حوار| يوسف بوزاخر: المجلس الأعلى للقضاء متمسك بصلاحياته أمام السلطة التنفيذية

حوار| يوسف بوزاخر: المجلس الأعلى للقضاء متمسك بصلاحياته أمام السلطة التنفيذية

أكد رئيس المجلس الأعلى للقضاء إمكانية التقاضي ضد السلطة التنفيذية لممارسة صلاحياته كاملة

 

أفرد الدستور التونسي المجلس الأعلى للقضاء بمهمة ضمان حسن سير القضاء واستقلالية السلطة القضائية طبق أحكام الدستور والمعاهدات الدولية المصادق عليها. غير أن المجلس، الذي تم إرساؤه قبل نحو 3 سنوات، لا يزال يكابد من أجل ممارسة كل صلاحياته أمام ما يعتبره تمسّك السلطة التنفيذية بالسلطة الترتيبية العامة والرغبة في العودة إلى وضعية ما قبل 2011  بما يتناقض مع فلسفة استقلال السّلط والفصل بينها وبما يعنيه من مصادرة لصلاحيات المجلس وتعطيل عمله.

حول هذه النقطة، وحول التأخير في إمضاء السلطة التنفيذية على الحركة القضائية وما أثاره من جدل في الأوساط القضائية وتبعاته على وضعية القضاة وسير العمل بالمحاكم، وحول دور القضاء في مكافحة الفساد، وأيضًا بخصوص التقاضي في مسار العدالة الانتقالية ونقاط أخرى، أجرى "ألترا تونس" حوارًا مع رئيس المجلس الأعلى للقضاء يوسف بوزاخر الذي أكد لنا أن المجلس قد يلجأ للتقاضي في صورة فشل محاولات إقناع السلطة التنفيذية بضرورة احترام صلاحياته. فيما يلي نص الحوار كاملًا:

اقرأ/ي أيضًا: معضلة طول آجال التقاضي في المحاكم التونسية (حوار مع القاضي عمر الوسلاتي)


  • ما هو تقييمك لإسقاط البرلمان لفصل إنشاء صندوق دعم العدالة في قانون المالية لسنة 2020؟

مسألة دعم ميزانية العدالة بصفة عامة هي من بين المعايير الدولية لقياس استقلال السلطة القضائية وقياس التزام نظام معين بسلطة وسياسة القانون. ففي المعايير الدولية، يجب أن لا تقلّ الميزانية المخصصة للعدل عن 2.5 في المائة لكن الميزانية المخصصة في تونس هي فقط 1.6 في المائة. ليس هذا فقط بل إذ أمضت تونس اتفاقيات منها المتعلقة بدعم منظومة العدالة مع الاتحاد الاوروبي (PARJ) ومن بين المؤشرات التي تضمنها الترفيع في ميزانية العدل.

يوسف بوزاخر: نأسف لإسقاط مشروع صندوق دعم العدالة في قانون المالية لسنة 2020 ونعتبره مؤشرًا سلبيًا

على هذا الأساس وبالنظر لمحدودية موارد الدولة، اُحدث صندوق جودة العدالة وتمت المصادقة عليه في مجلس الوزراء ولكنّه سقط في اللجنة الوقتية للمالية في البرلمان، واُعيد طرحه كمقترح تعديل في الجلسة العامةليسقط  من جديد من طرف الكتل البرلمانية رغم أن هذا الصندوق موارده خاصة ولا يكلف ميزانية الدولة التقليدية أي مليم. هو صندوق تتمثل موارده في نسبة 20 في المائة من الخطايا التي تحكم بها المحاكم مع بعض الرسوم على الأعمال غير القضائية للمحاكم.

السبب المعلن هو مجانية التقاضي والحال أن التقاضي مكلف في تونس ولا وجود لمجانيته إلا على الورق. أعتبر أن هذا السبب غير جدي لأنني أعتقد أن أي مواطن يفضل دعم الصندوق بـ 10 دينار على سبيل المثال لتلقي خدمات أكثر سرعة وأكثر نجاعة، ويفضل أن يتوفّر في المحكمة المرافق كما يفضل أن تكون قريبة من المتقاضي على أن يبقى الحال كما هو عليه اليوم من تردي للمرفق القضائي عمومًا.

فضلًا عن أن الخطايا التي تحكم بها المحاكم نسبة التنفيذ فيها ضعيفة جدًا بالنّظر للوضع الحالي للمحاكم، ومن شأن هذا الصندوق تعزيز قدرات القضاء على مستوى التنفيذ وبالتالي توفير موارد إضافية لهذا الصندوق. نحن نأسف لإسقاط هذا المشروع ونعتبره مؤشرًا سلبيًا.

