6 أسباب تفسّر: لم لا نتوقف عن مشاهدة مسلسل

6 أسباب تفسّر: لم لا نتوقف عن مشاهدة مسلسل "شوفلي حل"؟

المسلسل الكوميدي الأكثر جماهيرية في تاريخ التلفزيون التونسي

 

يمكن القول، ودون أي تردّد منذ البداية، إنه المسلسل الكوميدي الأكثر جماهيرية في تاريخ التلفزيون التونسي منذ نشأته. هو ليس مجرّد عمل كوميدي بل مزيج من ذاكرة التونسيين وعصارة قضايا مجتمعهم في قالب فني ساخر. نتحدث عن "شوفلي حل" المسلسل المرجعي لكوميديا الموقف (سيتكوم) في تونس، كما "فراندز" في الولايات المتحدة، و"يوميات ونيس" في مصر، و"جميل وهناء" في سوريا. والمقصود بالمرجعية هو نموذج عن نجاح المسلسل فنيًا وجماهيريًا مقارنة بأي وقت مضى، وتمثّله لدى النقاد والمشاهدين أيقونة عن هذا الصنف الكوميدي (سيتكوم) ومرجعًا للمقارنة أمام الأعمال من ذات الصنف طيلة السنوات وربما العقود اللاحقة.

يمكن القول، ودون أي تردّد منذ البداية، إن مسلسل "شوفلي حل" هو المسلسل الكوميدي الأكثر جماهيرية في تاريخ التلفزيون التونسي منذ نشأته

المسلسل الذي أنتج على مدى 6 مواسم من 2005 إلى 2009 (عرض موسمين في عام 2006) ويتضمن 134 حلقة، لازالت تبثه لليوم قناة "الوطنية 2" (عمومي) دون انقطاع حتى يسخر البعض بأنها "قناة شوفلي حل". واللافت أن المسلسل لازال يحقق نسب مشاهدة مرتفعة لدى مختلف الشرائح العمرية، بل ولازال لليوم، بعد ما يزيد عن 15 سنة منذ أول عرض، مصدرًا لجذب الإشهارات متفوقًا بذلك على أعمال تُعرض لأول مرة.

اقرأ/ي أيضًا: حوار| أحمد القاسمي: سينمائيون يعرقلون النقد الأكاديمي والفيلم الوثائقي مشوّه

"لماذا مازال المشاهد التونسي وفيًا لمشاهدة المسلسل حتى الآن"، هو سؤال يفرض نفسه إذا اعتبرناه نبشًا فيما يشكّل وعي الناس، والتعرّف على ما يشدّهم ويضحكهم أيضًا. هو بحث عن سرّ النجاح المستدام للعمل الذي يحصد في كل مرّة جمهورًا جديدًا، وحفر يأتي بعيدًا عن الاستعلاء على التلفزيون بماهو وسيط استهلاكي مزيّف للفن والجمالية وفق البعض، وأيضًا بعيدًا عن احتقار العمل الكوميدي باعتباره ملهاة وفق البعض الآخر. فـ"شوفلي حل" هو ظاهرة ببساطة تستدعي الاهتمام.

كمشاهد محبّ للعمل ومهتمّ يثيره البحث عن إجابة للسؤال المطروح، يبدو أن 6 أسباب رئيسية على الأقل كفيلة لتفسّر لنا "سّر" نجاح هذا العمل التلفزي الذي بات ركنًا قارًا في بيوتنا:


1- كوميديا موقف بطابع تونسي

يقوم "شوفلي حل" على كوميديا الموقف وأكثر دقة هو من نوع هذه الكوميديا التلفزية (سيتكوم) التي تتكوّن من خصائص معلومة وهي وحدة المكان وعدد محدود من الشخصيات وطرح مواضيع تتلاءم غالبًا مع الزمن الراهن بشكل ساخر. وإن كان فن الإضحاك من أصعب الفنون، فإن الإضحاك بالموقف هو الأكثر تحديًا. يقوم أي "سيتكوم" على ديكورات ثابتة وبسيطة وشخصيات قارة لا تتغيّر ملامحها عمومًا إضافة لمحاور أو خطوط عامة مستقرّة للسيناريو، وبالتالي أول رهان هو أن تقدم عملًا جاذبًا ويستجيب للذائقة الجمالية، الكاتب هو كلمة السر.

