ما العمل ليكون لنا التلفزيون الذي نستحق؟

ما العمل ليكون لنا التلفزيون الذي نستحق؟

في ضرورة العمل على تحويل"التلفزيون الجيّد" إلى مطلب مجتمعي يهمّ كل التونسيين (Getty)

 

تناولنا في مقال سابق المسار التاريخي الذي أدّى إلى هيمنة ما يسمّى بـ"برامج الرداءة" في التلفزيون. ويُستخدم توصيف الرداءة عادة للإشارة إلى برامج "التولك شو" التي تقوم على الترفيه الساذج والتافه أحيانًا، وقد بيّنا أن المشكل لا يكمن في وجود هذه البرامج في ذاتها لأن للناس الحق في مشاهدة هذا النوع من البرامج للترفيه عن أنفسهم بالطريقة التي تناسبهم، إنما يكمن المشكل في هيمنة برامج الترفيه والتسلية (تولك شو، مسلسلات إلخ ) على حساب أنواع أخرى من البرامج مما أدى إلى مشهد تلفزيوني منمط غير متنوع.

إن هيمنة هذه البرامج التي توصف بالرديئة مرتبط بتحولات التلفزيون التونسي الذي أصبح خاضعًا برمته لمنطق السوق وإكراهاته الخفية

إن هيمنة هذه البرامج التي توصف بالرديئة مرتبط بتحولات التلفزيون التونسي الذي أصبح خاضعًا برمته لمنطق السوق وإكراهاته الخفية. وهو ما يعني بكل بساطة أن التلفزيون أصبح خدمة تقدم منتجات (في شكل برامج) لاستقطاب أكبر قدر ممكن من المشاهدين (مستهلكين) الذي يتحولون فيما بعد إلى سلعة تباع  إلى المستشهرين، ما يعني أن التلفزيون قد فقد روحه أو الغاية التي وجد من أجلها. إن التلفزيون مؤسسة سياسية واجتماعية وثقافية ذات أدوار أساسية في المجتمع: مصدرًا للأخبار عن الشؤون العامة وفضاء للنقاش السياسي، ومحملًا من محامل الثقافة الوطنية وجسرًا بين الناس وتراثهم وذاكرتهم ومرآة تعبر عن تنوع المجتمع.

يتجسد التنوع في مشهد يتضمن قنوات عمومية وخاصة وقنوات جامعة وأخرى متخصصة في الثقافة والتاريخ والرياضة وعالم الطبيعة والمغامرات والعلوم والاقتصاد والموسيقى (كل أنواع الموسيقى)، إضافة إلى التنوع الداخلي في القنوات ذاتها التي فيها قدر كبير من التنوع. ويمكن أن نتخذ من المشهد التلفزيوني الفرنسي، لأنه الأقرب إلينا ثقافيًا ولأن القنوات الفرنسية متاحة للتونسيين، مثالًا للتدليل على هذا التنوع في مستوى مضامين القنوات، إذ نرى تنوعًا كبيرًا في القنوات حتى أننا نجد قنوات متخصصة في عالم الأسفار والحيوان وفي التاريخ والعلوم.

من المسؤول عن جودة المشهد السمعي البصري؟

لكن لقائل أن يقول من هي الجهة المسؤولة عن ضمان هذا المشهد  المتنوع: الدولة أم الحكومة مثلًا؟ وهل أن الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري (الهايكا) مسؤولة عن ضمان جودة المشهد التلفزيوني أم أن دورها يقتصر على إعطاء الإجازات للمؤسسات ومتابعة تقيدها بما ورد في كراسات الشروط؟ أم أن هذا التنوع الضامن للجودة هو مجرد  توليد تلقائي للمؤسسات نفسها مرتبط بإستراتيجياتها؟

تخضع الميديا السمعية البصرية على عكس الصحافة المطبوعة أو الإلكترونية في الدول الديمقراطية لعملية التعديل أو التنظيم حتى عندما تكون خاصة لعدة أسباب منها الموارد العمومية: التمويل العمومي بالنسبة للميديا العمومية أو شبكات البث الرقمية أو الهرتزية. ولكن أيضًا لأن أجهزة التلفزيون والإذاعة متاحة لقطاعات كبيرة من الجمهور مما يستدعي وضع ضوابط لحماية المجتمع من الاستخدامات المسيئة لكرامة الناس أو للأطفال أو التي تحث على العنف والكراهية. وتقوم الدولة لوحدها بعملية التعديل بتفويض هيئة عمومية مستقلة نظرًا لطبيعة قطاع الميديا المتصل بالحريات والحقل السياسي، ولعملية التعديل غايات ثقافية ومجتمعية من جهة أولى وغايات اقتصادية من جهة ثانية.

