ذكرى اتفاقيات الاستقلال الداخلي.. الجدل لم ينته

ذكرى اتفاقيات الاستقلال الداخلي.. الجدل لم ينته

516 مشاهدة
لقاء بين رئيس الحكومة التونسية طاهر بن عمار ونظيره الفرنسي منداس فرانس في نوفمبر 1954 مع انطلاق مفاوضات الاستقلال الداخلي (getty)

الترا تونس - فريق التحرير

 

تحيي تونس يوم 3 جوان/يونيو من كل سنة ذكرى الاستقلال الداخلي الذي تم إمضاؤه في مثل ذلك التاريخ من سنة 1955، ليمثل منعرجًا في مسيرة الحركة الوطنية وخطوة ممهدة لنيل الاستقلال التام في مارس/آذار 1956.

بيد أن هذه الذكرى لا تزال لليوم محل جدل، وذلك على ضوء انشقاق الحركة الوطنية بسبب اتفاقيات الاستقلال الداخلي وتحديدًا بين شق بورقيبي داعم لها وشق يوسفي عارضها بشدّة، وهو انشقاق أدى لصدام بين دولة ما بعد الاستقلال والمعارضة اليوسفية وهو ما ترك آثارًا موجعة في المجتمع التونسي، يُسعى اليوم لمعالجتها عبر منظومة العدالة الانتقالية التي لم يكن وليد الصدفة أن تبدأ عهدتها الزمنية منذ جوان/يونيو 1955.

لا تزال اتفاقيات 3 جوان 1955 محل جدل لأنها كانت سببًا في انشقاق الحركة الوطنية التونسية بين الشق البورقيبي والشق اليوسفي

وتتمثل هذه الاتفاقيات في وثيقة رئيسية بعنوان "الاتفاقية العامة بين فرنسا وتونس" إضافة لبروتوكولات إضافية لتنظيم العلاقات في عديد المجالات والميادين. ورغم إمضاء هذه الاتفاقيات منذ 3 جوان/يونيو 1955، لم يقع نشرها في الرائد الرسمي إلا في شهر سبتمبر/أيلول وهو ما ساهم في الجدل حول مضامينها بين الفاعلين في الحركة الوطنية، وكذلك بين التونسيين الذين كانوا يتشوقون لمعرفة حصيلة 8 أشهر من المفاوضات العسيرة.

وقد تضمّنت هذه الاتفاقيات اعترافًا بالسيادة التونسية ولكن بصورة شكلية، إذ تركت مسألة الدفاع والشؤون الخارجية للمحتل الفرنسي، وأكّدت على تواصل التواجد العسكري بتونس وبالخصوص في بنزرت والجنوب والمناطق الحدودية مع الجزائر وليبيا، وقد تضمنت الاتفاقيات خرائط لهذه المناطق.

اقرأ/ي أيضًا: الطاهر بن عمار: موقّع وثيقة الاستقلال الذي غُيبت بصماته

وعلى المستوى الاقتصادي، نصت الاتفاقيات على ربط الاقتصاد التونسي بنظيره الفرنسي لعدم فك الارتباط المالي والجمركي، وأبقت على حق المعمرين في امتلاك الأراضي التونسية. وفيما يتعلق بالجانب القضائي، سمحت للفرنسيين بالحفاظ على نظامهم القضائي.

فيما اعتبر الفصل السابع من الأحكام العامة للاتفاقيات أن اللغة الفرنسية ليست لغة أجنبية. ونصت على وجود "مندوب سامي للحكومة الفرنسية" يمارس الصلاحيات الممنوحة للفرنسيين. وعلى ضوء هذه الأحكام، انفجر الصراع داخل الحركة الوطنية بين مؤيد وداعم لها.

اتفاقيات الاستقلال الداخلي سنة 1955 لم تعتبر اللغة الفرنسية لغة أجنبية وأبقت على صلاحيات واسعة للاحتلال الفرنسي

إذ ضم الشقّ المدافع عن الاتفاقيات الديوان السياسي للحزب الدستوري الجديد وعلى رأسهم الحبيب بورقيبة الذي عاد إلى تونس بتاريخ 1 جوان/يونيو 1955 مرفوعًا على الأعناق، وهو تاريخ يحتفل به لليوم الدساترة والبورقيبيين باسم "عيد النصر". كما أيد الاتفاقيات الحزب الشيوعي والاتحاد العام التونسي للشغل الذي دعم بورقيبة لاحقًا في مؤتمر صفاقس في نوفمبر/تشرين الأول 1955.

اقرأ/ي أيضًا: الجرائم الفرنسية ضدّ التونسيين والثأر غير المنسي

في المقابل، عارض هذه الاتفاقيات تيار من الحزب الحر الدستوري يترأسهم الأمين العام صالح بن يوسف الذي عاد بدوره إلى تونس بتاريخ 13 سبتمبر/أيلول 1955 ليقود ركب المعارضين للاتفاقيات. وقد وجد بن يوسف دعمًا من الحزب الدستوري القديم ولجنة صوت الطالب الزيتوني وقيادة الاتحاد العام للفلاحة التونسية.

وتحول بسرعة هذا الخلاف إلى صراع تمظهر سياسًيا في مؤتمر صفاقس نهاية 1955 الذي نجح فيه الحبيب بورقيبة في تحييد بن يوسف وجماعته، ولتنطلق لاحقًا سلسلة ملاحقات ضد أنصار صالح بن يوسف الذي فرّ نحو القاهرة بعد محاولة تصفيته بداية 1956، ليستمر الصراع بين الرجلين، بورقيبة وبن يوسف، إلى أن نجح أحد معاوني الرئيس بورقيبة الذي مسك زمام السلطة بيده في اغتيال بن يوسف في ألمانيا سنة 1961، ولكن ظلّ الصراع الذي انتشر وزاد تعمّقًا بين التونسيين طيلة عقود مع ممارسة الدولة لأشنع انتهاكات حقوق الإنسان ضد معارضيها، وفي ظل احتكارها لرواية رسمية للتاريخ غير جامعة ومثيرة للجدل.

تنطلق العهدة الزمنية لمنظومة العدالة الانتقالية منذ جوان 1955 وهو تاريخ بداية الخلاف داخل الحركة الوطنية حول الاستقلال الداخلي

مثلت بذلك هذه الاتفاقيات بذرة انفجار الصراع داخل الحركة الوطنية ودقت أسفينًا في المجتمع التونسي، وهو ما جعل التونسيين بعد ثورة الحرية والكرامة، من خلال الاستشارات حول كيفية معالجة ماضي انتهاكات حقوق الإنسان، يطالبون بمعالجة جذرية لها من أجل تحقيق مصالحة وطنية شاملة، تفترض فتحًا لصفحات الماضي. وبذلك نص قانون العدالة الانتقالية سنة 2013 على أن عهدة هيئة الحقيقة والكرامة تنطلق منذ جوان/يونيو 1955 وحتى نهاية 2013. ويظل السؤال حاليًا حول القدرة على كشف الحقيقة حول هذه الفترة ورد الاعتبار للضحايا وصياغة ذاكرة وطنية جامعة للتونسيين بما يضمن تحقيق مصالحة شاملة ووحدة وطنية صماء.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الذكرى الـ60 لاستشهاد مصباح الجربوع.. حمل السلاح ضد المحتل قبل الاستقلال وبعده

علي الزليطني.. قصة أحد مناضلي الاستقلال المنسيين