العميد فتحي زهير.. الوساطة الضائعة بين بورقيبة وبن يوسف

العميد فتحي زهير.. الوساطة الضائعة بين بورقيبة وبن يوسف

غلاف كتاب "العميد فتحي زهير: الوساطة الضائعة في الخلاف البورقيبي اليوسفي"

 

يعدّ تأصيل نضالات الشعب التونسي بمختلف مكوناته ورموزه ضد المحتلّ الفرنسي الذي نال من كرامة وثروات التونسيين طيلة الفترة الزمنية الممتدّة من 1881 إلى 1956 في السّياقات الاجتماعية المحليّة والسياسية الإقليمية والدولية، مهمة وطنية تاريخية ذات أولوية قصوى بهدف حفظ الذاكرة الوطنية.

إذ تُستوجب اليوم إرادة وطنية تجعل من إعادة كتابة تاريخ الحركة الوطنية مشروعًا علويًا كبيرًا لا تقل قيمته الاعتبارية والمشاعرية عن قيمة الاستقلال ذاته بهدف إنصاف المقاومين والرجال الذين غمطتهم دولة الاستقلال حقهم الرمزي وأقصتهم قصدًا من دائرة ضوء التاريخ، وأيضًا إبراز دور الجهات التي استبسلت في الذود عن حرمة الوطن وهو ما قوبل بعد الاستقلال بالجحود والتهميش.

يتوزّع كتاب "العميد فتحي زهير: الوساطة الضائعة في الخلاف البورقيبي اليوسفي" على ثمانية فصول محاولًا إنصاف عميد المحامين الأسبق وأحد رجال الحركة الوطنية ودولة الاستقلال

فإن لم يتحقق ذلك، سيظلّ تاريخ نضال التونسيين ضد الاستعمار الفرنسي محمولًا على نقاشات سطحية ومحمومة تغذيها المنابر الإعلامية التي تخوض في الوقائع والأحداث التاريخية وفق معايير غير مهنية مع تغييب تام للمختصين من محللين ومؤرّخين يملكون لوحدهم الأدوات العلمية التي بمقتضاها يتناولون حقيقة التاريخ دونما زيف أو تحريف. كما سيظلّ التاريخ مجالًا خصًبا للتوظيف السياسي وهو ما نراه جليًا في الصراعات السياسية والحزبية الضيقة خلال الحملات الانتخابية بتوظيف التاريخ توظيفًا غير بريء على نحو رديء مجانب للموضوعية التاريخية بما يخدم توجّهات بعينها لضرب الخصوم والمنافسين.

اقرأ/ي أيضًا: علي الزليطني.. قصة أحد مناضلي الاستقلال المنسيين

ورغم ذلك، حلّت بعد الثورة مبادرات كثيرة لإعادة النبش في تاريخ الحركة الوطنية على غرار إنشاء هيئة الحقيقة والكرامة، من بوابة العدالة الانتقالية، التي وفّرت مادة تاريخية جديدة تمثلت في شهادات سمعية بصرية ارتبط بعضها بتلك الحقبة الزمنية، أو بصدور العشرات من الكتب على يد باحثين مختصين في تاريخ تونس المعاصر أو مثقفين أرادوا الإسهام الفكري والاثراء، وهي تبقى كلّها روافد تغذّي المشروع الحلم.      

ومن بين هذه الإصدارات التي تعلّقت بفترة ما قبل الاستقلال وطبعت بعد الثورة، نجد كتاب "العميد فتحي زهير: الوساطة الضائعة في الخلاف البورقيبي اليوسفي" الذي ألفه فاخر الرويسي وهو صادر عن دار تونس للنشر، وقدّمه الوزير الأول الأسبق الراحل الهادي البكّوش.

الكتاب قسّمه صاحبه إلى ثمانية فصول ثرية بالمعلومات والصور والأرشيفات والشهادات محاولًا إنصاف رجل جانبه التاريخ وظلّت مناقبه مغمورة إلى اليوم هو عميد المحامين الأسبق وأحد رجال الحركة الوطنية ودولة الاستقلال فتحي زهير.

