الليبرالية المتونسة انتهت إلى تقييد كلّي للاقتصاد التونسي

50 عامًا من الليبرالية المتونسة انتهت إلى تقييد كلّي للاقتصاد التونسي

يعاني القطاع الفلاحي كغيره من القطاعات من ويلات الاعتباطيّة السياسية وغياب أي سياسة عامة جدية للنهوض به، عدا التواطؤ المريب لتركيعه لفائدة المحتكرين (فتحي بلعيد/ أ ف ب)

 

يروي ستيفن هاوكينغ في كتابه "تاريخ موجز عن الزمن"، واقعة تخصّ أحد العلماء الإنجليز المعروفين (يرجّح أنّه برتراند راسل). في محاضرة مفتوحة للعموم حول علم الفلك، كان هذا العالم يشرح كيف أنّ الأرض تدور في مدار حول الشمس، وكيف أن الشمس تدور هي الأخرى حول مجموعة واسعة من النّجوم تسمّى مجرّة. عند نهاية المحاضرة، قامت سيدة عجوز من الخلف لتقول: "لماذا تخبرنا بكلّ هذا الهراء. العالم يحمله طبق مسطّح على ظهر سلحفاة ضخمة". ابتسم العالم باستعلاء وقال: "وعلى ماذا تقف هاته السّلحفاة؟". فأجابت السّيدة: "أنت ذكي جدًّا، أيها الشاب، ذكي جدًّا". لتضيف:"هناك سلسلة لا تنتهي من السّلاحف فوق بعضها".

بعد الاحتجاجات الاجتماعيّة في الأحياء طيلة الشهر الماضي، انطلقت عدّة احتجاجات في مناطق مختلفة حول الصّعوبات التي يعاني منها الفلّاحون، وخاصة الصّغار منهم. التوريد العشوائي، نقص الأسمدة واحتكار توزيعها، أزمة البذور... وغيرها من المعضلات الّتي يواجهها القطاع الفلاحي. 

عبر مسار زمني طويل، تكوّنت العائلات المخزنية وتَوفّر لدى أبنائها رأس المال الرمزي المنشود المتكوّن من الوجاهة الاجتماعية، المكانة الثقافية وثروة متراكمة عبر السنين

ورغم التهميش واللاجدّية التي تتعامل بها دولة مع مشاكل هذا القطاع، لاتزال صادراته أكبر مصدر للعملة الصعبة لميزانية الدولة، بعد القروض. ليس استثناء، يعاني القطاع الفلاحي كغيره من القطاعات من ويلات الاعتباطيّة السياسية وغياب أي سياسة عامة جدية للنهوض به، عدا التواطؤ المريب لتركيعه لفائدة المحتكرين. 

اقتصاد في أحضان السّلطة: 

منذ القرن الرّابع عشر، حذّر ابن خلدون من تعاطي السّياسيين للتجارة فيما أسماه "تجارة السّلطان". كذلك استعار المؤرّخ ابن أبي الضياف ذات الوصف ليتحدّث عن احتكار الوزير المملوكي "يوسف صاحب الطّابع" للتجارة، في عهد أحمد باي، لكلّ الصادرات والواردات على البلاد. فيما يصف الدكتور مهدي جراد النخبة الاقتصاديّة في تونس الباياتيّة، بـ"تجّار البلاط". كذلك فعلت الباحثة في علم الاجتماع بدرة بشير، والتي دللت في أبحاثها عن ترابط بين السّلطة السّياسية (ممثّلة في الباي وحاشيته) وطبقة الماركنتليّة التي تستمدّ، عبر تقرّبها من الباي، سطوتها السياسية إلى جانب قوتها الاقتصادية. 

وعبر مسار زمني طويل، تكوّنت العائلات المخزنية، كما يسميها الصغيّر الصالحي في كتابه، سيتوفّر لدى أبناء هذه العائلات، رأس المال الرمزي المنشود، كما ابتدعه بيار بورديو، المتكوّن من الوجاهة الاجتماعيّة، المكانة الثقافية وثروة متراكمة عبر السنين. ولم يبقَ إلّا أن تنتج الهيمنة.

اقرأ/ي أيضًا: عن الدعم الحكومي للشركات والاقتصاد.. إعادة إنتاج الأزمة؟

إبان الاستقلال، بقيت الطبقة الاقتصاديّة الصغيرة حينها متوجسة وحذرة إزاء ولادة الدولة الجديدة. ورغم تشجيعات السلطة لحثّ التجار والحرفيين للاستثمار عبر منح الامتيازات والإعفاءات والقروض الميسّرة، إلّا أن ذلك لم ينجح في دفع العجلة الاقتصاديّة. 

