فرنسا مطالبة بالاعتذار والتعويض عن جرائمها بحق التونسيين.. هل ترضخ؟

فرنسا مطالبة بالاعتذار والتعويض عن جرائمها بحق التونسيين.. هل ترضخ؟

في مذكرة موجهة من هيئة الحقيقة والكرامة إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

 

طالبت هيئة الحقيقة والكرامة، المكلفة بالعدالة الانتقالية وذلك قبيل انتهاء أعمالها، الجمهورية الفرنسية، وعبر مذكرة رسمية مرفوعة إلى رئيسها إيمانويل ماكرون، بالاعتراف والاعتذار عمّا ارتكبته من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ومنها انتهاك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للتونسيين، وذلك بعد تحديد مسؤولية فرنسا خلال فترة احتلالها لتونس بين 1881 و1956 وما بعدها.

وطالبت الهيئة فرنسا ثانيًا باتخاذ التدابير اللازمة لجبر الضرر والتعويض المادي للضحايا أفرادًا أو جهات، عدا عن تعويض الدولة التونسية بصفتها ضحية استغلال اقتصادي غير عادل، مع المطالبة ثالثًا بإعادة الأرشيف التونسي من 1881 إلى 1963 ورابعًا بإلغاء الدين الخارجي التونسي لأنه "غير شرعي".

المذكرة الموجهة من هيئة الحقيقة والكرامة إلى الرئيس الفرنسي للاعتراف بجرائم الاحتلال الفرنسي وصرف تعويضات للدولة التونسية

 

اقرأ/ي أيضًا: هل يعتذر كل من البنك الدولي وصندوق النقد من تونس ويشطبان ديونها؟

تعتبر المذكرة هي الأولى من نوعها منذ الاستقلال التي تصدر عن مؤسسة عمومية تونسية، تحدد فيها مسؤوليات الاحتلال الفرنسي في إطار الصلاحيات الممنوحة بمقتضى قانون العدالة الانتقالية خاصة في الفصل 39 منه الذي أوكل للهيئة المستقلة "تحديد مسؤوليات أجهزة الدولة أو أي أطراف أخرى في الانتهاكات المشمولة بأحكام هذا القانون وتوضيح أسبابها واقتراح المعالجات التي تحول دون تكرارها مستقبلًا"، و"وضع برنامج شامل لجبر ضرر فردي وجماعي لضحايا الانتهاكات".

جرائم الاحتلال الفرنسي في تونس زمن الاستقلال وبعده

بين سنتي 1952 1955، أي منذ إعلان المقاومة التونسية المسلحة، ارتكب جيش الاحتلال الفرنسي جرائم حرب ومجازر في مناطق مختلفة من التراب التونسي قام فيها بإعدامات عشوائية واغتصاب للنساء واعتداء على الرضع وقتلهم ومصادرة الممتلكات والسطو على المؤن في الأرياف والاعتداء على المساجد وهدم المنازل بالجرافات.

وبلغ عدد ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان التي ارتكبها الجيش الفرنسي 7 ألاف ضحية خلال فترة الاحتلال، وحتى بعدها في المعارك التي جرت مناطق الشمال في بنزرت ومنزل بورقيبة والجنوب في تطاوين وقفصة ورمادة وبن قردان التي بقيت منطقة عسكرية فرنسية إلى حدود 1959 عبر اتفاقيات 3 جوان/يونيو 1955 وفق مذكرة الهيئة.

طلبت هيئة الحقيقة والكرامة من فرنسا الاعتراف بجرائم احتلالها لتونس والاعتذار عنها وصرف التعويضات اللازمة للدولة التونسية والأفراد وإعادة الأرشيف التونسي وإلغاء الدين الخارجي التونسي لأنه "غير شرعي"

فمفاوضات الاستقلال التي انطلقت في 13 سبتمبر/أيلول 1954 انتهت بالتوقيع على اتفاقيات الاستقلال الذاتي في 3 جوان/يونيو 1955 بين رئيس الحكومة التونسية وقتها الطاهر بن عمار ورئيس الحكومة الفرنسية إدقار فور تضمنت اعترافًا بسيادة جزئية لتونس، لتبقى مسائل الدفاع والخارجية من اختصاص المحتل.