  • قلت أن السبب المعلن هو مجانية التقاضي، ماهو السبب الحقيقي لإسقاط هذا المشروع برأيك؟

أعتقد أن مجلس النواب لم يأخذ الوقت الكافي لدراسة هذا المقترح وجدواه وربما تخوف من أن يكون مطلبًا معممًا على سائر القطاعات، ورأى أنه من باب أولى إسقاطه في قانون المالية.

  • بعد نحو 3 سنوات من إرسائه هل تعتقد أن المجلس الأعلى للقضاء قام بمهامه على أحسن وجه لضمان حسن سير القضاء واستقلاليته المحمولة عليه بالقانون؟

المجلس الأعلى للقضاء هو مؤسسة دستورية تضمن حسن سير القضاء وضمان استقلاليته ويختص حصريًا في المسارات المهنية للقضاة. وعلى هذا المستوى، قام المجلس بإنجاز الحركات القضائية وإن شهدت بعض التأخير في آجالها، كما أنجز مهامه على مستوى التأديب ورفع الحصانة والإلحاق وكل ما يتعلق بالمسارات المهنية عمومًا.

أما فيما يتعلق بالمهمة الكبرى وهي حسن سير القضاء وضمان استقلاليته عمومًا، يجابه المجلس الأعلى للقضاء عديد المشاكل تجابه لا سيما في علاقته مع بقية سلطات الدولة.

يوسف بوزاخر: يُراد للمجلس الأعلى للقضاء أن يكون إدارة تجري حركات قضائية وتبقى السلطة التنفيذية تتحكم فيها ما زاد على ذلك من انتداب وتكوين وإدارة للمحاكم وهذا مخالف للمعايير الدولية لاستقلال القضاء

ويتمتع المجلس بالسلطة الترتيبية في مجال اختصاصه وتولى ممارسة هذه السلطة باصدار ثلاثة قرارات ترتيبية تتعلق بضبط وظائف القضاء العدلي، وضبط الدوائر بالمحكمة الإدارية، وضبط عدد مندوبي الحكومة لدى محكمة المحاسبات، وهو ما تم منذ جانفي 2019 ولكن الحكومة ترفض نشر هذه القرارات في الرائد الرسمي بما عرقل عمل المجلس وأثر على المسارات المهنية للقضاة.

وهو محور نزاع الآن بيننا وبين السلطة التنفيذية بما يوحي أنه يُراد لهذا المجلس أن يكون إدارة تجري حركات قضائية وتبقى السلطة التنفيذية تتحكم فيها ما زاد على ذلك من انتداب وتكوين وترتيب وإدارة للمحاكم عمومًا، وهذا مخالف للمعايير الدولية لاستقلال القضاء، ولذلك فالمجلس متمسك بصلاحياته في هذا المجال.

  • يتأخر سنويًا إعلان الحركة القضائية رغم أن القانون يلزم بعدم تجاوز آجال شهر جويلية، ما سبب هذا التأخير؟

التأخير سببه عدم إمضاء رئيس الجمهورية للأمر الرئاسي المتعلق بالحركة مع بعض التأخير بالنسبة للمجلس في انجازها بالنّظر لتفعيل القرار عدد 1 المتعلق بضبط وظائف في القضاء العدلي وهو مرتبط بمنازعة السلطة التنفيذية للمجلس في هذا الإختصاص المسند له بموجب الفصل الأول من القانون المنظم له، مقابل تمسّك السلطة التنفيذية بالسلطة الترتيبية العامة في مفهومها ما قبل 2011 وهو ما لا يتماشى مع الوضع الدستوري للمجلس الأعلى للقضاء، ولا مع ما هو معلن من احترام استقلال السلط والفصل بينها والتوازن بينها.

ونحن في المجلس الأعلى للقضاء ضد استمرار هذه الممارسات السيئة في علاقة باستقلال السلطة القضائية. 

  • ماهي تداعيات تأخر إمضاء الرأي المطابق للمجلس حول الحركة القضائية؟

من شأن التأخير في إمضاء هذا الرأي أن يخلق وضعًا مضطربًا داخل المحاكم، ويمس من حقوق القضاة ومن أجورهم فضلًا عن تأثيره عن حقّهم في الاعتراض على نتائج الحركة القضائية في أمد معقول.

مراسلة "ألترا تونس" تحاور رئيس المجلس الأعلى للقضاء

 

  • ما الحلّ لتجاوز هذا الإشكال برأيك؟

نحن نتحاور مع بقية السلط لتجاوز الإشكال في نطاق احترام القانون والدستور وسنستعمل جميع إمكانات الحوار لإقناع السلطة التنفيذية بضرورة احترام صلاحيات المجلس الأعلى للقضاء وسنلجأ إن اقتضى الأمر إلى التقاضي في هذا الشأن. 

