معضلة طول آجال التقاضي في المحاكم التونسية (حوار مع القاضي عمر الوسلاتي)

معضلة طول آجال التقاضي في المحاكم التونسية (حوار مع القاضي عمر الوسلاتي)

1176 مشاهدة
طول آجال التقاضي يؤدي إلى عدم ثقة المواطنين في نجاعة العدالة لاسترداد الحقوق (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

زاد عدد الجرائم خلال عام 2018 بشكل أثار مخاوف التونسيين، إذ تحوّلت العديد من الجرائم التي تنوعت ما بين قتل وسلب واغتصاب واحتيال في تونس إلى قضايا رأي عام.

وقد بيّنت عدّة تقارير أمنية ارتفاع الجريمة خاصة جرائم القتل، التي ارتفعت بنسبة 46 في المائة خلال السداسي الأول لعام 2018، وفق وليد حكيمة المتحدث الرسمي باسم الإدارة العامة للأمن العمومي. كما أكد العميد في تصريحات إعلامية إلى أنّ جرائم العنف ارتفعت أيضًا بنسبة 12 في المائة خلال نفس الفترة. فيما سجل معدّل الجريمة عمومًا في البلاد، ارتفاعًا بنسبة 20.9 في المائة، كما تمت إثارة 106 آلاف قضية خلال النصف الأول من عام 2018 مقابل 88 ألف قضية خلال النصف الأول من سنة 2017، وفق نفس المصدر.

تحيل مسألة ارتفاع معدلات الجريمة في تونس إلى معظلة طول آجال التقاضي في ظل كثرة عدد القضايا وعدم البتّ فيها

ارتفاع نسبة الجريمة شغل الرأي العام والمسؤولين الأمنيين وخبراء الاجتماع خلال المدة الأخيرة، لكن يبدو أنّنا تناسينا أنّ تلك الجرائم ما هي إلاّ ملفات وقضايا متراكمة على مكاتب القضاة، قضاة بات عددهم قليلًا مقارنة بعدد تلك الجرائم، مقابل انتظار أصحاب قضايا التظلم عدّة سنوات لاسترداد حقوقهم.

حول هذا الملف، تحدثنا مع القاضي عمر الوسلاتي الذي بيّن أنّه يوجد في بعض المحاكم 160 قاضيًا، بينما يوجد في محاكم أخرى 20 فقط، إذ يختلف العدد حسب حجم العمل وعدد القضايا وليس حسب التوزيع الجغرافي وفق تأكيده. وذكر أنه تجد مثلًا في منطقة داخلية 20 قاضيًا في محكمة بحكم عدم وجود قضايا كثيرة، بينما في بنزرت أو قرمبالية أو أي منطقة أخرى يوجد عدد كبير من القضايا بحكم الكثافة السكانية، مضيفًا أنّ عدد القضاة الجملي هو في حدود 2000 أو 2200 قاض، مقابل قرابة مليونين و500 قضية في السنة، وهو ما يؤدي إلى طول نشر القضايا ليؤدي بدوره إلى ضياع الحقوق وفق تعبيره.

اقرأ/ي أيضًا: نظام تأجير خاص طبقًا للمعايير الدولية.. هل يتحقق مطلب القضاة؟

وأكد الوسلاتي لـ"الترا تونس" أنّ هناك قضايا تتطلب عادة شهرًا أو شهرين للفصل فيها، لكنّها تبقى في الحقيقة سنتين أو حتى ثلاث سنوات، وتصبح بلا معنى خاصة قضايا الأموال قائلًا: "على سبيل المثال، إذا كان شخص متظلمًا بسبب ديون لدى شخص آخر تبلغ قيمتها 10 آلاف دينار ثم تتعطل القضية لثلاث أو أربع سنوات، فإنه مع الانخفاض المستمر للدينار، فقيمة الـ10 آلاف دينار سنة 2012 ليست كقيمتها اليوم".

كما أشار محدّثنا إلى أنّ طول نشر القضايا يؤثر حتى على الدورة الاقتصادية، مؤكدًا أن عدم الفصل في قضايا المستثمر أو الشركة في آجال معقولة سيؤدي إلى نقص في الاستثمار على مستوى ديون أو شيكات تلك الشركة التي لا تصدر فيها أحكام في آجال معقولة، وهو ما يؤدي إلى انخرام الدورة الاقتصادية وركود الاقتصاد لأنّه توجد أموال كبيرة مرتبطة بقضايا في المحاكم.

عمر الوسلاتي: هناك قضايا تتطلب عادة شهرًا أو شهرين للفصل فيها لكنّها تبقى في الحقيقة سنتين أو أكثر  وتصبح بلا معنى خاصة قضايا الأموال وهو ما يؤثر على الاستثمار تباعًا

ويؤكد القاضي عمر الوسلاتي أن لكل مواطن الحق أن تفصل قضيته في أجل معقول، وهو حق دستوري، وذلك بألا يتجاوز الأجل العام أو العام ونصف على أقصى تقدير وليس ثلاثة أعوام أو أكثر كما الحال الآن، ويشير محدّثنا أنه توجد قضايا تتجاوز آجال البت فيها 10 أو حتى 15 سنة بين ابتدائي واستئنافي وتعقيب.