ثم استمرت المفاوضات ليتم إمضاء بروتوكول الاستقلال بتاريخ 20 مارس/آذار 1956 غير أن الجيش الفرنسي واصل بقاءه في قواعد تونسية وقدّم دعمه للشق البورقيبي من خلال قصف صفوف المقاومة اليوسفية بمدفعية الطيران الفرنسي بالتنسيق مع لجان الرعاية مثل ما تم في معركة جبل أقري، وفق هيئة الحقيقة والكرامة.

اقرأ/ي أيضًا: الجرائم الفرنسية ضدّ التونسيين والثأر غير المنسي

كما استعملت فرنسا التراب التونسي لشن حربها على الجزائر مع واقعة المريج عين دراهم 31 ماي/آيار 1957 وأحداث ساقية سيدي يوسف في 8 فيفري/فبرار 1958 ولم يغادر المحتل الفرنسي التراب التونسي إلا بموجب اتفاقية 17 جوان/يونيو 1958 ما عدا قاعدة بنزرت التي ظل بيد الاحتلال إلى غاية 1963.

وجاء في المذكّرة أن هيئة الحقيقة والكرامة في هذا السياق، تلقت 5052 شكاية ثلاثة منها ملفات جماعية تمت في سياق معركة الاستقلال، وتعود 650 شكاية إلى حرب بنزرت التي هزت المدينة بين 19 و23 جويلية/يوليو 1961، وكانت في الحقيقة مواجهات غير متكافئة بين ثالث قوة عسكرية في العالم وقتها وبين دولة مستقلة منذ خمس سنوات، حصلت على استقلالها منذ خمس سنوات ومازال جيشها في طور التأسيس، وهنا تذكّر مذكرة الهيئة الحقيقة والكرامة بأوامر الرئيس الفرنسي حينها شارل ديغول "اقصف بسرعة وبقوة".

ارتكب جيش الاحتلال الفرنسي جرائم حرب ومجازر في مناطق مختلفة من التراب التونسي قام فيها بإعدامات عشوائية واغتصاب للنساء واعتداء على الرضع وقتلهم ومصادرة الممتلكات

وتتعلق ملفات تلقتها الهيئة بأحداث ساقية سيدي يوسف، على الحدود التونسية الجزائرية، عام 1958 التي راح ضحيتها 80 قتيلًا وعشرات الجرحى إثر قصف فرنسي. كما تتعلق ملفات أخرى بمعارك في مواجهة المحتل الفرنسي في مناطق عديدة منها  قفصة، وتطاوين وجبال الجنوب الشرقي والشريط الحدودي الغربي. ويحصي التقرير الختامي لهيئة الحقيقة والكرامة 1500 قتيلًا سقطوا في معارك جبل أقري بتطاوين وجبل بوهلال في قفصة بين ماي/آيار وجويلية/يوليو 1956.   

مطالبة بشطب الديون الخارجية الثنائية

اقتصاديًا، طالبت هيئة الحقيقة والكرامة فرنسا بشطب ديون تونس غير الشرعية استنادًا إلى جملة من الحقائق حول آثار الاحتلال الفرنسي على الاقتصاد التونسي و"الاستغلال الفاحش لثروات البلاد" عبر جملة من التشريعات التي ضمنت مواصلة تمتع فرنسا بامتيازات استعمارية في دولة مستقلة، تجسّدت بصفة خاصة بعقود تتجدد بصفة ألية لصالح شركات فرنسية بصفة حصرية، وفق نص المذكرة التي اطلعنا عليها.

واُرفقت هذه المذكرة بوثائق تكشف ما وصفته الهيئة بـ"التدخل الفرنسي في الخيارات الاقتصادية وارتهان الاقتصاد التونسي للمصالح الاستعمارية الفرنسية التي قيّدت الاقتصاد المحلي"، وأشارت بالخصوص إلى ملف الاستغلال المنجمي. وهي وثائق نشرتها "الحقيقة والكرامة" للعموم في مارس/آذار 2018  قبل أن تتعرض إلى حملة اتهامات بتزييف الحقائق التاريخية قادها ثلة من المؤرخين.

