عدنان منصر يستعرض شذرات من تاريخ المقاومة المسلحة

عدنان منصر يستعرض شذرات من تاريخ المقاومة المسلحة

أستاذ التاريخ المعاصر ومؤلف كتاب "المقاومة المسلحة في تونس"

 

الترا تونس - فريق التحرير

 

استعرض عدنان منصر، أستاذ التاريخ المعاصر ومؤلف كتاب "المقاومة المسلحة في تونس" الموزّع على جزئين (بالاشتراك مع عميرة علية الصغير)، في حوار مصوّر على فيسبوك شذرات من تاريخ المقاومة المسلحة وصولًا إلى الشرخ الذي شقّ الحركة الوطنية بين الحبيب بورقيبة من جهة وصالح بن يوسف من جهة أخرى.

وتأتي هذه المبادرة على وقع عودة النقاشات مؤخرًا حول السنوات الأخيرة لفترة ما قبل الاستقلال، والتي تصاعدت في الأيام الأخيرة مع بدء عرض مسلسل "قلب الذيب" على القناة الوطنية الذي أثار موجة من الانتقادات لتضمنه أخطاء تاريخية أشار إليها مختصون في التاريخ المعاصر من بينهم عدنان منصر.

دردشة رمضانية مباشرة مع أستاذ التاريخ المعاصر عدنان منصر نتحدث خلالها عن المقاومة المسلحة ضد المستعمر الفرنسي وبعض فصول...

Publiée par ‎عدنان منصر - Adnen Manser‎ sur Dimanche 3 mai 2020

  • مقاومة مسلحة منذ الاحتلال

أوضح منصر، في بداية حديثه، أن المقاومة المسلحة في تونس للدقة لم تبدأ منذ عام 1952 بل انطلقت منذ عهد الحماية تحديدًا منذ ربيع 1881 عبر مقاومة قبائل مثل خمير ومقعد وهذيل في منطقة الشمال الغربي للقوات الفرنسية، وقد امتدت هذه المقاومة جنوبًا مرورًا بالوسط. وقد تواصلت هذه المقاومة إلى غاية صيف 1882 تقريبًا.

عدنان منصر: المقاومة المسلحة تعدّ جزءًا من الحركة الوطنية

وأشار إلى وجود حركات للمقاومة في فترة الحرب العالمية الأولى على غرار ثورة المرازيق وأحداث زرمدين، ثم كانت محاولات في النصف الثاني من الأربعينيات لإطلاق مقاومة مسلحة ولكنها لم تحقق مرادها ولكنها كانت إرهاصات للمقاومة لاحقًا.

وقال إن ما يميز أشكال هذه المقاومة أنها كانت محلية وفي أزمان متقاربة مع طرق عمل متشابهة.

  • سياق نشأة المقاومة المسلحة عام 1952

أوضح أستاذ التاريخ المعاصر أن نشأة المقاومة المسلحة جاءت بعد مذكرة بتاريخ 15 ديسمبر/كانون الأول 1951 أغلقت بموجبها السلطات الفرنسية الباب أمام المفاوضات.

وقد انتقلت وقتها قيادات من الحركة الوطنية للجهات منها الحبيب بورقيبة وقدمت خيار المقاومة المسلحة كاحتمال، مشيرًا إلى أن صالح بن يوسف لجأ في تلك الفترة إلى مصر بسبب مطاردته من الاحتلال بعد تقديمه شكوى ضد فرنسا أمام الأمم المتحدة.

اقرأ/ي أيضًا: الأخوان حفوز.. قصة مناضلين تونسيين اغتالتهما اليد الحمراء

وتحدث عن دور النقابيين على غرار أحمد التليلي في جهة قفصة، إضافة لدور المرأة في التطبيب والاستعلام وتوفير المؤونة.

ويذكر، في هذا الجانب، أن زكية وفاطمة من بنات الأمين باي ساهمتا في دفع الهادي بن جاب الله لاغتيال عزالدين باي الذي كانت تقترحه فرنسا لتعويض الأمين الباي لشكوكها حول قربه من الحركة الوطنية.

وأوضح منصر، في حديثه عن الحاضنة الشعبية، أن المجموعات المقاومة تتكون عادة من أبناء نفس الجهة ويمارسون أعمال المقاومة بها أيضًا.

وشدّد أن المقاومة المسلحة تعدّ جزءًا من الحركة الوطنية.

  • تسمية "الفلاقة"

وبخصوص تسمية "الفلاقة"، أوضح أستاذ التاريخ المعاصر أن اللفظ أطلقته السلطات الاستعمارية وأعوانها في تونس وهو يعني الخروج عن القانون.

وبيّن أن المقاومين كانوا يرفضون هذه التسمية لأنها تحمل استنقاصًا مشيرًا إلى أنهم كانوا يسمون أنفسهم بالمجاهدين.

  • من أين يأتي سلاح المقاومة؟

بين منصر أن أولى أسلحة المقاومة المسلحة هي من بقايا سلاح الحرب العالمية الثانية (سلاح أمريكي/ألماني/بريطاني/إيطالي) التي انتهت فصول معاركها في تونس في ربيع 1943، مشيرًا إلى أن المواطنين بعد انتهاء معارك الحرب كانوا يتجهون لجمع الأسلحة.