معلوم، لا يمكن أن ينجح أي عمل من نوع كوميديا الموقف بدون نص جيّد على الأقل، فنص رتيب بحوارات ثقيلة لن ينجح في جذب المشاهد مهما بلغ اجتهاد المخرج. قلم جميل و"خفيف" هو مفتاح نجاح أي "سيتكوم". وإن كان من المألوف بالنسبة للمشاهد أن يُرجع نجاح أي عمل تلفزي إلى الممثلين وأحيانًا للمخرج، فاللافت بالنسبة لـ"شوفلي حل" أن المشاهد لا يكتفي بذلك بل يستذكر جيدًا كاتب العمل حاتم بالحاج.

نجح  بالحاج في كتابة "سيتكوم" يستجيب لمعايير نجاح أي عمل من صنف كوميديا الموقف وأهمها تقديم نص "حيّ" و"حيوي"، بطرح مواضيع تقوم حولها المواقف الكوميدية من عمق المجتمع التونسي، وهذا ليس بالهيّن. إذ يفترض إلمامًا من الكاتب بالقضايا الاجتماعية والمعيشية والثقافية لمجتمعه، يغوص في الواقع المعاش ليحوّل ما نعاينه في حياتنا اليومية إلى مادة فنية. التكوين الصحفي للسيناريست وثقافته الواسعة وقدرته على التقاط مشاهد واقعية، ساهمت جميعها في تقديم نصّ يجعل المشاهد يتمثّل واقعه.

ظهرت بالخصوص شخصيات المسلسل متطابقة مع صفات الشخصية السائدة في المجتمع التونسي 

ظهرت بالخصوص شخصيات المسلسل متطابقة مع صفات الشخصية السائدة في المجتمع التونسي كما تناولها أستاذ علم الاجتماع المنصف الوناس في مؤلفه "الشخصية التونسية"، وهو حفر سوسيولوجي وفق مفهوم الشخصيّة القاعديّة التي تعني "حالة متوسطة من التماثل النفسي والثقافي والاجتماعي التي يتم التعبير عنها من خلال سلوكيات وعلاقات اجتماعية وإنسانية شبه متماثلة وشبه مشتركة على الرغم من وجود تباينات واختلافات".

والشخصية التونسية قاعديًا، وفق وناس، هي منفتحة، ومرنة، وقادرة على التكيّف والتجاوب مع كل الوضعيات، ولكنها تغلّب المصلحة الذاتية على المصلحة الجماعية، وضعيفة المبادرة وقليلة التحفز للعمل. ويبدو أن شخصيات "سليمان"، و"السبوعي"، و"الباجي ماتريكس"، و"جنات" و"فوشيكا" تتطبع بصفات الشخصية القاعدية التونسية. نعم نجد أنفسنا إذًا في وضعية التماثل النفسي، فنحن نشاهد أنفسنا.

فالموازنة بين الفكاهة بعيدًا عن التهريج والطرح الواقعي بعيدًا عن المباشرتية بما فرضه بالخصوص السياق الاستبدادي بغض النظر عن الخيار الفني، هو وتد يشدّ نص "شوفلي حل". ظهرت شخصية "سليمان الأبيض" هي "نحن"، وهي الشخصية المركزية للعمل وما حولها بالخصوص هي الشخصيات المساعدة لتوفير عنصر الفكاهة عبر عامل المبالغة/ التصوير الكاريكاتوري لشخصيات على غرار "السبوعي" مفرط البلاهة و"جنات" المفرطة في البخل، وهذه الثنائية/المفارقة هي الأرضية العامة للنص. ولكن لا يعني أن شخصية "سليمان" لم يقع تصويرها كمصدر للطرافة، أو أن بقية الشخصيات كانت "شاذة" عن الواقعية لدرجة الخيال.