طالبت هيئة الحقيقة والكرامة فرنسا بشطب ديون تونس غير الشرعية استنادًا إلى جملة من الحقائق حول آثار الاحتلال الفرنسي على الاقتصاد التونسي و"الاستغلال الفاحش لثروات البلاد" 

وعندها اكتفت السفارة الفرنسية بتونس بنشر رد مفاده أن "علاقات تونس وفرنسا لا تخضع لمنطق الماضي"، ونفت أن تكون الشركات الفرنسية تحظى بأفضلية رغم أن تقارير رقابية حديثة أكّدت عكس ذلك.

"لكن مازالت الديون التونسية لصالح فرنسا تخضع لإرث الماضي" في حديث رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة سهام بن سدرين لـ"ألترا تونس" مضيفة أن فرنسا تعد أكبر دولة دائنة لتونس بحوالي 39 في المائة وهو وضع تفاقم بعد سقوط نظام بن علي، وأضافت أن تونس ما تزال تدفع الديون المتراكمة منذ الاستقلال.

وعلى سبيل المثال، إن عملية التأميم للأراضي والممتلكات التي كان يستغلها الفرنسيون تمت على خلاف ما هو معمول به في دول اخرى بل تم بشرائها بالعملة الصعبة عبر التداين من سلطة الاحتلال وهو ما كان نقطة الانطلاق لمسلسل التداين وفق، ما جاء على لسان بن سدرين.

وقد جاء في مذكّرة الهيئة المستقلة المعنية بمعالجة ملف العدالة الانتقالية أن فرنسا في إطار حماية مصالحها الاستعمارية، تغاضت عن المسألة الاقتصادية في اتفاقية الاستقلال التام، إذ ألزمت الدولة التونسية بمنح حق الأفضلية للمشاريع الفرنسية عند تساوي الشروط للحصول على رخص التنقيب والاستثمار وعلى اللزم، وعلى عدم قدرة الدولة التونسية على تغيير آجال اللزمات والاتفاقيات ورخص التنقيب والاستثمار المبرمة إلا بموافقة الطرف الفرنسي.

والاستغلال المجحف هو ما ميز استغلال فرنسا للثروات الباطنية بعد الاستقلال عبر استغلال الأراضي التونسية لنقل البترول من الجزائر بما لا يضمن حقوق تونس، إذ ظلت شركة فرنسية تدير خط الأنابيب على طول 775 كلم من قنوات نقل البترول من "أميناس" الجزائرية الى ميناء الصخيرة في صفاقس، والحال لم تكن الحكومة التونسية طرفًا في المفاوضات مع الجانب الفرنسي حول استغلال الأراضي التونسية لأكثر من 510 كم.

الاستغلال المجحف هو ما ميز استغلال فرنسا للثروات الباطنية بعد الاستقلال عبر استغلال الأراضي التونسية لنقل البترول من الجزائر بما لا يضمن حقوق تونس

اقرأ/ي أيضًا: كيف كانت بنزرت قاعدة عسكرية "نووية"؟

وأوضحت المذكّرة حجم خسارة الدولة التونسية بموجب الاتفاقيات المجحفة إذ بلغ إنتاج الحقول النفطية التونسية خلال سنة 1971 رقم 30.4 مليون برميل، في حين لم تتجاوز مداخيل الدولة التونسية من البترول في تلك الفترة 300 مليون فرنك فرنسي أي ما يعادل 550 ألف دولار أمريكي بمعدل 0.2 دولار للبرميل في وقت كان فيه سعر البرميل 3.6 دولار.

ولم تتجاوز مساهمة العائدات النفطية في الميزانية العامة معدّل 6 في المائة فيما قُدرت نسبة الخسارة بـ 34 في المائة من إجمالي الإنتاج خلال الفترة من 1971 إلى 2010، والذي (وفقًا لبيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية) يرتفع إلى 1.293 مليون برميل بخسارة قدرها 440 مليون برميل. وتوضح المذكرة أنه يمكن تقدير الحد الأدنى لقيمة الضرر على أساس السعر الحالي لبرميل برنت (الذي يعوض الفائدة الافتراضية) بمبلغ 27.5 مليار دولار (الدين العام 22 مليار دولار).

