20-أغسطس-2022
 لطفي العبدلي

لطفي العبدلي من الفنانين الذين أعلنوا دعمهم المطلق لقيس سعيّد وأعلنوا تصويتهم بنعم للدستور ثم عبر عن قراره مغادرة تونس لمس من الحريات الفنية

 

تبلغ الأنشطة الفنية في تونس ذروتها وحرارتها الفُرجويّة صيفًا من حيث الكثرة والتنوع وحجم المتابعة والتوزيع الجغرافي، وهو ما يجعل الممثلين والموسيقيين والمغنيين يقرؤون لهذه الفترة ألف حساب.

لا شكّ أن العديد من الفنانين قد دأبوا على العناية الفائقة قبل بداية العروض بكل صغيرة وكبيرة تتصل بتجويد العمل الفني وتهذيبه وتعهده وتخير أفضل النصوص المتاحة والتدرب على حسن الأداء، لكن واقع الساحة الفنية يؤكد أنّ فئة كبيرة من هذا القطاع تبدو أكثر شغفًا بالكسب والنجاعة شغلها الشاغل ضمان الدعوات و"العرابن" والكاشيات"، ولا عجب في ذلك فالصيف بالنسبة إلى الغالبية هو المناسبة الأمثل والوحيدة أحيانًا للكسب والارتزاق.

الحصول على العروض الكافية والمجزية ماديّا واعتباريًّا يقتضي خططًا ترويجية وعلاقات مع مديري المهرجانات ويستوجب حضورًا متواترًا في المنوعات التلفزية

الحصول على العروض الكافية والمجزية ماديّا واعتباريًّا يقتضي خططًا ترويجية وعلاقات مع مديري المهرجانات ويستوجب حضورًا متواترًا في المنوعات التلفزية، وقد يضطرّ الفنان إلى خوض معارك وخصومات مفتعلة ذات مقصد إشهاري تقوم في الغالب على ضروب من الضغط الناعم (شكوى وبكاء واستعطاف) أو الابتزاز العنيف كأن يعمد أحدهم أو بعضهم إلى التهديد بكشف ضروب التلاعب في ضبط قائمة العروض والتشهير بالمستفيدين منها في دورات سابقة دون استحقاق ذوقي جمالي.

هذه الألوان من الاحتجاجات متواترة متكرّرة لا يخلو منها موسم فني، لكن ما يثير الانتباه فالدهشةَ والقلق هي التبريرات السياسية التي لجأ إليها عدد من الفنانين في تعليل فشل عروضهم أو تعطّلها أو إلغائها. لتفكيك هذه الظاهرة يمكن الانطلاق من عيّنة تبدو الأخطر والأكثر إثارة من بين الحالات المشابهة تلك التي اقترنت بالممثل المسرحي لمين النهدي.


  • متى غابت الحجة الذوقية حضرت المبررات السياسيّة

"ما وقع للمين النهدي وراءه حركة النهضة..ما حدث لوالدي عملية ممنهجة من صفحات محسوبة على النهضة"،.. بهذه الكلمات ومرادفاتها فسّر محمد علي النهدي وحاتم القيزاني ومنصف ذويب وغيرهم من شركاء لمين النهدي وأصدقائه وأفراد عائلته فشل عرض مسرحية "نموت عليك" ليل الجمعة 29 جويلية/ يوليو 2022. وقد تجسّد هذا الفشل من خلال مغادرة جلّ الحاضرين مسرح قرطاج الأثري بُعيد حوالي ساعة من بداية العرض.

تبرير الفشل بتدخل سياسي استأنس به حجة بعض الفنانين في تونس وعللوا به إلغاء عروضهم أو إخفاقها جماهيريًا

محمد علي النهدي

 

محمد علي النهديحاتم القيزاني

 

 

استهوى هذا اللون من تبرير الفشل عديد الفنانين فاستأنسوا به حجة عللوا بها إلغاء عروضهم أو إخفاقها جماهيريًا منهم مغني الراب دي جي كوستا الذي قال في برنامج إذاعي "كلّ من قال نعم سيتعرّض إلى التصفية"، وكأن دعاة رفض مشروع دستور 25 جويلية أو مقاطعته ماسكين بزمام الذوق الفنّي المسرحي والغنائي!