الحياة السياسية لفتحي زهير

في الفصلين الأول والثاني من الكتاب، سعى المؤلف فاخر الرويسي إلى التعريف بإسهاب بشخصية فتحي زهير المولود بمدينة تونس العتيقة سنة 1917 من عائلة ذات أصول أندلسية حيث كان والده الشاذلي زهير قاضيًا شهيرًا في السنوات العشرين من القرن الماضي، وهي نفس العائلة التي صاهرها الزعيم صالح بن يوسف بزواجه من صوفية شقيقة فتحي زهير. كما كانت والدته جميلة درغوث مناضلة ناهضت الاستعمار وكانت قيادية بارزة في حوادث 9 أفريل 1938 وهي من أقارب الزعيم الوطني علي درغوث.

يتضمّن الكاتب شهادة السيدة تراكي، أرملة فتحي زهير، التي تصف الرعب الذي عاشته العائلة ووقع القنابل التي ألقيت على منزلهم رغم الحراسة

وقد درس فتحي زهير جميع مراحل التعليم بالمدرسة الصادقية ونال منها شهادة الباكالوريا سنة 1935 ليلتحق فيما بعد بكلية الحقوق بتولوز بفرنسا سنة 1936 ويتخرّج منها حائزًا على الإجازة في المحاماة. وعند عودته إلى تونس، انضمّ إلى سلك المحاماة مع بداية من سنة 1940 مشتغلًا بمكتب الأستاذ المحامي مصطفى الكعاك المثقف والناشط السياسي الاجتماعي المعروف الذي كان أول عميد عربي مسلم لهيئة المحامين التونسيين ورئيس حكومة سابق للأمين باي سنة 1947 ورئيس سابق لجمعية الترجي الرياضي التونسي.

وقد اعتبر الكاتب خلال الفصلين الثالث والرابع الذين خصصهما للحديث عن الحياة السياسية لفتحي زهير أنه وجد في مكتب الكعاك مناخًا هامًا من العلاقات واللقاءات التي أنضجت وعيه السياسي وجعلته ينخرط مبكرًا في الحركة الوطنية الدستورية. كما أن زواجه بالأميرة تراكي حفيدة المنصف باي جعل علاقته تتوطد بالقصر الملكي ودوائره وجمعته أيضًا صداقات هامة برموز الاتحاد العام التونسي للشغل وخاصة الزعيم فرحات حشّاد، وقد تم تعيينه لاحقًا مستشارًا قانونيًا لمحمد الأمين باي وقد تزامن ذلك مع الإصلاحات التي اقترحها وعرضها المقيم العام الفرنسي "دو هوت كلوك".

قيادات وطنية تناقش الإصلاحات الفرنسية في بيت فتحي زهير

 

فكان أن خطط فتحي زهير رفقة الشاذلي باي وهو ابن الأمين باي، وصديقه الدكتور عبد الرحمان مامي الذي كان الطبيب الخاص لقصر الباي على رفض المقترحات الفرنسية، واقترحوا على الباي أن يطلب من الحكومة الفرنسية إمهاًلا لأنه سيستشير الشعب فيما اقترحوا من إصلاحات. وفي صبيحة 1 أوت/أغسطس 1952، دعا الباي إلى قرطاج أربعين شخصية تمثل مختلف عناصر الشعب من الحزبين الدستوريين القديم والجديد والاتحاد العام التونسي للشغل والجامعة العامة للموظفين وجمعية الشبان المسلمين وعن هيئة علماء ومجلس الشرع بجامعة الزيتونة وهيئة المحامين وعن الأطباء وعن الجالية اليهودية وعن الصيادلة وعن الاتحاد العام للفلاحة التونسية.

وقد عيّن محمد الأمين الباي الأستاذ فتحي زهير مقررًا عاما لمجلس الأربعين الذي رفض بعد المداولة المقترحات الإصلاحية الفرنسية بل واتخذ قرارًا إضافيًا كان مفاجئًا لفرنسًا وهو بعث أوّل برلمان تونسي.

لجنة الأربعين

 

وأوضح الأستاذ فاخر الرويسي من خلال كتابه أن فتحي زهير أصبح يشكل خطرًا على مصالح فرنسا فأدرجت اسمه مع باقي أعضاء لجنة مجلس الأربعين على قائمة الملاحقة والتضييق والاغتيال، فكان أن تعرض لمحاولتي اغتيال الأولى بوضع قنبلة عند باب منزله أثناء لقاء كان قد جمعه بالزعيم فرحات حشاد، والثانية بإلقاء قنبلة يدوية بشرفة منزله.