ويضيف أن طول هذه الآجال يؤدي إلى عدم استقرار الوضع الاقتصادي وحتى الوضع الاجتماعي والسلم الأهلي، مشيرًا أنه إذا ظلّ شخص ما في حالة سراح طيلة سير قضية جنحة أو جريمة دون أن تتم محاكمته في أجل معقول، فذلك سيؤدي إلى عدم ثقة الناس في العدالة، وإلى رسوخ فكرة الإفلات من العقاب مع شعور الناس بعدم الأمان. وأضاف الوسلاتي قائلًا في ذات الإطار أنّ: "أهم شيء في المجتمع هو أن يشعر المواطن بالأمان القانوني والفصل في القضايا في أجل معقول وأنّ يكون القاضي لديه كفاءة ومختص، ولا نستعجل الفصل في القضايا بطريقة متسرعة وهو ما لا يؤدي إلى عدالة حقيقية".

اقرأ/ي أيضًا: المحاكم في تونس.. ماهي أصنافها؟ كم عددها؟ وأين مقراتها؟ (1/2)

على صعيد آخر، أشار الوسلاتي إلى وجود مشاكل أخرى هيكلية تنظيمية بالأساس تؤدي إلى تراكم القضايا، لأنّ المحاكم لا تتمتع بالاستقلالية الادارية لإدارة شؤونها الداخلية. وأفاد أن إدارة المحاكم هي إدارة مركزية، إذ لا سلطة للقضاة حتى على الموظفين والإداريين، فـ"الإداري يستطيع التحكم في الملفات أو لا يحضر في الوقت أو لا يحضر الجلسة ولا يقوم بعمله وذلك يعود إلى الخلل في الهيكلة الإدارية" وفق تعبيره.

عمر الوسلاتي: طول آجال التقاضي يؤدي  إلى عدم ثقة الناس في العدالة وإلى رسوخ فكرة الإفلات من العقاب مع شعور الناس بعدم الأمان القانوني 

ويؤكد محدثنا أن بعض المحاكم في المناطق الداخلية تنتظر أحيانًا حتى وصول بعض الأوراق إليها من العاصمة وذلك بسبب غياب التسيير الذاتي للمحاكم قائلًا:" لا نعرف حتى الكيان القانوني للمحكمة ماذا بالضبط؟ وما هي صبغتها؟ وهل لديها القدرة أن تسيير أمورها؟ هي لا تقدر على ذلك، فكيانات المحاكم بلا وجود قانوني، وهو ما يؤدي إلى صعوبة العمل القضائي في حدّ ذاته".

وتحدث أيضًا عن نقص وسائل العمل، مؤكدًا أن القاضي يعمل دون حاسوب أو أجهزة أو هاتف مباشر أو كاتب خاص يجهز له الملفات، وأن القاضي يتولى شراء المجلات القانونية على حسابه الخاص، ليؤكد مجدّدًا أن نقص كل وسائل العمل يساهم في تراكم القضايا.

كما أشار عمر الوسلاتي في حديثه لـ"الترا تونس" إلى أنّ مشكل تراكم القضايا يتطلب إعادة تنظيم المنظومة القضائية، قائلًا "يجب إعادة النظر في التقاضي ونشر القضايا، لأنّه توجد بعض الملفات من غير الداعي أن تقع إحالتها على القضاء. فعلى سبيل المثال الطلاق بالتراضي بين زوجين دون أطفال، لما لا يكون بتصريح؟ ونفس الشيء بالنسبة لقضايا البناء من دون رخصة أو الشيك دون رصيد وبعض المخالفات الأخرى. فلما لا يقع في قضية تتعلق بشيك دون رصيد التنفيذ مباشرة دون التوجه للمحكمة. نحن هنا نتحدث عن منظومة قضاء بطيئة لأنّها منظومة منسجمة مع فترة الستينيات والسبعينيات، ولكن لا تنسجم مع منظومة 2018 والتطور التكنولوجي وتطور عدد السكان، وذلك إلى جانب مشاكل أخرى هيكلية ذاتية تتعلق أساسًا بطبيعة المنظومة القضائية التي لا تستجيب لتطور الواقع أو لتطور القوانين".

عمر الوسلاتي: مشكل تراكم القضايا يتطلب إعادة تنظيم المنظومة القضائية أساسًا عبر التقليص من الملفات المُحالة على القضاء وإحداث منظومة الكترونية في المحاكم

يختم بذلك القاضي الوسلاتي حوارنا معه بالدعوة إلى تغيير المنظومة القضائية الحالية إلى المنظومة الالكترونية باعتماد المراسلات والاستدعاءات الإلكترونية قائلًا: "لا نزال في 2018 ولكن نرسل مراسلات عن طريق العمدة. وحتى منظومة الاستدعاء أو العناوين غير معلومة، فالبريد يملك عنوان للشخص والحرس لديه عنوان مختلف لنفس الشخص وكذلك القباضة ولا نعلم أيّ العناوين هو الصحيح. إذ أن منظومة عناوين الأشخاص غير معلومة، وتوجد صعوبة أحيانًا للتواصل مع شخص للحضور لدى المحكمة أو لبلوغ الحكم إليه".

 

اقرأ/ي أيضًا:

خاصّ: حقيقة الجدل حول "أول قرار قضائي في تونس يقبل الخيانة الإلكترونية"

رئيس جمعية القضاة لــ"الترا تونس": تنقيح قانون المحكمة الدستورية أمر خطير