يعجّ المسلسل بالمفارقات المصورة بشكل طريف بين الشخصيات: الطبيب النفسي والعرّافة/ الأخ الوقور والأخ الأبله/ الأم والكنة/ أم الزوج المحافظة وأم الزوجة "المتحرّرة"/ صاحبة العمارة الثرية والبخيلة وصديقة الزوجة الثرية والمبذّرة. عمل الكاتب أيضًا على عرض مفارقات ثنائية لما يجري داخل المجتمع على غرار الصراع بين الأجيال (الجدة والأبناء والأحفاد) بداية من الألفاظ المستعملة إلى الأفعال والقناعات، أو ثنائية الثراء/ الفقر أو الحاجة (شخصية "فوشيكا" والخادمة كلثوم) وبينهما العائلة ذات المستوى المادي المتوسّط.

وبذلك يجد المشاهد دائمًا، مهما كانت مرتبته الاجتماعية أو المادية أو خلفيته الثقافية، بهذه الاختلافات والمفارقات، امتزاجًا وجدانيًا في الشخصيات، ومواقفها، وفي التفاعلات الإنسانية والعاطفية فيما بينها. فيما يمرّر الكاتب مواقفه النقدية لبعض المظاهر المجتمعية دون استعلاء على المشاهد الذي يُترك ليتفاعل مع هذه المواقف وهو يشعر أن العمل الذي يشاهده ينبع من واقعه وليس منبتًا عن بيئته. نحن إذًا نتابع المسلسل لأننا نشاهد أنفسنا فيه.

2- عائلة سليمان الأبيض.. عائلة تشبهنا

تبدو شخصية "سليمان الأبيض" نخبوية لوهلة أولى: طبيب نفساني وعضو في جمعية "أحباء فرويد" وأستاذ جامعي، ولكن لم يكن كذلك حقيقة، إذ نزّل الكاتب حاتم بالحاج هذه الشخصية في بيئتها الاجتماعية وخلفيتها الثقافية في ثنايا حياتها اليومية، فظهر ربّ الأسرة قريبًا من أي مواطن/مشاهد الذي لا يشعر بأي دونية اجتماعية أو معرفية أمام الطبيب النفسي الذي جعله الكاتب قريبًا منا. هذا التنزيل هو أحد مظاهر واقعية النص.

وعائلة الأبيض هي عائلة تونسية من الطبقة المتوسطة: الزوجة لا تعمل (عملت في بعض المواسم) والزوج طبيب نفسي ودخله بالكاد يكفي لمصاريفه الشهرية: معلوم كراء منزله ومكتبه، وخلاص كاتبته ومساعده وبقية المصاريف العائلية. لديه سيارة قديمة، وحينما أراد بناء منزل جديد اقترض من البنك. يقيم في العاصمة ولكنه أصيل "البلاد" حيث توجد قطعة أرض موروثة عن الأب. هذه العائلة، المتكونة من 3 أجيال، أم وزوجين وبنتين، تبدو نموذجًا للعائلة المدينية من الطبقة الوسطى في تونس بنمط حياتها ومشاغلها وطموحاتها.

تبدو عائلة "سليمان الأبيض" نموذجًا للعائلة المدينية من الطبقة الوسطى في تونس بنمط حياتها ومشاغلها وطموحاتها

تبدو يوميات هذه العائلة شبيه بيوميات أي عائلة تونسية: الابنة التي تريد زيادة مصروفها وتفضل "أكل الشارع"، الزوجة التي تريد دائما تحسين نمط حياتها، التنافس الطريف بين الأم والكنة، حوار الأب مع بناته الذي يذكرنا بحوارات أبائنا معنا، وحكايات أخرى تجعلك أثناء مشاهدتك أحيانًا تستذكر بعض تفاصيلك، التي كنت تراها هامشًا، فتعيد الاعتبار إليها. على مدى 6 مواسم وعشرات الحلقات، نرى أنفسنا كثيرًا في هذه العائلة.