ويضمّن الكاتب، في هذا الجانب، شهادة السيدة تراكي، أرملة فتحي زهير، تصف الرعب الذي عاشته العائلة خلال تلك الفترة، ووقع القنابل التي ألقيت على منزلهم رغم الحراسة وكيف أن رعبهم قد تضاعف بعد أن اغتالت اليد الحمراء صديقهم الدكتور عبد الرحمان مامي. وتيقن الجميع أن فتحي زهير هو من سيأتي عليه الدور، فأصبح يعيش متخفيًا ومتنقلا بين المنازل.

ولكن اليد الحمراء نالت من الزعيم فرحات حشاد في 5 ديسمبر/كانون الأول 1952 وقامت قبل ذلك بإيقافات لكوادر الحزب الدستوري الجديد والحزب الشيوعي ومن بينهم فتحي زهير الذي سُجن بمحتشد تطاوين رفقة كل من علي بلهوان، ومصطفى الدلاجي، ومحمود المسعدي، ومحمد علي العنابي، والدكتور سطا مراد، والهادي نويرة، وفريد بورقيبة والصادق المقدم وغيرهم من نشطاء الحركة الوطنية التونسية.

وفي خاتمة الفصل الثالث من الكتاب، يتحدث الرويسي عن رفض السلطات الفرنسية لانضمام فتحي زهير الى حكومة الطاهر بن عمار وإجباره عن الانسحاب، ولكن بن عمار دعاه لفريق التفاوض من أجل الاستقلال الداخلي الذي انطلقت جلساته بباريس من 4 إلى 13 أكتوبر/تشرين الأول 1954 وذلك بعد موافقة البرلمان الفرنسي.

أمّن تهريب بن يوسف إلى ليبيا خوفًا من اغتياله

وتطرق الكاتب في هذا الفصل إلى المعارضة الشديدة للزعيم صالح بن يوسف لمفاوضات الاستقلال الداخلي الذي قال عنه قولته الشهيرة عند لقائه بالوفد المفاوض بجنيف: "هذه خطوة الى الوراء"، ودعوته التونسيين إلى مواصلة الكفاح المسلح لنيل الاستقلال التام وقد ساندته في ذلك الجامعة العربية ومكتب المغرب العربي ومجموعة دول عدم الانحياز وخصوصًا الرئيس المصري جمال عبد الناصر.

اقرأ/ي أيضًا: اغتيال صالح بن يوسف.. تفاصيل جريمة دولة لم تسقط بالتقادم

ويشير الكتاب إلى الوساطة التي قام بها فتحي زهير بين بورقيبة بن يوسف حيث استغل بورقيبة عامل الصداقة والمصاهرة التي تربط زهير ببن يوسف فكلفه للتوسّط وإقناعه بالعدول عن معارضة تمشي الاستقلال الداخلي ودعوته للمصالحة وتنقية أجواء الحزب الدستوري الجديد.

 استغل بورقيبة عامل الصداقة والمصاهرة التي تربط زهير ببن يوسف فكلفه للتوسّط وإقناعه بالعدول عن معارضة تمشي الاستقلال الداخلي

ورغم معرفة فتحي زهير بشخصية الزعيم صالح بن يوسف والإحراج الذي قد يحصل من خلال هذه الوساطة خاصة وأن بن يوسف قد علم بالدور الذي لعبه صهره في مفاوضات الاستقلال الداخلي وأنه هو من كلف بصياغة البروتوكول النهائي، إلا أنه قبل هذه الوساطة وقصد منزله في جهة مونفلوري في خريف 1955 الذي وجده محاطًا بعدد غفير من مناصريه المدججين بالسلاح وعندما دخل المنزل وجد بن يوسف مجتمعًا بزعماء قبائل الهمامة والفراشيش. وخلال اللقاء، حاول زهير بسط وجهة نظر بورقيبة وإقناع صهره بالعدول لكن بن يوسف خالفه الرأي وانتهى اللقاء بكلمات بالفرنسية مفادها: "أعضاء الديوان السياسي كلّهم أعدائي.. ربّما ألتقيك أنت وأصافحك لأسباب تعرفها".