تخضع الميديا السمعية البصرية في الدول الديمقراطية لعملية التعديل أو التنظيم لأن أجهزة التلفزيون والإذاعة متاحة لقطاعات كبيرة من الجمهور مما يستدعي وضع ضوابط لحماية المجتمع من الاستخدامات المسيئة

إن عملية التعديل في جوهرها لا تتمثل فقط في إسناد إجازات البث (أو التراخيص) أو مراقبة التزام المؤسسات الحاصلة على هذه الإجازات بالمعايير التي تضعها الهيئة التعديلية. إن التعديل على هذا النحو، بحسب تعبير إيف سالامون (EveSalomon)، يتمثل في أن التلفزيون يعبر عن المجتمع وثقافته وقيمه وعن إنتظارات الناس وحاجاتهم التي يقوم التعديل بتحويلها إلى معايير تلتزم بها المؤسسات. وعندما يعمل التعديل وفق هذه الحلقة الفاضلة، فهو يوفر شروط التلفزيون الجيد.

اقرأ/ي أيضًا: كيف أصبح التلفزيون التونسي "رديئًا"؟

إن الأسئلة التي يجب أن نطرحها على أنفسنا هي الآتية: من يجب أن يحدد مضامين التلفزيون وهويته وما يجب أن يكون عليه وما يجب أن نشاهد؟ هل يجب أن نترك مصير التلفزيون في أيدي قوى المستثمرين يصممون التلفزيون وفق أهوائهم ومصالحهم ثم مراقبة التجاوزات الحاصلة في مستوى المضامين؟ أم أن المجتمع يمكن له بواسطة التعديل أن يحدد بنفسه التلفزيون الذي يريد؟

لقد أجاب المرسوم 116 الذي ينظم قطاع الإذاعة والتلفزيون في تونس على هذا السؤال بشكل صريح لا لبس فيه لأنه تضمن هذا التصور المعياري للتلفزيون (أي بمعنى أخر ملامحه الكبرى وهويته وما يجب أن يكون عليه) بما أنه مرفق عمومي (بما في ذلك التلفزيون الخاص) حتى ولو كان لا يستخدم التمويلات العمومية أو شبكات البث الهرتزية.

ينص الفصل 15 من المرسوم المذكور على العديد المبادئ التي يستند إليها تعديل المشهد السمعي البصري ومنها دعم حقوق العموم في الإعلام والمعرفة من خلال ضمان التعددية والتنوع في البرامج المتعلقة بالشأن العام، والسهر على برمجة إعلامية دقيقة ومتوازنة، وتشجيع برمجة تربوية ذات جودة عالية، وأيضًا من الأهداف التي وضعها المرسوم للهيئة تنمية برمجة وبث يعبران عن الثقافة الوطنية ودعمهما.

 التلفزيون التونسي الذي كُلفت "الهايكا" بتطويره هو تلفزيون تعددي يتيح حرية التعبير ويسمح بتمثيل تنوع كل الآراء والأفكار ويحترم حقوق الإنسان

وقد ورد كذلك في كراسات الشروط تطبيقات لهذه المبادئ الكبرى، ففي كراس الشروط المخصّص للحصول على إجازة إحداث واستغلال قناة تلفزية خاصة، نص الفصل 26 من القسم الرابع الخاص بالالتزامات المتعلقة بالبرمجة أن الحاصل على الإجازة يلتزم بالنسب المائوية للبرامج الداعمة للثقافة الوطنية والبرامج والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وعدد النشرات وساعات بثها. ويعني هذا الفصل بكل بساطة أن كراسات الشروط بما أنها الإطار الذي يجب أن تشتغل داخله القنوات الإذاعية تقر بمبدأ التنوع في البرامج الذي يجب أن تلتزم بها القنوات.

في هذا المستوى بإمكاننا أن نستخرج من المرسوم 116 وكراسات الشروط العناصر الأساسية التي تسمح لنا بأن نرسم ملامح التلفزيون الجيد حتى ولو كانت المواصفات التي وضعها المرسوم ضبابية وغير دقيقة. وعلى هذا النحو،  فإن التلفزيون التونسي الذي كلفت الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري بتطويره هو تلفزيون تعددي يتيح حرية التعبير، ويسمح بتمثيل تنوع كل الآراء والأفكار، ويحترم حقوق الإنسان، وذي برمجة دقيقة ومتوازنة، ويمثل مصدرًا للمعرفة ويشجع المضامين التربوية.