ماذا لو نختار معًا اسمًا آخر للمسلسل؟ ربما نتفق على اسم "حكايات تونسية"، أليس كذلك؟ (للطرافة قُدم عام 2015 مسلسل في قناة خاصة بهذا العنوان وطرح مواضيع شاذة داخل المجتمع التونسي مثل تشارك الأم والبنت في حب نفس الشخص والدعارة والمخدرات، والطرافة ليست في جرأة المواضيع بل في اختيار العنوان ببساطة. هل طرح هذا المسلسل "حكايات تونسية"؟ لا أعتقد). لنعد إلى "مسلسلنا"، حلقة العيد، حلقة "الباك"، حلقة "الريفيون"، حلقة عيد الأمهات، حلقات رمضان، هذه حلقات لأحداث موسمية أو سنوية تعيشها كل عائلة، جميل إذًا أن يشاركنا المسلسل تفاصيلها. حلقة "الريفيون"، المقدّمة في شكل شريط تلفزي، شاهدناها ونشاهدها ولا نملّ كل رأس عام.

إن كان "خطاب على الباب" هو المسلسل الذي نستذكر معه أجواء التسعينيات في تونس، فمسلسل "شوفلي حل" هو المسلسل الذي يجب أن نشاهده إذا ما رمنا أن نستذكر الحياة اليومية للعائلة التونسية في العقد الأول من الألفية. وهل تعرف القاسم بينهما غير أنهما من إخراج المبدع صلاح الدين الصيد؟ يتمحور كلا المسلسلين حول العائلة.

3- عن "الضمار التونسي"

هل جعلك "شوفلي حل" تضحك دون توقّف؟ ربمًا ولكن ليس كل حلقة، ولكن الأهم أنه يُضحكك أو يجعلك تبتسم في كل الأحوال. وهكذا هي أعمال كوميديا الموقف، التي تستمر على مواسم وحلقات، فهي ليست عملًا يتركّز على الإضحاك الهستيري للمشاهد، بل يقوم على عرض مواقف طريفة تستطيع أن تخطف ابتسامة المشاهد تلقائيًا على مدى زمني مستمرّ. 

اقرأ/ي أيضًا: حاتم بالحاج لـ"الترا تونس": نقاد السينما والدراما في تونس عاطفيون (حوار)

نعم، ليس من السهل أن يضحك المشاهد التونسي. ولكن نجح المسلسل في تأمين عرض خفيف وطريف بفضل " الضمار التونسي" مع فوارق طبعًا في "دوزة" الضحك في كل حلقة وربما كل موسم عن آخر، ولكن أسلوب الحلقات المتصلة المنفصلة يحفّز المشاهد على المشاهدة دائمًا. قد تفوّت حلقة تبدو مملّة بعض الشيء وليست "كالعادة"، ولكن غدًا ستشاهد حلقة جديدة دون مخافة ألا تفهم ما فاتك بعيدًا عن تمطيط الأحداث، أي بعيدًا عن شعورك من الملل.

ولم يكن لينجح العمل لولا الأداء التمثيلي لأبطال العمل تحت إدارة المخرج صلاح الدين الصيد، الذي قدم أنجح أعمال الدراما في تاريخ التلفزة التونسية أهمها "الخطاب على الباب" و"قمرة سيدي محروس" و"منامة عروسية". كمال التواتي، ومنى نورالدين، وسفيان الشعري (رحمه الله)، وجميلة الشيحي، وآمال البكوش، وفيصل بالزين، وأسماء بن عثمان، وكوثر بالحاج، وتوفيق البحري، ونعيمة الجاني، وخديجة السويسي، وريم الزريبي إضافة لأميمة بن حفصية ويسرى المناعي تميّزوا ببساطة، يبدو أن كل ممثل افتك مكانه وأجاد دوره.