  • كيف يتفاعل المجلس مع الشكايات الواردة عليه حول عدم حياد بعض القضاة؟

تحال جميع الشكايات والإعلامات والبلاغات التي من شأنها أن تشكل أفعالًا موجبة للمؤاخدة التأديبية تحال مباشرة على التفقدية بالنسبة للقضاة العدليين وعلى الرئيس الأول للمحكمة الإدارية والرئيس الأول لمحكمة المحاسبات لمباشرة الأبحاث فيها.

وردت على المجلس الأعلى للقضاء خلال 3 سنوات حوالي 50 شكاية في هذا الجانب.

يوسف بوزاخر: سنستعمل جميع إمكانات الحوار لإقناع السلطة التنفيذية بضرورة احترام صلاحيات المجلس الأعلى للقضاء وسنلجأ إن اقتضى الأمر إلى التقاضي في هذا الشأن

  • وكيف يتفاعل المجلس الأعلى للقضاء مع الاتهامات بالاصطفاف الحزبي والسياسي؟

مبدئًيا، نعتبر الأعمال القضائية هي أعمال مهنية وكلما بلغ إلى المجلس وجود حديث عن شبهات أو غيرها في القضايا المتعلقة بالرأي العام، إلا وتولينا تعهيد التفقدية بإجراء الأبحاث اللازمة، وفي حال ثبوت تدخل سياسي أو من أي نوع في أعمال القضاء فإن المجلس يتعهّد بفضحه وإعلانه للعموم، ولم يثبت حصوله إلى حد الآن.

اقرأ/ي أيضًا: عضو هيئة مكافحة الفساد محمد العيادي: لا نتحمّل مسؤولية تباطؤ القضاء (حوار)

  • أي موقع للمؤسسة القضائية في الحرب على الفساد؟

لا يمكن لأي سلطة ولأي كان الإدعاء بأنه سيحارب الفساد دون وجود القضاء كسلطة مستقلة، ولذلك مهمّ جدًا الإعتراف بوضع القضاء كسلطة مستقلة والاستثمار في القضاء لتأهيله حتى يتمكن من تحقيق نتائج في الحرب على الفساد أو الإرهاب أو غيرها من الظواهر الإجرامية.

يوسف بوزاخر: الحرب على الفساد ليست شعارًا سياسيًا

وأعتقد أن الحرب على الفساد ليست شعارًا يرفع وينبغي الكف عن اعتماده كشعار سياسي، لأن طبيعة الأشياء تقتضي مقاضاة ظواهر الجريمة أمام محاكم مستقلة ومشكّلة تشكيلًا قانونيًا طبقا لضمانات المحاكمة العادلة بواسطة قضاة مستقلون، وهذا يستوجب احترام السلطة القضائية كسلطة مستقلة وتوفير الموارد المادية والبشرية اللازمة لها.

  • نواجه معضلة طول آجال الفصل في مثل هذه القضايا، إلى ما يعود ذلك؟ وهل ترون حلولًا لتجاوز ذلك؟

تتدخل عديد العناصر في التأخير في البت في هذه القضايا أهمها النظام الإجرائي التونسي. لا بد من إصلاح الإجراءات الجزائية والإجراءات المدنية، وطول الآجال تحكم فيها أيضًا الضمانات الموضوعية الواجب توفرها في القانون.

الزمن القضائي هو الزمن المعقول ولا يحسب بطريقة حسابية بسيطة فضلًا عن تدهور الإمكانيات في مسألة تبليغ القرارات القضائية، وفي مسألة الأبحاث الفنية والعلمية التي تأخذ حيّزًا كبيرًا من الزمن. وحتى محاولة إحداث قسم فني بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي لم تنجح لأسباب مالية تتعلق بالمنح المسندة للأعوان الفنيين أبقت سبعة فصول من هذا القانون حبرًا على ورق.

  • أي مساهمة للمجلس الأعلى للقضاء اليوم في إعداد مشاريع السلطة القضائية وتحديدًا مشروع القانون الأساسي للقضاة؟

نحن نعمل في إطار لجان على إعداد مقترحات الإصلاح عمومًا سواء تعلّقت بالقانون الأساسي للقضاة أو التفقدية العامة للشؤون القضائية أو الوظائف القضائية السامية أو غيرها من مقترحات الإصلاح بالإضافة إلى وضع مدوّنة سلوك القاضي. وصادقت الجلسة العامة للمجلس على خطة إستراتيجية لعمله خلال الفترة المتبقية تتضمن مختلف محاور الإصلاح التي سيعمل المجلس على إنجازها.