إثر ذلك، مطلع الستّينات، ستعمد السلطة إلى تبنّي خيار الكينزة (نسبة  لنظريّة جون كينز)، حيث عمدت إلى ضخّ أموال طائلة في الدورة الاقتصاديّة لإحداث أقطاب صناعيّة كبرى لصناعة لوازم الأسواق المحليّة، مع سنّ سياسة التعاضد بقيادة أحمد بن صالح. رغم تحقيقها 6.3% من القيمة المضافة للنمو الصناعي وتكوين أكثر من 80 مؤسّسة اقتصاديّة عموميّة، إلّا أنّ عوامل سياسيّة (تحالفات) واجتماعية (أصحاب الأملاك) أدّت إلى فشل التجربة الاشتراكية التونسيّة.

 بحلول السّبعينات، ستنطلق الدّولة الفتيّة في بعث القطاع الخاص من رفات الشّركات العموميّة التي أنتجتها عشريّة بن صالح. أعلن محافظ البنك المركزي السابق، الشاذلي العياري، أول السّبعينات: "هدف الدولة هو بعث جيل جديد من الصناعيين والذين سيكونون قادة البلاد غدًا". بهذا الإعلان ستدخل البلاد مرحلة التحرر الليبرالي، بإيعاز غربي، بقيادة الهادي النّويرة. سنّت لذلك عديد التشريعات كالقانون 72 وفصله الخامس الخاص بتشجيع الاستثمار الأجنبي. ليتضاعف عدد الشّركات الخاصة إثر ذلك من 865 سنة 1970 إلى 2866 سنة  1983. وبحلول منتصف الثمانينات، برزت طبقة بورجوازيّة متنوّعة ومحلّية في تونس.

سنة 1993، نشرت إيفا بالين ورقة بحثيّة حول السّياسة الاقتصاديّة في تونس أين شخصت النخبة الاقتصاديّة بـ: 

  • تدين هذه النخبة بالفضل للدولة (ودافعي الضّرائب من ورائها) إذ انبثقت من رحم الدولة التي مهدت لها الطريق ووفرت لها التشريعات، السوق، الحماية...
  • نجاح القطاع الخاص ومردوديّته يرجع إلى تدخّل الدولة المباشر في السوق وحركته عبر توفير العقود واللزمات وبعث المشاريع الكبرى وإسنادها عبر المحاصصة بين هذه النخب.
  • كان للامتيازات التي منحتها الدولة الدور البارز في نجاح أعمال القطاع الخاص. كذلك وفّرت الـ"العلاقات الداخليّة" معلومات مهمّة استغلّها رجال الأعمال. يذكر أنّ الدولة أطلقت في السبعينات خدمة إعارة كوادر القطاع العام للقطاع الخاص "Détachement". لعب هؤلاء الدور البارز بين الجهاز البيروقراطي للدولة والمكينة الاقتصادية الخاصة. 

خلافًا للمفهوم الكلاسيكي للريع، والذي عادة ما يكون أساسه ثروات الأرض، فقد وصفت الباحثة الأميركيّة الاقتصاد التّونسي منذ ذلك الحين بالاقتصاد الريعي المستفيد من حماية الدولة، والنظام الاستبدادي حينها، عبر جملة من الامتيازات كالرخص الاحتكاريّة والإعفاءات الجبائية والامتيازات والأسبقية في عقود صفقات القطاع العام. في ما يشبه ظاهرة  الـ "Coupon clipper"  التي تحدّث عنها كارل ماركس. 

مطلع الستّينات، تبنت السلطة خيار الكينزة (نسبة  لنظريّة جون كينز) إذ عمدت إلى ضخّ أموال طائلة في الدورة الاقتصاديّة لإحداث أقطاب صناعيّة كبرى لصناعة لوازم الأسواق المحليّة مع سنّ سياسة التعاضد

وبهذا نجح النّظام في تونسة التجربة الليبراليّة، فصارت أقرب منها إلى الماركنتليّة Mercantilisme وهي حسب وصف آدم سميث سياسة اقتصادية غبيّة ومحدودة. أدّت هذه السّياسة إلى تركّز الثروة في يد فئة صغيرة من الأفراد، في شكل مونوبولات، تربطها علاقة عائليّة عبر الدم والمصاهرة. وبعد إمضاء الدولة التونسيّة لاتفاقيّة "إجماع واشنطن" للدول النّامية سنة 1988، سارعت الدولة في وتيرة اللبرلة شكليًّا إذ سنّت عدّة تشريعات (انطلاق العمل بكرّاس الشّروط لكن أبقت على الرّخص واللزمات من ضمن الشّروط) وبعثت مجلس المنافسة (مهمته استشاريّة) مقابل تلقّيها حزمة من التمويلات لإنجاز مشاريع عموميّة كبرى. تأقلمًا مع السّلطة الجديدة حينها، سارعت عدّة عائلات لربط علاقات تقارب ومصاهرة مع عائلة بن علي لتتشكّل أخيرًا "عائلة بن علي الكبرى Clan Ben Ali" كما تسمّيها التقارير الدوليّة. يوضح تقرير للبنك الدّولي أنّه إلى حدود سنة 2010، تحتكر عائلة بن علي الكبرى 21% من الثّروة مقابل تشغيل 0.8% من الموظّفين . وهو ما يمكن تسميته بأوليغارشيا اقتصاديّة – سياسيّة.

