الأمومة أو العمل؟.. صراع مؤجّل الحسم

الأمومة أو العمل؟.. صراع مؤجّل الحسم

صعوبة في التوفيق أحيانًا بين واجبات الأمومة ومقتضيات العمل (Getty)

 

تؤكد إحصائيات رسمية أن المرأة تؤمن أكثر من 45 في المائة من مصاريف العائلة التونسية، وهو إقرار بدورها الاقتصادي الهام في تونس التي اُختيرت عاصمة للمرأة العربية لسنة 2019 وأيضًا عاصمة لتكافؤ الفرص لهذا العام، فيما يهدف حاليًا مشروع قانون المساواة في الميراث لتعزيز رصيد مكاسب المرأة التونسية.

يتحدث الجميع في تونس عن مكانة المرأة التي افتكّت مراتب متقدّمة لم تكن الطريق نحوها معبّدة، ولا تعكس صراعًا حقيقيًا مع الزمن والظروف من أجل الوصول إلى النتيجة التي لطالما سعت إلى تحقيقها.

تؤكد إحصائيات رسمية أن المرأة تؤمن أكثر من 45 في المائة من مصاريف العائلة التونسية وهو إقرار بدورها الاقتصادي الهام

أتحدث عن نفسي: "أنا أم وصحفية يبعد عنها الأهل أكثر من 120 كم فيما يبعد الزوج لظروف عمله أكثر من 400 كم، تربطني بالعمل علاقة روحية لا قيد فيها ولا شرط وقد تدعّمت بالوقت وزادها حماسة أفقًا أراه رحبًا. لكن منذ تجربة الأمومة الأولى، بدأ الطريق الطبيعي في مشواري المهني يصعب شيئًا فشيئًا، ويزداد كاهلي ثقلًا مع كل جزئية تطرأ لابني الأول الذي لحقه ابني الثاني. طفلان لم يتجاوز البكر فيهما سن السنتين والنصف ومرحلة مليئة بالتطورات والاحتياجات والرعاية".

"كنتُ أحرص دائمًا على أن أكون على قدر من المسؤولية، وكل مناي إدراك مرحلة الرضا في عملي ومع عائلتي. رضا أدركته في حالات كثيرة لكن كنت أجد نفسي في مفترق طرق يجعلني مجبرة أحيانًا على التخلي عن جزء من روحي". كان ذلك نقلًا دقيقًا لمرحلة "مفترق الطرق" التي وجدت فيها نفسي قبل سنتين ونصف، ومرات عديدة طيلة سنوات الأمومة الخمس وربما لازالت سألقاها مستقبلًا.

اقرأ/ي أيضًا: احذر مثاليّتك فقد تدمّر طفلك!

هذه القصة ليست بالجديدة ولا المنفردة، هو حوار مؤجل مرّت به أمهات كثيرات، البعض منهن حاولن التوفيق بين مقتضيات الأمومة ومواصلة الشغل، لكن البعض حسمن أمرهنّ اضطرارًا بالانقطاع عن العمل.

بين واجب الأمومة والحاجة للعمل.. الخيار الصعب

في أول يوم أعود فيه للعمل بعد انتهاء عطلة الوضع، تركت رضيع الشهرين عند مربية تعمل في بيتها، لكن رضيعة أخرى اختارت أمها أن تصطحبها إلى العمل كل يوم. تشبثت أناملها الصغيرة بوشاح الأم التي تأرجحت في الزحام علّها تجد عمودًا تتمسك به في الحافلة المكتظّة.

حصرتني هذه اللوحة في ركن شديد الضيق حتى كادت تنقطع أنفاسي وعلق نظري بهذه الأنامل الصغيرة، لم ينطق لساني بكلمة لكن في سريرتي اختلطت الأحاسيس، بين تقدير لهذه الأم الكادحة وشفقة على هذا الصغير الذي اضطره العمل إلى قطع نومه الهادئ ومغادرة ركنه الدافئ.

"ظروفي صعبة، زوجي لا يعمل، وراتبي لا يكفي للبحث عن حضانة أضع فيها ابنتي". 350 دينار هو راتبي الشهري بالكاد تغطي مصاريف ابنتي وإيجار المنزل"، هكذا تحدثت مفيدة التي تعمل معينة منزلية لـ"الترا تونس". تضيف: "أنا مضطرّة لاصطحابها معي ومشغلتي لم تمانع ولا أفكر مطلقًا في الانقطاع عن العمل".

درصاف (عاملة بمصنع):"لم يكن قرار ترك العمل سهلًا بالنسبة لي، لكن إيداع طفلين في الحضانة وكل ما يترتب عن ذلك من مصاريف مقابل أجر زهيد لم يكن حلاًّ

درصاف، عاملة بمصنع، هي واحدة من أمهات كثيرات اخترن الانقطاع عن العمل للاهتمام بأطفالهن. تقول لـ"الترا تونس": "لم يكن قرار ترك العمل سهلًا بالنسبة لي، لكن إيداع طفلين في الحضانة وكل ما يترتب عن ذلك من مصاريف والخروج للعمل في أوقات مختلفة مقابل أجر زهيد لم يكن حلاًّ، كنت أعتقد أن الانقطاع عن العمل سيكون مؤقتًا إلى أن يكبر طفلي قليلًا، لكن لكل سنّ احتياجاته. اليوم يبلغ ابني البكر 14 سنة وشقيقه يبلغ 10سنوات. هم في سن حرجة حسب رأيي ولا يمكن أن أتغيب عنهما خاصة في أوقات الفراغ". 