 

كوستا

 

جدير بالذكر أنّ عددًا هامًّا من الفنانين قد أعلنوا مساندتهم المطلقة للمسار الذي اختاره رئيس الجمهورية قيس سعيّد منذ 25 جويلية 2021 وتوّجوا هذه المساندة من خلال الدعوة إلى التصويت بنعم لمشروع الدستور الذي عرضه سعيّد للاستفتاء في 25 جويلية/يوليو 2022. من هؤلاء الفنانين الذين حظيت مواقفهم بتفاعل كبير سلبًا وإيجابًا لطفي العبدلي وفرحات هنانة وعاطف بن حسين.

لا شكّ أن إلغاء عرض أو تعطّله أو إنجازه أمام مدارج خالية أو شبه فارغة أو حافلة بالصخب والعربدة... كل ذلك يعدّ بكلّ المقاييس مؤشّرًا على الفشل بصرف النظر عن الأسباب والسياقات والملابسات، وحتّى تكون القراءة موضوعية لا بدّ أن يتجنّب الباحث تلك التبريرات الجاهزة من قبيل الحديث عن المؤامرات والمكائد، الحكمة في مثل هذه المقامات تقتضي وضع فرضيات متعددة متنوعة ثم محاولة الترجيح وفق تمشّ علمي موضوعي منطقي.

من الأسئلة التي كان ينبغي أن تطرح في صلة بمحنة لمين النهدي، بم نفسّر المفارقة بين الإقبال على اقتناء التذاكر والوقوف في طوابير طويلة ثمّ مغادرة العرض بعد انطلاقه؟، هل كان العرض مراعيًا لأفق انتظار الحاضرين تلك الليلة المشهودة، وهل كان منصف ذويب واعيًا وهو يكتب نصّ "نموت عليك"  بالمسافات الجماليّة والمنعطفات الذوقيّة التي قطعها الجمهور منذ حوالي ثلاثة عقود بعد نجاح مسرحية المكّي وزكيّة ( 1993-2022)؟

من الأسئلة التي كان ينبغي أن تطرح في صلة بمحنة لمين النهدي، بم نفسّر المفارقة بين الإقبال على اقتناء التذاكر والوقوف في طوابير طويلة ثمّ مغادرة العرض بعد انطلاقه؟

  • اتهم نفسك وتخلّص من دور الضحية

تعرّضت كوكب الشرق أم كلثوم إلى محنة فنيّة شبيهة بما وقع للممثل لمين النهدي، فقد قبلت وهي في أوج تألّقها سنة 1942 التمثيل والغناء في أول أوبريت عربية عنوانها عايده واستجابت كوكب الشرق في هذه المغامرة إلى إصرار الملحن محمد القصبجي ورغبة العديد ممّن تثق فيهم من الوسط الفني والنقدي.

أقبل الجمهور على اقتناء التذاكر وغصّت دار سينما ستوديو مصر بالحاضرين، لكن أغلبهم غادر القاعة قبل نهاية العرض، ورغم الأجواء المشحونة بالصراع الفني والعِداءات المعلنة والخفية ذات الخلفيّات المتعدّدة لم تركن أم كلثوم إلى حجة المؤامرة إنما اتجهت إلى اتهام نفسها وتحميل المسؤولية للقصبجي ولكل من أشار إليها بجدوى إنتاج أوبريت وإلقائها في وسط ذوقي غير قابل لهذا اللون الفني.

هذه الحادثة تمّ اعتمادها مرجعًا من قبل بعض النقاد في ضرورة مراعاة الفنان لأفق انتظار الجمهور، وهي شبيهة بوقائع عديدة كان يمكن للمين النهدي والمنصف ذويب الاستفادة منها في استيعاب سرّ حضور الجماهير بكثافة إلى قرطاج ومغادرة الكثير منهم المسرح قبل نهاية العرض.