نعم توجد فوارق في الأداء، لكن لا تشعر أن أحد الممثلين "متطفّل"، وربما النص "الخفيف" يساعد كي لا يشعر المشاهد أنه أمام ممثل "ثقيل الدم". العمل المتكامل نصًا وإخراجًا يكتمل بثالوث الممثّلين. أبدع بالخصوص كمال التواتي وسفيان الشعري، فهما عماد المسلسل والحلقة الرئيسية للمواقف الطريفة طيلة مواسمه الست. والتصوير الكاريكاتوري لـ"شخصية السبوعي" جعله بالخصوص محبوبًا لدى الأطفال، وهو يحمل صفات شخصية كرتونية مثالية: صاحب شكل مميّز (بدين)، صاحب ضحكة مميّزة وهو طائش ومغفّل وبسيط التفكير ولكنه حنون وطيّب القلب و"ابن أمه" في نفس الوقت. يحبّ الأطفال "السبوعي" وهم يسمّون المسلسل باسمه: "مسلسل السبوعي". 

ولكن فلنسأل أنفسنا أيضًا: هل يوجد ما يضحكنا اليوم؟ عمل كوميدي يُضحك دون تهريج؟ ربمًا ليس ظلمًا الإجابة بالنفي. أعمال كوميدية ضعيفة، وانتشار لـ"تلفزيون القمامة" بعد الثورة حيث تعمّ الرداءة. في أوقات الذروة (البرايم تايم)، حينما تقلّب بين القنوات التونسية تبحث عن مادة ترفيهية، ربّما لا تجد إلا "شوفلي حل" في "الوطنية 2". قديم وجميل أفضل من جديد ورديء. أليس كذلك؟

4- الحنين إلى الماضي

يحب تونسيون أيضًا مشاهدة "شوفلي حل" لأنه يذكرهم ببساطة بالماضي الذي يحنّون إليه. عرض المسلسل لأول مرة عام 2005 وتواصل بثه إلى غاية عام 2009 أي قبل عام واحد من الثورة ضد نظام بن علي، هو إذًا شاهد مثالي عن ماضي ما قبل الثورة. يتحول المسلسل هنا كأنه عمل توثيقي للذاكرة الجماعية.

لا يجب ننكر أن جزءًا واسعًا من التونسيين يحنّ إلى زمن ما قبل الثورة، هذه حقيقة، وهي ليست خصوصية تونسية. الحنين إلى ما قبل الثورة ظاهرة تعرفها المجتمعات التي تشهد ثورات، آمال عريضة وسقف عال، خيبة بين المأمول والموجود فانتكاسة، هذه هي ديناميكية دائمة. يوجد فيلم وثائقي تونسي اسمه "7 أرواح" تناول ظاهرة الحنين إلى ما قبل الثورة في تونس بعمق، يُنصح بمشاهدته.

يحب تونسيون مشاهدة "شوفلي حل" لأنه يذكرهم بالماضي الذي يحنّون إليه ليتحول المسلسل إلى شاهد مثالي عن ماضي ما قبل الثورة كأنه عمل توثيقي للذاكرة الجماعية

والنوستالجيا في مكوّنها هي رفض للواقع، وربما هي طريق للهروب من شقاء الحاضر. "يا حسرة" و"تونس كانت خير" و"كانت البركة"، ربما تسمع أمك أو جدتك من حولك تقولها حينما كانت ترى "5 آلاف" قادرة على ملء سلة بالخضر والفواكه كما تقول، أو حينما كان يسعد "ْفوشيكة" أو "السبوعي" بكنز صغير دينار أو يزيد، وهو مبلغ لا يرضي طفل صغير اليوم. طبعًا لا فائدة لتحدث من "يتحسّر" عن التضخم، أو تذكّره أن الثورة أطلقها المسحوقون والمحرومون ضد الفساد، يجب أن تحاول تفهم محدثك. الناس لا تحنّ غالبًا إلى نظام بن علي بصفته تلك، ولكن تحنّ للاستقرار الاجتماعي والرفاهة الاقتصادية تحديدًا حينما كانت مقدرتها الشرائية أفضل من الآن. هذه الصورة ببساطة.