يوسف بوزاخر: على وزارة الداخلية الانخراط إيجابيًا في مسار العدالة الانتقالية بتبليغ الإستدعاءات وتنفيذ البطاقات القضائية في قضايا العدالة الانتقالية

  • منذ انطلاقها في شهر مارس 2018 يبدو نسق المحاكمات لدى الدوائر القضائية المتخصصة في العدالة الانتقالية بطيئًا وسجلنا غيابًا لافتًا لعدد من الشهود والمنسوب اليهم الانتهاك، بما تفسرون ذلك؟

هناك مشكلة أساسية في الدوائر القضائية المتخصصة هو تغيب مرتكبي الانتهاكات عن الجلسات وهذا أمر ينبغي دعوة بقية السلط وخاصة وزارة الداخلية إلى الإنخراط ايجابيًا في مسار العدالة الانتقالية بتبليغ الإستدعاءات وتنفيذ البطاقات القضائية.

مسألة العدالة الانتقالية هي مسألة حيوية بالنسبة لتصفية إرث الماضي، فبعض ملفات العدالة الانتقالية لا سيما منها القضايا المتعلقة بشهداء وجرحى الثورة لم تسقط بالتقادم.

وأعتقد أن معالجتها في إطار العدالة الانتقالية يحقق امتيازًا للضحية والجلاد أفضل من أن تكون محلّ تقاضي جزائي عادي لأن العدالة الانتقالية أفضل لمصلحة البلاد ولطيّ صفحة الماضي والمرور بسرعة نحو المصالحة الوطنية.

  • كيف تكون هذه الأفضلية في التقاضي في إطار العدالة الانتقالية؟

هي أفضل لأن العدالة الانتقالية لا تتضمن فقط عقاب الفاعل وإنما معالجة الانتهاك وكشف الحقيقة وتقارب الضحية مع الجلاد لضمان المصالحة مع ضمان عدم الإفلات من العقاب وهي ليست أهداف العدالة العادية التي تهدف إلى تسليط العقاب. وهنا تكمن كل المصلحة في استمرار العدالة الانتقالية وانخراط الجميع فيها. 

يوسف بوزاخر: المجلس الأعلى للقضاء هو الحارس الحقيقي للانتقال الديمقراطي وعلى جميع السلط احترام وضعه الدستوري

  • نلاحظ غيابًا لافتًا للمجلس الأعلى للقضاء عن المنابر الإعلامية وانغلاقه من خلال صفحة فقط على موقع التواصل الاجتماعي بمحتوى مهني موجه للقضاة أساسًا مع غياب موقع إلكتروني، ماهو تفسيركم لذلك؟

المجلس مؤسسة حديثة ونحن في المراحل الأولى لتركيزه واعترضتنا عديد الصعوبات في ذلك لمدة عام ونصف بعقد جلسات عامة بالمقر الفرعي لمجلس نواب الشعب وهذا أثّر على صورة المجلس بصفة عامة. نحن نعمل الآن على إحداث موقع إلكتروني للمجلس الأعلى لقضاء وتحديث الجانب الاتصالي.

وبقاء المجلس خارج المشهد العام في معظم الأحيان ليس خيارًا، بل خيارنا هو الإنفتاح على المجتمع المدني وعلى المواطنين التونسيين جميعًا، لأن المجلس هو خيار مجتمعي وهو ملك لكل التونسيين.

هل تعتقد أن يكون للتغيير السياسي في تونس تأثير على مناخ عمل المجلس؟

نأمل في أن يكون للمجلس الأعلى للقضاء الدور الحقيقي المنوط بعهدته وأن يكون أحد ركائز الجمهورية. ولنصل إلى ذلك، لا بد من احترام المجلس واحترام وضعه الدستوري وأنه يمثل سلطة القضاء وأنه مسؤول عن اختيار أعضاء المحكمة الدستورية.

وإن بقية السّلط مدعوة للتعامل مع المجلس على هذا الأساس، لأن وجوده كان بعد دراسة 50 أو 60 سنة منذ الاستقلال حينما كان في رؤية مغايرة لما هو عليه الآن، ونحن نعتبره اليوم الحارس الحقيقي للانتقال الديمقراطي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عامر المحرزي: قطاع المحاماة مستهدف من الدولة وبهذا أنصح العميد القادم (حوار)

روضة العبيدي: قريبًا قانون للتصدي لمكاتب التشغيل الوهمية في تونس (حوار)