لقد مارس جمهور لمين النهدي لونًا نقديًّا متميزًا إذ حثهم رصيد لمين النهدي الفني على القدوم ودفعهم ضعف النصّ والأداء على المغادرة

لقد مارس هذا الجمهور لونًا نقديًّا متميزًا إذ حثهم رصيد لمين النهدي الفني على القدوم ودفعهم ضعف النصّ والأداء على المغادرة، فالمستهلك لا يتعامل فقط مع شهادات المنتج أو المبدع وأرصدته القديمة فتلك مجرد حافز إنما تعامله مع ما يقدّم له الآن وهنا، ولو سلمنا بأنّ لمين النهدي قد تعرّض إلى مؤامرة ذات خلفية سياسية، لجنح خصومه إلى الأسلحة التقليديّة في تقزيم الفنانين وتعطيلهم وهي الدعوة إلى المقاطعة أو إحداث الهرج والمرج أثناء العرض أمّا الإقبال على المسرح ثم مغادرته ثمّ التعبير عن موقف نقدي خارجه فهذا في الحقيقة يُحسب لهم لا عليهم، ويبدو أبعد ما يكون عن قاعدة إضمار الإساءة والتخطيط لها، بصرف النظر عن طرائق توظيف الحادثة لاحقًا.

لكنّ هذه المقاربة لا تنفي بالضرورة دور المواقف السياسيّة للفنان في خدمته أو التضييق عليه سواء كان مع النظام أو ضدّه، يتضح ذلك خاصّة في صلة بتجربة لطفي العبدلي فقد خدمته بعض المواقف السياسية وأعلت من شأنه في العديد من المناسبات قبل الثورة حينما أعلن صراحة مساندته الدعوة إلى رحيل بن علي وفي رئاسيات  2019 لمّا ساند قيس سعيّد أستاذ القانون الدستوري في مواجهة رجل الأعمال نبيل القروي، اللافت أنّ جمهور العبدلي حتى المحافظين منهم والمتدينين لم يلتفتوا وقتها إلى "لغته" ما دام يروج لمواقفهم السياسية، ولم ترفع شعارات "اللياقة والفن النظيف" إلا في الفترة الأخيرة حينما دخل هذا الممثل في مواجهة مزدوجة ضد بعض الأمنيين من جهة وخصوم قيس سعيّد من جهة ثانية.

المواقف السياسيّة للفنان قد تساهم في خدمته أو التضييق عليه سواء كان مع النظام أو ضدّه

 

 

  • الموقف السياسي والتبعات الفنية

الناظر في الساحة الفنية التونسية في كل منعطف سياسي كبير من الاحتجاجات العمالية والنقابية في الثمانينات إلى ثورة 2011 إلى مسارات 25 جويلية 2021  واجد أنّ فئة كبيرة من الجماهير تجنح إلى تقييم الممثل أو المغني بناء على مواقفه في علاقة بالنظام والمعارضة، وفيهم من يغير موقفه من الإيجاب إلى السلب أو العكس مرجحًا المعيار السياسي على المعيار الفني، فتراه يقلب سيرة الفنان السياسية ثمّ يعرب عن موقفه الذوقي! وما على الفنان إلا تحمل تبعات اختياراته.

فئة كبيرة من الجماهير تجنح إلى تقييم الممثل أو المغني بناء على مواقفه السياسية، وفيهم من يغير موقفه من الإيجاب إلى السلب أو العكس مرجحًا المعيار السياسي على المعيار الفني

مجموعة البحث الموسيقي وأولاد المناجم من النماذج التي مارست الاحتجاج السياسي من خلال ما يوصف بالغناء الملتزم، وقد تزعم هذه الجماعات الفنية الطلبة والعمال الذين تحركهم نزعة يسارية، ولم يكن رهانهم ماديّا بقدر ما كان نقديّا ثوريا لذلك لم يصدر عنهم أيّ شكل من أشكال التظلم بسبب تحجير بث أغانيهم في المساحات الرسمية، فكان همهم التوجه إلى جمهورهم الخاص في الجامعات ومقرات النقابات وفي الاجتماعات التي تنظمها أحزاب المعارضة في حيز يخضع إلى التضييق والمراقبة.