وعليه، إن جزءًا كبيرًا من الدين الخارجي لتونس هو إرث من الفترة الاستعمارية تفاقم لاحقًا بسبب تواصل الاستغلال، وتعود أغلب هذه الديون لفترة حكم بن علي من أجل تموقعه السياسي وإضفاء الشرعية على حكمه الاستبدادي، وفق نص المذكرة. وكان قد جاء في تقرير دائرة المحاسبات حول الدين العمومي الخارجي، في هذا السياق، أن ميزانية الدولة ستواجه ضغوطات خاصة خلال سنتي 2021 و2025 لتسديد حوالي ألف مليون دولار بعنوان كل سنة.

ليس سابقة مطالبة الاحتلال بالاعتراف بجرائمه

تونس ليست هي الأولى التي تطالب بالاعتذار أو جبر أضرارها عن فترة الاحتلال، فالجارة الجزائر تطالب رسميًا فرنسا أيضًا ومنذ منذ عقود بالاعتذار، وقد قدم الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في زيارة للجزائر بتاريخ 15 فبراير 2017 اعتذارًا عن "نظام التعذيب" الذي أرسته بلاده في البلد المحتل طيلة 132 سنة. وقال في تصريح إعلامي وقتها: "إن الاستعمار جزء من التاريخ الفرنسي. إنه جريمة، جريمة ضد الإنسانية، إنه وحشية حقيقية وهو جزء من هذا الماضي الذي يجب أن نواجهه بتقديم الاعتذار لمن ارتكبنا بحقهم هذه الممارسات".

وفي ليبيا، أنهت اتفاقية "تعاون وصداقة" ممضاة سنة 2008 أربعين عامًا من الخلافات مع ايطاليا بإعلان رئيس الحكومة الإيطالية سلفيو برلسكوني صرف 5 مليار دولار أي بمعدل 250 مليون دولار كل عام على مدى 25 عامًا كتعويض عن الحقبة الاستعمارية الايطالية في ليبيا، وقدّم اعتذاره للشعب الليبي عن الانتهاكات التي ارتكبتها بلاده. وفي أوروبا وفي أكتوبر/تشرين الثاني 2018، طالبت بولندا ألمانيا بتعويض قدره 850 مليار دولار عن خسائرها خلال الحرب العالمية الثانية.

سهام بن سدرين (رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة) لـ"ألترا تونس": يجب تحويل المذكرة الموجهة لفرنسا إلى قضية رأي عام  وأسانيد عديدة تفرض على فرنسا التعويض لتونس وشعبها عما لحقها من انتهاكات

كما أعلنت لجنة الأمم المتحدة للتعويضات من جنيف، في جويلية/يوليو 2019، تقديمها مبلغ 270 مليون دولار إلى حكومة الكويت كجزء من مبالغ التعويضات المستحقة، وفقًا لقرارات مجلس الأمن لمعالجة الخسائر والأضرار التي تكبدتها البلاد من الغزو العراقي عام 1990، وذلك من جملة 52.4 مليار دولار قضت اللجنة أن تدفعها العراق لأفراد وشركات وأجهزة حكومية كويتية.

تونس لم تطالب رسميًا منذ استقلالها من فرنسا بأي اعتذار أو صرف تعويضات لاحتلالها ونهب ثرواتها على مدى 75 عامًا، ولكن توجد اليوم مذكرة رسمية وجهتها هيئة مدسترة مكلفة بالعدالة الانتقالية، هيئة الحقيقة والكرامة، إلى الجمهورية الفرنسية عبر القنوات الديبلوماسية. وجاءت هذه المذكرة إثر تحريات ومعاينة الانتهاكات الحاصلة بسبب السياسة الاستعمارية التي انتهجتها فرنسا في تونس بما أضر بحقوق المواطنين وبالاقتصاد الوطني.

سهام بن سدرين، رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة، استبعدت في حديثها لـ"ألترا تونس" أن تكون استجابة السلطات فرنسا لهذه الطلبات ستتم بشكل عفوي مؤكدة على ضرورة تحويل الملف إلى قضية رأي عام تحركها منظمات المجتمع المدني. وأكدت أن المعاهدات الدولية وقرارات مجلس الأمم المتحدة والدستور التونسي والنصوص القانونية تفرض على فرنسا التعويض لتونس وشعبها عما لحقها من انتهاكات.

 

اقرأ/ي أيضًا:

معركة طبلبة 23 جانفي 1952.. حين وقع المحتلّ في كمائن القرية الثائرة

الرسم العقاري 6648.. هنشير النفيضة غنيمة الدولة عبر العصور