في أسباب اختلال المشهد التلفزيوني 

إن المعيار الأساسي الذي يجب أن نقيم به المشهد التلفزيوني يجب أن نستمده إذًا من الإطار القانوني الذي ينظم قطاع التلفزيون. ولا مجال للشك في أن نتيجة هذا التقييم تبين بكل وضوح البون الشاسع بين المشهد التلفزيوني كما يشتغل والمشهد كما يحدده الإطار القانوني والمعياري للتلفزيون التونسي. وليست برامج الرداءة سوى مؤشرًا من مؤشرات اختلال المشهد التلفزيون بالنظر إلي المعايير التي يجب أن يشتغل وفقها.

يمكن أن نطرح الفرضية التالية لتفسير هذا الاختلال: إن التعديل اكتفى بمراقبة التزامات القنوات التلفزيونية ببعض المبادئ الكبرى على غرار احترام كرامة الإنسان أو الطفولة دون تطوير مقاربة شاملة للمشهد برمته.

من المهم الإشارة إلى أن القنوات الخاصة التي لا تقوم على التمويل العمومي معنية أيضًا بأن تقدم برامج متنوعة لا تقتصر فقط على الترفيه

والمرور إلى مقاربة شاملة تعني أن التعديل لا يجب أن يكتفي بإسناد إجازات البث ومراقبة تقيد القنوات التلفزيونية بما ورد في كراسات الشروط بل يجب تجاوز ذلك نحو تصميم المشهد برمته وفق الغايات التي وضعها المرسوم للتلفزيون باعتباره مرفقًا عموميًا. وهو ما يعني أيضًا أن عملية إسناد الإجازات يجب أن تقوم وفق حاجات المشهد إلى مضامين متنوعة سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية ورياضية وترفيهية وفنية أو برامج خاصة بالأطفال وفق نسب خاصة بكل قناة كما ورد ذلك في كراسات الشروط نفسها.

وفي هذا الإطار، من المهم الإشارة إلى أن القنوات الخاصة التي لا تقوم على التمويل العمومي معنية أيضًا بأن تقدم برامج متنوعة لا تقتصر فقط على الترفيه. ويمكن أن نذكر على سبيل المثال القناة الفرنسية السادسة "M 6" التي تبث أكثر البرامج شعبية عن العلوم "E = M 6".

ومن الأسباب الأخرى التي تفسر هيمنة هذه البرامج والتنميط السائد في مستوى البرامج أن التلفزيون العمومي لا يقوم بأدواره المخصوصة في مجال إنتاج المضامين الاجتماعية والثقافية والفنية للتمايز عن التلفزيون الخاص، بل على العكس نرى أن برمجة التلفزيون العمومي لا تختلف الشيء الكثير عن برمجة القنوات الخاصة (مسلسلات بعضها تركية) و"تولك شو" وبرامج رياضية.

معاداة مبدأ التعديل

إن المتأمل في مسار التعديل منذ 2011 يتبين بكل وضوح أن التعديل لم يرسخ بعد في ثقافة بعض الفاعلين لعل أهمهم بعض أصحاب المؤسسات الذين لم يقبلوا بعد بأن التعديل آلية لا مناص منها لحوكة الميديا في المجتمعات الديمقراطية. ولعلّ الهجمات التي تعرضت لها "الهايكا" منذ نشأتها إلى الآن دليل واضح على معاداة بعض أصحاب المؤسسات التلفزيونية لمبدأ التعديل أصلًا الذي يعتبرونه عائقًا أمام إستراتيجيات توظيف قنواتهم للاستغلال السياسي أو التجاري أو الشخصي.

اقرأ/ي أيضًا: المحتوى الإعلامي الموجّه للأطفال.. ماهي الخطوط الحمراء؟

كما أن النخب السياسية لم تقبل بعد بدورها بمنظومة التعديل مما يفسر تلكؤ الحكومات المتعاقبة في عملية إصلاح التلفزيون العمومي ولامبالاة الأحزاب والبرلمان بمصير الميديا في تونس وغياب المبادرات السياسية والتشريعية لإصلاحها. فالسياسيون لا ينظرون إلى الميديا باعتبارها مرفقًا عموميًا في خدمة المجتمع والثقافة الوطنية والحياة الديمقراطية بقدر ما يعتبرونها منصة لإستراتيجيات ظهورهم وأداة يتصلون بواسطتها مع الناخبين.