مجموعة البحث الموسيقي وأولاد المناجم من النماذج التي مارست الاحتجاج السياسي من خلال الغناء الملتزم، وكان رهانهم نقديًّا ثورياً ولم يصدر عنهم أيّ شكل من أشكال التظلم بسبب تحجير بث أغانيهم أو غير ذلك

 

قبيل ثورة 2011، رفع حمادة بن محمد/ "الجنرال" لواء التمرّد على زين العابدين بن علي من خلال أغان تفضح نظامه القمعيّ  البوليسي فواجه صدًّا ومطاردة وقد كان شأنه شأن أسلافه من رواد الفن الاحتجاجي غير مراهن على دعم أو رفاهية في عرض أعماله ومع ذلك فقد تمكّن من كسب جمهور واسع من الشباب والكهول مختلفين ذوقيًا لا تجمعهم إلا الرغبة في إرباك النظام بصرف النظر عن طبيعة النغم و الإيقاع.

فلا عجب أن ترى المغرم بالأغاني الرومنسية والطربية مشدودًا إلى الراب في تلك الفترة المفصليّة مردداً أغنية "رئيس البلاد" معربًا عن إعجابه بجنرال الموسيقى الذي حقق سياسيًا بالراب ما لم يتحقق بالمقال الاحتجاجي والكتاب.

 

الفن الاحتجاجي لا يكون بالضرورة معطّلاً لمسيرة الفنان فقد يجعله يوسع دائرة انتشاره خاصّة بين المعارضين والمتمردين والرافضين للنظام السياسي القائم

 

بعد 2011، ظهرت في مواقع التواصل الاجتماعيّ صفحات "الاستخبارات الثوريّة" مهمتها نشر وتدوين مواقف المنبطحين والمتملقين في عهد زين العابدين  بن علي فعرضت صور وفيديوهات لكثير من الإعلاميين والنقابيين والفنانين الذين مارسوا ألوانًا من التملق لنظام بن علي في سوق المديح والمناشدة والتزييف.

أثر هذا المنحى في مسيرة العديد من الفنانين منهم لطيفة العرفاوي وصوفية صادق، وبات الكثير من الممثلين والمغنين موسومين بالتطبيل محرومين في فترة المد الثوري من الصعود إلى الركح في المهرجانات والحضور إلى المنوعات ولم تعد الروح لهؤلاء الفنانين إلا بعد موجات المصالحة والتطبيع مع المنظومة القديمة السياسية والفكرية والفنية على امتداد عشر سنوات.

التحولات الذوقية والتقلبات السياسيّة من شأنها أن تساهم في إرباك مسيرة الفنان، وما عليه إلا أن يتحلّى بالحكمة والموضوعية في تفسير النجاح أو تعليل الفشل حتى لا ينساق وراء التبريرات المتهافتة

بناء على هذا التحليل يمكن الانتهاء إلى نتائج هامة نذكر منها ثلاثًا: الأولى مفادها أنّ الفن الاحتجاجي لا يكون بالضرورة معطّلاً لمسيرة الفنان فقد يجعله يوسع دائرة انتشاره خاصّة بين المعارضين والمتمردين والرافضين للنظام السياسي القائم. النتيجة الثانية تتصل بالموقف النقدي، فقد يساهم تسييس الفن في إفساد معايير التقييم فيقبل الجمهور على أعمال تفتقر إلى الإبداع لمجرد صدورها عن أطراف تشاركهم مواقفهم من النظام أو المعارضة. والنتيجة الثالثة مدارها على أنّ التحولات الذوقية والتقلبات السياسيّة من شأنها أن تساهم في إرباك مسيرة الفنان، وما عليه إلا أن يتحلّى في المواقف الحرجة بالحكمة والموضوعية في تفسير النجاح أو تعليل الفشل حتى لا ينساق وراء التبريرات المتهافتة.