ويذكر الكاتب أن الخطاب الذي ألقاه الزعيم صالح بن يوسف يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 1955 بجامع الزيتونة كان حاسمًا، وأكد فيه عدم تراجعه مما أثار غضب المقيم العام "سايدو" الذي احتج لدى رئيس الحكومة الطاهر بن عمار، وكانت القطيعة النهائية لبن يوسف مع الشق البورقيبي حيث تم فصله من الحزب يوم 13 أكتوبر/تشرين الأول 1955. كما خسر أيضًا رهان مؤتمر الحزب الذي جرى بمدينة صفاقس من 15 إلى 18 نوفمبر/تشرين الثاني 1955 بعد أن تم التضييق على الاجتماعات التي كان يعقدها بالجهات والاعتداء على مناصريه، وهو ما اضطرّه لمغادرة البلاد إلى طرابلس في 28 جانفي/كانون الثاني 1956 بعد أن تشكلت مليشيات من الحزب لمطاردة أتباعه والتنكيل بهم واغتيالهم.

ويسرد الكتاب ليلة المغادرة التي أمنها كل من فتحي زهير والمنجي سليم وسعيد محمد عمر الذي أرسله رئيس الحكومة الطاهر بن عمار بعد أن علم أن رأس صالح بن يوسف باتت مطلوبة من قبل فرنسا وبورقيبة معًا.

وفي الفصل الرابع والخامس من الكتاب، تطرّق فاخر الرويسي إلى الأدوار السياسية التي لعبها فتحي زهير بعد الاستقلال التام في 20 مارس/آذار 1956 وفوزه بعضوية المجلس القومي التأسيسي ثم تعيينه سنة 1957 سفيرًا فوق العادة بالمملكة المغربية ثم سفيرًا بروما بداية من 10 جوان/يونيو 1961 وسفيرًا بموسكو وبولونيا بداية من 1 أفريل/نيسان 1962 وتوليه فيما بعد لوزارة الصحة في حكومة الباهي الأدغم في 12 نوفمبر/ تشرين الثاني 1964.

اقرأ/ي أيضًا: الطيب الزلاق والطيب غرسة.. تخليد ذكرى مناضليْن أسقطهما "تاريخ السلطة"

موقف غامض من اغتيال صهره صالح بن يوسف

تناول الكتاب في فصلية السادس والسابع رحلة فتحي زهير مع مهنة المحاماة وتدرّجه إلى الفوز بعمادتها لدورتين متتاليتين الأولى سنة 1975 والثانية سنة 1977، ومواقفه الإنسانية وخاصة موقفه الغامض والباهت من اغتيال صهره صالح بن يوسف في بألمانيا في 12 أوت/أغسطس 1961.

في حين خصص الفصل الثامن إلى الشهادات التي قدّمت حول شخصية العميد فتحي زهير وهي شهادات متنوعة وثرية نذكر منها شهادة صوفية زهير أرملة صالح بن يوسف، وتراكي باي أرملة فتحي زهير، ومصطفى الفيلالي عضو المجلس القومي التأسيسي والوزير السابق وعبد القادر قبادو، والوزراء السابقين أحمد المستيري وأحمد بن صالح والهادي البكوش ومحمد الصياح الذي كان مديرًا للحزب الاشتراكي الدستوري، إضافة للباحث محمود بوعلي والمنذر مامي وعميد المحامين السابق الأزهر القروي الشابي.

إن هذا الكتاب الذي يتناول شخصية زخرفية كان لها الإسهام البارز في تاريخ الحركة الوطنية بتونس حاول صاحبه قدر الإمكان بالرغم من عدم تخصصه في التاريخ من أن يعيد له الاعتبار ويقدمه للأجيال. وما يحسب للأستاذ فاخر الرويسي هو الكم الهائل من الوثائق والصور والشهادات المضمّنة بين الفصول والتي يمكن أن تشكل بدورها مادة أرشيفية هامة لبحوث علمية أخرى تهتم بتاريخ تونس المعاصر.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الطاهر بن عمار: موقّع وثيقة الاستقلال الذي غُيبت بصماته

الجرائم الفرنسية ضدّ التونسيين والثأر غير المنسي