وأوضح، في هذا الجانب، أنه مرت نحو 10 سنوات بين فترة جمع السلاح والبدء في استعماله في المقاومة وهو ما أدى لمشكل ذخيرة لهذه الأسلحة إضافة لقدمها وعدم القدرة على استعمالها. وأوضح، هذا الإطار، أن المقاومة في تونس لم تتلق السلاح من الجزائر.

أكد عدنان منصر أن أولى أسلحة المقاومة المسلحة في تونس هي من بقايا سلاح الحرب العالمية الثانية

كما بيّن أن السلاح كان يأتي من ليبيا بداية من مخلفات الحرب العالمية، ثم بدأ يأتي في إطار الدعم المصري بعد ثورة 1952 وتوجه جمال عبد الناصر إلى دعم المقاومة في الجزائر.

وأفاد أن السلاح المُرسل من مصر كان يمرّ قسمه الأكبر إلى الجزائر بعد اندلاع ثورتها في نوفمبر 1954 فيما يظل قسم في تونس.

وبين منصر، في هذا السياق، أن عبد الناصر دعم صالح بن يوسف وقد تكوّن لاحقًا في فيفري/شباط 1956 جيش التحرير بقيادة ميدانية للطاهر الأسود.

  • بذرة شق الحركة الوطنية

تحدث أستاذ التاريخ المعاصر أن المقيم العام الفرنسي منداس فرانس أعلن يوم 31 جويلية/يوليو 1954 استعداد بلاده منح الحكم الذاتي لتونس، وهو ما لم يثر خلاف حتى الساعة بين قيادات الحركة الوطنية وذلك قبل أن تطفو الخلافات مع انطلاق المفاوضات.

اقرأ/ي أيضًا: الدعوات لإعادة كتابة التاريخ: إنصاف للحقيقة أم تصفية لحسابات سياسية؟

وبيّن أن فرنسا اشترطت كعلامة لحسن النية أن يقدم المقاومون في نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول 1954، ويتحصل كل مقاومة يقدم سلاحه على بطاقة تسمى "بطاقة دو لاتور" وهو اسم قائد جيش الاحتلال الفرنسي.

وأوضح أن قيادات للحزب الحر الدستوري توجهت للجهات لجمع الأسلحة، مبينًا أن عددا من المقاومين تحفظوا على تسليم أسلحتهم، وقام بعضهم بتسليم أسلحة فاسدة، فيما بادر آخرون بالتسليم استجابة لطلب الحزب الحر.

وبيّن أن المقاوم طاهر لسود دخل إلى التراب الجزائري وقاد مجموعة من المقاومين التونسيين والجزائريين والذي أصبح لاحقًا قائدًا لجيش التحرير بدعم من مصر.

  • ملاحقات واغتيالات متبادلة

يتحدث منصر، في هذا الجانب، أنه تكونت، في الأثناء، لجان الرعاية وهي مليشيات دورها ملاحقة المجموعات اليوسفية مبينًا أن مقاومين انضموا إلى بورقيبة مثل الساسي لسود والأزهر الشرايطي فيما انحاز آخرون في مقدمهم الطاهر لسود إلى بن يوسف.

وأوضح أن معظم البلاد في فترة قبيل الاستقلال كانت بيد صالح بن يوسف وليس الحبيب بورقيبة وهو ما يفسّر أن الأخير لم يستطع تنظيم مؤتمر الحزب نهاية 1955 في العاصمة ونظمه في صفاقس بحماية القيادي النقابي الحبيب عاشور.

استعانت لجان الرعاية التابعة لبورقيبة بدبابات وطائرات فرنسية لقصف المجموعات اليوسفية

وقال إنه حصلت اغتيالات واعتقالات بين البورقيبيين واليوسفيين، مشيرًا إلى أن لجان الرعاية التابعة لبورقيبة استعانت بدبابات وطائرات فرنسية لقصف المجموعات اليوسفية على غرار ما حصل في جبل أغري بتطاوين. وأشار أيضًا إلى معتقل صباط الظلام التي استغله البورقيبيون لتعذيب اليوسفيين.

وأكد أن الحركة اليوسفية تعرضت إلى إبادة دموية، مشيرًا إلى التقاء مصالح وقتها بين الحبيب بورقيبة من جهة والسلطات الاستعمارية التي كانت ترى بن يوسف عائقًا أمام تنفيذ اتفاقياتها مع بورقيبة.

وأشار، في هذا الجانب، إلى أن السجل الوطني للشهداء الذي أصدره الحزب الحر الدستوري في السبعينيات لم يتضمن شهداء الحركة اليوسفية.

  • لا تناقض بين السياسي والعسكري

وختم منصر أن التناقض بين الحركة السياسية والحركة المسلحة في فترة الاستقلال غير صحيح مبينًا أنه نتيجة إسقاطات اليوم.

وأوضح أن الخلاف بين بورقيبة وبن يوسف لا يجب تناوله بالطريقة التبسيطية وفق تعبيره، مذكرًا أن قائد المقاومة مثلًا الأزهر الشرايطي انضم إلى بورقيبة ضد بن يوسف قبل أن يتورط لاحقًا في محاولة الانقلاب على بورقيبة عام 1962.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الطيب الزلاق والطيب غرسة.. تخليد ذكرى مناضليْن أسقطهما "تاريخ السلطة"

الجرائم الفرنسية ضدّ التونسيين والثأر غير المنسي