في كتاب لها بعنوان "Nous ne prendrons jamais le maquis"، تتناول المنظّرة السياسية بياتريس هيبو مثال منصور معلّى، الّذي تقلّد عديد الحقائب الوزارية في الفترة البورقيبية وأنشأ البنك الدولي العربي التونسي (BIAT) سنة 1976 كأوّل بنك خاص في تونس مستفيدًا من علاقته وقربه من السّلطة. تتناول هيبو أيضًا مظاهر ترويض السّلطة للنخبة الاقتصاديّة، والتي تقبل ذلك مقابل تحقيق مصالحها.

اقرأ/ي أيضًا: اقتصاد تونس سنة 2020.. أرقام مفزعة تحتاج إنعاشًا سريعًا

يوم 11 ماي/أيار 1993، قامت الخطوط التونسية، وشركات عمومية أخرى، بسحب أموالها من البنك الدولي العربي بتونس، ما سبّب لها بخسائر بقيمة 20% خلال أسبوع واحد. ويرجع ذلك لنيّة السلطة السياسية تحجيم هذه القوة الاقتصاديّة الصاعدة ردًّا على تواتر شائعات عن نية لوبي جهوي ترشيح معلّى لمنافسة بن علي في انتخابات 1994 التي فاز بها بنسبة 99.9%. 

مثال آخر يرويه المستشار السّابق وعالم الاجتماع عزيز كريشان من تصفّحه للأرشيف الرّئاسي، حول مراسلة من ديوان الأراضي الدوليّة (OTD)  إلى الرّئيس بن علي، إذ يستأذنه في تلبية طلب أحد رجال الأعمال لقطعة أرض فلاحية لتوسيع نشاطه. علّم الرئيس بن علي على هامش المراسلة  بـ"لا، ليس له، لقد توسّع بما فيه الكفاية. أسندها لآخر". تحفّظ المستشار عن ذكر هذا، مشيرًا إلى وجود عديد الأمثلة من هذه المراسلات في الأرشيف.

في تحقيق تناول العلاقات الفرنسية التونسية باسم "Tunis connection"، ترد أسماء عديدة لرجال أعمال تونسيين تتداخل سياسيًّا عبر القصر في سياسة البلاد الخارجيّة، وانعكاسها الدّاخلي، وذلك طيلة فترة بن علي حتى عشية الثورة. إذ يوضح التحقيق مثلًا تنقّل وزيرة الخارجية الفرنسية السابقة، ماري أليو ميشال، بين طبرقة وتوزرعبر طائرة خاصة مملوكة، لعزيز ميلاد وشريكه بلحسن الطرابلسي، أثناء عطلة رأس سنة 2011. وهو ما يكشف حجم الترابط بين السلطة السياسية للبلاد مع النخبة الاقتصادية في ما يشبها حكم المافيا "مافيوقراطيّة".

سلطة في أحضان المونوبولات: 

في خضمّ زخم الثّورة، ولمماطلة الجماهير المنتفضة آنذاك، أطلقت الحكومة الانتقاليّة بقيادة الباجي قايد السّبسي "مخطّط الياسمين" تحت إشراف وزير الماليّة حينها جلّول عيّاد. وهدف هذا المخطّط كان إجراء مشاريع كبرى وتحرير الاقتصاد الوطني، كما اشتغلّت تونس مشاركتها في قمّة مجموعة "G8"  لمحاولة استقطاب 5 مليار دولار قصد إعادة إحياء الاقتصاد، وهو ما لا يمكن تحقيقه إذ لا صلاحيّة لحكومة انتقاليّة لذلك، والدليل أنّ هذا المخطط لم يتجاوز ردهات المركز الدولي بدوفيل حيث عقدت القمّة. 

قبل ذلك، فرّت النواة الأولى لعائلة بن علي الكبرى في حين حجزت أملاكهم وأطلقت حملة قضائيّة كبيرة ضد كلّ المتعاملين مع سلطة النظام السابق. ترنّح نظام الريع لكن لم يسقط، ما يبرهن على مرونته إزاء كلّ رجّة (الاستقلال، التعاضد، الانتفاضات، الثورة...). حسب الوزير السابق إلياس الجويني، الريع هو أمر طبيعي، لكن ضار، وهو النّواة الأولى الفطرية للاقتصاد. 