ولكن الحنين إلى الماضي لا يتوقف عند هذا المستوى: بعض من الحنين لأخلاق مجتمعية ماضية وتزول وحنين للاستقرار أساسْا وهو يتصاعد بقدر رفض الحاضر وعدم القدرة على التأقلم معه. ويجب أن نعترف أننا نحنّ أحيانًا إلى الماضي لأننا نعرفه ببساطة، مقابل الخشية من المستقبل بما أن الحاضر لا ينبئنا بخير. نعم، يمكن أن نجزم أن "شوفلي حل" استفاد كثيرًا من تصاعد موجة الحنين إلى الماضي طيلة السنوات الأخيرة، فلو تم تقديم المسلسل بنفس المواصفات الفنية دون استثناء بعد الثورة، لما ظلّ يلاقي هذا النجاح في صورة إعادته بثه.

5- العلاقة بالأم.. شيء منا

هل توجد علاقة "مقدّسة" في حياتنا أكثر من علاقتنا بالأم؟ الأم، بين الابن والابن من تبجّل؟ والابن، بين الأم والزوجة من يقدّم؟ "شوفلي حل" يقدم وجبة يومية لا تكاد تغيب في كل حلقة تسطّر فصولًا من علاقتنا الحميمية بالأم، بين "الأم فضيلة" وابنها الأكبر "سليمان" وابنها الأصغر "السبوعي". نحن نحبّ دائمًا برّ الوالدين وحنان الأم التي نحمل عاطفة لها لا يكيلها ميزان خاصة نحن الأبناء الذكور.

اقرأ/ي أيضًا: رفيقة بوجدي: هذه حكايتي مع الدراما في تونس والجزائر وهكذا ننافس الأتراك (حوار)

تلك الأم التي تدلّل أبنائها، تطبخ أشهى المأكولات، تدعو بالخير والصلاح، تعدّ الحرز لابنها للتوقي من العين، تسهّل المهام الصعبة، "أمي فضيلة" هي "أمّنا" التي نراها كل يوم تدور حولنا في البيت. حينما يقدّم "سليمان" أمه على زوجته فهو يرضي توقيرنا لعلاقتنا بالأم وينتصر إلينا. الابن الخمسيني الذي يخجل من أمه ويهابها، والابن الآخر الذي يهرب إلى أمه لتنقذه بعد كل مصيبة، هما نحن.

بعض المشاهد مؤثرة. هل تتذكر حلقة عيد الأم حينما لم يهدي سليمان لـ"أمي فضيلة" هدية، على عكس بقية أفراد العائلة وخاصة "السبوعي"، وهو ما حزّ في نفسه وجعله يهرول إلى غرفته؟ ذهبت أمه خلفه وقالت له إنها لا تحتاج إلى هدية منه، فهي تسكن في بيته ويوفر لها كل ما تحتاجه، ويناصرها على حساب زوجته، فردّ الابن أنه يقوم بواجبه و"موش مزية". هذا المشهد مؤثر جدًا. دمعت عيناي سليمان الأبيض، وهي دمعت حقًا. تقول منى نورالدين (أمي فضيلة) إن كمال التواتي (سليمان الأبيض) بكى متأثرًا فعلًا في ذلك المشهد الذي كان يفسّر علاقتنا "المقدّسة" بالأم. نحن، خاصة الأولاد الذكور صغارًا أم كبارًا، شبابًا أم كهولًا، نحبّ حب أمي فضيلة لأبنائها وحب أبنائها لها. فماذا إذا كانت نفحات هذه العلاقة الحميمية نراها في كل حلقة تقريبًا؟