الصحافة مهنة شاقة للمرأة

حاورت "الترا تونس"، في السياق ذاته، الصحفية مبروكة خذير التي اعتبرت أن القوانين التونسية غير منصفة للأم العاملة، وفق قولها، مضيفة "من المفترض أن توجد عطلة أمومة أطول وكذلك عطلة أبوة مثل ما هو جاري العمل به في الدول التي تحترم حق طبقتها العاملة وتحترم حقوق الطفل".

وعن تجربتها، أفادت خذير أن عملها كمتعاونة لم يجعلها في مأمن من صراع الأمومة والعمل، "أنا مسؤولة ماديًا ومعنويًا عن ابني وأحاول أن أؤمن له الدراسة بجودة عالية وبشكل معمق وأظن أحيانًا أنه ضحية لأم تعمل كصحافية".

مبروكة خذير (صحفية): أنا مسؤولة ماديًا ومعنويًا عن ابني وأظن أحيانًا أنه ضحية لأم تعمل كصحافية

اقرأ/ي أيضًا: هل تفضح مقابلات العمل سوق الشغل في تونس؟ (شهادات)

وتؤكد الصحفية أن الصحافة هي مهنة شاقة بالنسبة للمرأة خاصة وأن العمل لا يخضع لأوقات محددة. وتضيف: "هناك أيضًا جانب نفسي، فالصحفي هو صوت الآخرين يمتص طوال اليوم وخلال ساعات العمل الشاقة مشاكل الآخرين ويمضي يومه في الاستماع إلى كل ما يحصل وهو يعود بكل هذا الحمل إلى منزله حيث يحتاج إلى الهدوء مع أطفاله".

وتبيّن مبروكة خذير أن هناك معطى آخر بالنسبة لمهنة الصحافة وهو أن العمل لا ينتهي بانتهاء العمل الميداني بل يستمر حتى في المنزل، "نعود إلى ديارنا ونبقى على تواصل مع كل ما يحصل خارج رقعة البيت، نطلع ونقرأ ونستمع ونتابع. بالنسبة لي مثلًا، أنا أدير صفحات التواصل الاجتماعي بنفسي وهذا عمل إضافي ليلي أقوم به على حساب الوقت الذي أمنحه لابني".

المدير لا يتفهّم وضعية المرأة العاملة

سلوى حسني، موظفة مجازة في القانون وأمّ لطفلين، تقول هي الأخرى لـ"الترا تونس" إن "القانون التونسي لا ينتصر للأم العاملة ولا لمصلحة الطفل، إذا أخذنا بعين الاعتبار ساعات العمل التي تقضيها الأم خارج المنزل مقارنة بالواجبات المحمولة عليها في المنزل من اعتناء بالأطفال ومراجعة دروسهم وتجهيز غدائهم لليوم الموالي".

تقول:"ليس لي الحق أن أشعر بالتعب أو أمرض، ما أن تنتهي ساعات العمل حتى أبدأ بالتفكير فيما ينتظرني في المنزل". وتضيف: "ينتابني شعور بالعجز عندما يتعلق الأمر بصحة وأمن ودراسة أبنائي، عندها أفكر في أن أضع حدًا لعملي وطموحي المهني، ليس لي خيار آخر".

سلوى حسني (موظفة): ليس لي الحق أن أشعر بالتعب أو المرض، ما أن تنتهي ساعات العمل حتى يبدأ التفكير فيما ينتظرني في المنزل

وتشير الموظفة، في حديثها معنا، إلى أن المديرين في العمل لا يتفهمون وضعية المرأة الخاصّة، مشيرة إلى أنه يتم خصم الشهادات الطبية للأبناء من إجازاتها السنوية.

ترى سلوى أن ما يثار حول حقوق المرأة وقانون المساواة في الميراث لا يمسّ المرأة التونسية في حياتها اليومية ولا يحل معضلة الأم العاملة ولا تبعات عملها على حاضر أبنائها ومستقبل أطفالها.

اقرأ/ي أيضًا: استقبال المواليد في التقاليد التونسية.. طقوس "خلاص الوحل" و"السّابع"

"سيكون أفضل لو تم تمكين المرأة من تقليص ساعات العمل مهما كانت وظيفتها لتجد وقتًا أطول لأسرتها، هذا برأيي الإنجاز الحقيقي الذي يمكن المرأة من المحافظة على وظيفتها ومسارها المهني دون الإخلال بواجباتها كأم"، هكذا تختم سلوى حديثها.

المحامي إقبال جمال الدين يرى، من جهته في حديثه لـ"الترا تونس"، أن القانون التونسي يضمن حقوق المرأة التونسية ومساواتها مع الرجل، ويجعل تونس تتبوّأ مراتب متقدمة في هذا الباب مقارنة بدول عديدة وحتى المتقدمة منها.

تعزيز الإطار القانوني لتمكين المرأة

القانون التونسي أحدث منذ عام 2007 نظامًا جديدًا للعاملة في القطاع العام بهدف مساعدتها على مزيد التوفيق بين الالتزامات المهنية والواجبات العائلية وخاصة منها تربية الأبناء والقيام بشؤونهم، تعمل بموجبه الموظّفة نصف الوقت لقاء ثلثي الأجر.

فيما أقر مجلس وزاري بمناسبة عيد المرأة بتاريخ 8 مارس/آذار 2019، مشروع قانون خاص بعطلة الأمومة يقر بالتمديد في عطلة الأمومة خالصة الأجر وإحداث عطلة ما قبل الولادة لتفادي أي تأثير للحمل على المسار المهني وعلى صحة المولود، كما تقرر إحداث عطلة أبوّة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

المواليد خارج إطار الزواج.."إذا وصفونا بأبناء الحرام.. سنقول نحن آدميون"

التونسيّات يهجرن وسائل منع الحمل.. الرجوع إلى الطبيعة؟