اقرأ/ي أيضًا: كورونا والاقتصاد التونسي.. أوجه متعددة للأزمة

يرى فرانسيس فوكوياما أنّ التطور السياسي يجب أن يصاحبه تطوّر اقتصادي واجتماعي، والعكس كذلك. وإلّا تصادمت النخب السياسية والاقتصادية. وهذا ما جرى في أزمة 2012-2013 والتي نجحت عبرها النخب الاقتصاديّة في ترويض السياسة عبر أدوات ووسائل ضغط وابتزاز مختلفة حتى ظفرت بتمرير قانون المصالحة 49/2015 في سبتمبر/أيلول 2017. 

نجحت النخب الاقتصادية عبر أزمة 2012-2013 في ترويض السياسة عبر أدوات ووسائل ضغط وابتزاز مختلفة حتى ظفرت بتمرير قانون المصالحة 49/2015 في سبتمبر 2017

في سبيل ذلك، روّجت السلط السياسيّة، بمختلف ألوانها، لكثير من الإصلاحات المزعومة. منها قانون الاستثمار، أو مجلة الاستثمار، 71/2016 والذي لم يكن إلّا نسخة معدّلة من القانون القديم الذي شبّهته السكرتيرة الأميركية للتجارة بيني برايتزكر بالمتاهة البيزنطية. فرغم الارتفاع الشكلي لكتلة الاستثمارات الأجنبية بين 20-25% من 2017 إلى 2019، فإن التراجع المستمر لقيمة الدينار مقابل العملات الأجنبية ينسف خرافة هذا الرتفاع. كذلك قانون 2018 للشركات النّاشئة "start up act" ، إذ لم يتمّ بعد لا نشر الأوامر الحكومية التي نص عليها هذا القانون كبعث صندوق دعم المستثمرين الشبّان. رغم ذلك، ولغياب قيود الرخص السالف ذكرها، حقق مجال التكنولوجيّات قفزة نوعية إذ بلغ عدد الشركات النّاشئة 401 شركة تشغّل 2829 موظّفًا، محقّقة تعاملات بقيمة 66 مليون دينار (72% منها في السّوق المحلّية)، حسب التقرير السّنوي للشركات الناشئة 2019-2020. وهو ما يدلّ على إمكانيّة النّجاح لو أزيحت القيود.

وأصدرت الحكومة التونسية، بقيادة يوسف الشّاهد، المرسوم 417/2018 ليكون أطول مرسوم، أو نص تشريعي، في تاريخ تونس بـ222 صفحة. يحتوي هذا المرسوم، إلى جانب التراتيب البيروقراطيّة، على قائمة تضمّ 243 رخصة واجبة لكلّ من النّشاطات الفلاحيّة/العقاريّة/التجاريّة/السّياحيّة/الخدماتيّة الواردة بالنص. وهو ما يمكن اعتباره عقد قران الاقتصادي بالسّياسي. 

في مقابل، ارتفاع الجدل في الفضاء العام، والافتراضي، حول المطالبة بمحاربة الرّيع وإلغاء نظام الرّخص، يتصاعد أيضًا صوت المتخوّفين من تحرير السّوق وفتح البلاد على مصراعيها للمستثمرين الأجانب وما يعيده ذلك في الأذهان من تجربة دستور 1861 الّذي أعطى الأجانب حقوق التملّك والاتجار في البلاد، وواقعة بين هنشير النفيضة، وما صاحب ذلك من أحداث انتهت باستعمار البلاد سنة 1881. لن نعيد اختراع العجلة. في التجارب المقارنة لاقتصادات شبيهة آليّات وتنظيمات كفيلة بحماية الاقتصاد الوطني مثل نظريّات المنافسة الحرة والنزيهة سنتناولها في مقالات لاحقة. ويبقى كلّ هذا رهين الإرادة السّياسيّة، لكن كما قال الشّاعر: "أسمعت لو ناديت حيًّا". ربّما أتى من يسمع. 

المصادر والمراجع: 

 ستيفن هاوكينغ. كتاب "تاريخ موجز عن الزمن"

الصغير صالحي.الإستعمار الدّاخلي: منظومة التهميش في تونس. طبعة 2019

Vladimir Ilyich Lenin. Imperialism, the Highest Stage of Capitalism

بياتريس هيبو. Nous ne prendrons jamais le maquis

 

 

اقرأ/ي أيضًا:

الاقتصاد التونسي وجائحة الكورونا: الأزمة الفرصة (2/1)

الاقتصاد التونسي وجائحة الكورونا: الأزمة الفرصة (2/2)