6- نعم.. هو مسلسل عائلي

هل تستطيع أن تشاهد "شوفلي حل" وسط عائلتك دون حرج؟ الإجابة نعم. ربما قد ينجح جماهيريًا مسلسل يحتوي على مشاهد خليعة أو ألفاظ سوقية، ولكن يُشاهد على الأنترنت وليس على التلفزيون مع العائلة. لا يحتوي "شوفلي حل" على مشاهد تخدش الحياء العام، ولا على ألفاظ غير مستعملة في الوسط العائلي. ولكن لا يعني ذلك أنه لم يكن جريئًا أحيانًا، إذ تناولت حلقات مواضيع توصف عادة بأنها لا تتناسب مع المشاهدة العائلية مثل الحلقة التي تناولت فرضية العجز الجنسي للسبوعي أو حتى حلقة "الشلطة" (الحمل) التي يراها البعض غير مناسبة، ولكن جاء العرض في قالب طريف ينزع عن الجرأة صبغتها المُحرجة في المشاهدة العائلية.

لا يحتوي المسلسل على مشاهد تخدش الحياء العام، ولا على ألفاظ غير مستعملة في الوسط العائلي

ولكن هل المسلسل عائلي أيضًا لأن شخصية "سليمان الأبيض" محافظة؟ مفهوم المحافظة هو مفهوم إشكالي، ولكن لا خلاف أنه نسبي إذ يختلف من شخص لآخر بحسب البيئة الاجتماعية والثقافية وحتى الجغرافية. ولكن يمكن القول إن شخصية سليمان تميل لكونها شخصية محافظة مثل مجتمع المشاهدين (جلّه) المحافظ. الأب الذي يرفض أن يكون لبناته "صديق حميم" (صاحب)، وتحتاج ابنته لإقناعه ليوافق على خروجها مع أصدقائها، وكي تذاكر أيضًا مع زميل شاب، والأب الذي يرفض طلب ابنته لثقب أنفها أو أذنها "البيرسينغ" وتحاول زوجته دائمًا أن تخفي عليه أن لأمها "صديق حميم"، هو شخص محافظ. ربما قد يشرب الخمر (حجبت التلفزة الوطنية هذه الحلقة) ولكن لا يقبل بما ذُكر، فهو ليس متناقضًا بل يتصرّف مثل جلّ التونسيين ببساطة.

وصحيح أنه ينجذب إلى السكرتيرة الجميلة (دلندة) ولكن لم يثبت أنه تحرّش بها أو حاول ذلك، ولم تكن تخرج علاقته بها، طيلة المواسم، عن قالب الطرافة دائمًا. بالنهاية لا نستذكر مشهدًا في "شوفلي حل" لا يمكن مشاهدته عائليًا. هو إذًا مادة فنية طريفة عائلية تُعاد مشاهدتها في زمن "تلفزيون القمامة" حيث الجرأة الخليعة والميوعة وخدش الحياء العام هي الطريقة السريعة للإضحاك المبتذل.


بالنهاية، نحن نشاهد "شوفلي حل" ونعيد، ليس فقط للمواقف الطريفة التي نعرفها سابقًا وربما لن تضحكنا مجددًا كما أضحكتنا أول مرة، ولكن أيضًا لأنه مرآة فنية عن واقعنا. لا يوجد مسلسل شرّح المجتمع التونسي وتعمّق في الشخصية التونسية، بشكل لا يتعالى على وعي المشاهد أو يستخفّ به، وفي قالب طريف جاذب بعيدًا عن الابتذال والتهريج، مثل هذا العمل الظاهرة، ولذلك لا نملّه ونحب مشاهدته دائمًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل تحوّلت الدراما التونسية إلى خطر يهدّد المراهقين؟

أَوَخِّي، لَمَكِنْتِي ووْاشِي.. حين تصبح لهجة الأرياف مادة للإضحاك