ذوق الجمهور الهابط؟

يمكن للبعض أن يعترض على كل الأسباب التي أوردناها، مذكرًا أن هذه البرامج تستجيب لـ"ذوق الجمهور" وأن القنوات عندما تنتج مثل هذه البرامج فإنما تستجيب لما يريده الجمهور. هكذا يتمثل المشهد وفق منطق العرض والطلب: تقترح القنوات برامج تلقى إقبالًا جماهيريًا تؤكده دراسات قيس الجمهور واستنادًا على ذلك يقرر المستشهرون وضع إشهارهم في هذه البرامج. تبدو هذه الطريقة في التفكير للوهلة الأولى بديهية ومنطقية، فلا معنى لبرامج لا يقبل عليها التونسيون أو لا تستجيب لأذواقهم أو لمصالح المستشهرين خاصة وأن التلفزيون الخاص يعتمد فقط على الإشهار كمورد.

 التلفزيون الخاص تحصل على إجازة البث وفق شروط منها مبادئ التنوع في البرامج وهو ما يعني أن البرمجة لا تخضع كلها إلى مبدأ المصلحة التجارية

لكن القول إن التلفزيون السائد هو تعبير عما يريده التونسيون يقوم على مغالطتين، تتمثل الأولى في أن التلفزيون الخاص تحصل على إجازة البث وفق شروط منها مبادئ التنوع في البرامج إضافة إلى برامج أخرى، وهو ما يعني أن البرمجة لا تخضع كلها إلى مبدأ المصلحة التجارية.

أما المغالطة الثانية وهي أن أذواق التونسيين وميولاتهم ليست طبيعية لأنها نتيجة إستراتيجية القنوات التلفزيونية نفسها عندما تقدم مثلًا برامج "التولك شو" أو المسلسلات في أوقات بعينها (أي في أول السهرة) إضافة إلى حملات الترويج التي تحظى بها هذه البرامج في الميديا الاجتماعية وأساليب استقطاب نجوم "الأنستغرام". كما لا يجب أن ننسى أيضًا أن نجاح هذه البرامج مرتبط كذلك بدعم المستشهرين لها، فإستراتيجيات الإستشهار ليست بريئة بل إنها تتدخل بشكل مباشر أو غير مباشر وبطرق متعددة في فرض أنماط مخصوصة من البرامج تتماشى وإستراتيجياتها أو أن مصممو البرامج يسعون إلى استرضاءها.

ما العمل؟

نحن أمام خيارين، الخيار الأول هو القبول بتلفزيون خاضع إلى منطق السوق تحكمه قوى الإشهار، غير متوازن لا نرى فيه سوى برامج الترفيه والتسلية، وتلفزيون مناسباتي ينشط في شهر رمضان ويخلد إلى السبات لأشهر عديدة (من بعد العيد حتى أكتوبر/تشرين الأول المقبل) ونتعايش معه بالتنديد أحيانًا وباللامبالاة أحيانًا أخرى.

فيما يتمثل الخيار الثاني في نقد التلفزيون التجاري السائد حاضن الرداءة والتفكير في استبداله بتلفزيون متنوع يجد فيه التونسيون من البرامج ما يستجيب لرغباتهم وإنتظاراتهم بما في ذلك برامج الترفيه والتسلية. وحتى يصبح هذا التلفزيون ممكنًا، نحتاج إلى التفكير في حوكمة جديدة للتلفزيون العمومي والخاص على السواء، حوكمة تقوم على منظومة تعديل قوية تؤدي أدوارها كاملة في تصميم مشهد تلفزيوني يليق بمجتمع تونسي ولا تكتفي بإدارة تجاوزات تلفزيون تجاري محض. 

إن الرداءة التلفزيونية هي تعبير عن أزمة التلفزيون برمته كمؤسسة اجتماعية وثقافية، وهي مؤشر على أن هذه المؤسسة لا تقوم بأدوارها لأن قوى السوق اختطفتها لتحويلها إلى مؤسسة تجارية مما يستدعي تحويل هذه الأزمة إلى مشغل عام سياسي والعمل على تحويل التلفزيون الجيّد إلى مطلب مجتمعي (أي مطلب كل التونسيين) يقتضي بدوره سياسة عمومية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

المفارقة التونسية: هل الصحفيون التونسيون أحرار حقًا؟

في أزمة الصحافة التونسية أو احتضارها..