هل تحوّلت الدراما التونسية إلى خطر يهدّد المراهقين؟

هل تحوّلت الدراما التونسية إلى خطر يهدّد المراهقين؟

الأطفال والمراهقون هم الفئة الأكثر تأثرًا بمحتوى المسلسلات

 

"تحب تولّيلي كلوشار" هكذا تعالى صوت جارتي في أرجاء الحومة مخاطبة ابنها أسامة، 15 عامًا، بسبب شكل حلاقة شعره التي قام بها والتي تشبّه بها بأحد أبطال مسلسل "أولاد مفيدة". وانتهت المشاجرة بأن أمرته بالتخلّص من هذا المظهر وإلّا فإنّه سينال أشدّ عقاب.

مشهد قد يتكرّر في عديد الأسر التونسيّة المحافظة منها والمنفتحة، وتختلف ردود افعلل تجاه هذه الفئة الهشّة من المجتمع فيجد المراهق نفسه في صراع مع محيطه وما يكتسبه من مشاهداته.

"دنقري" شورّب، وشم بدر، هيئة زينة ومصطلحات مسلسل "أولاد مفيدة"، هذه هي الصورة الذي يمكن أن تلحظها عند أغلب المراهقين على امتداد شهر رمضان. صورة يستمرّ أثرها على امتداد السنة في انتظار ما ستلفظه إنتاجات الدراما التونسية في رمضان المقبل.

ما مدى تأثّر المراهق بالأعمال الدراميّة؟ وكيف تستطيع الأسرة تأطير سلوكيّات أبنائهم الباحثين عن القدوة في هذه الأعمال؟

اقرأ/ي أيضًا: "أولاد مفيدة" وإشكاليّة "البطل الآثم" في الدراما التونسية

هم أطفال لم يتجاوزوا الثامنة عشرة يعيشون انحرافات سلوكيّة كالتدخين، وتعاطي المخدرات والكحول، وانحرافات جنسية، وعنف وانتحار. ولأنّ المراهقة تُعتبر مرحلة الفضول والسعي وراء الغرائز، فإنّ هذه السلوكيات تزداد عند مشاهدتهم للمسلسلات الرمضانيّة حينما يتأثر سلوكهم بالرسائل الدرامية التي تمرّر عبر هذه الأعمال والتي تعتبر من المصادر الأساسيّة لاستيقائهم المعلومات.

واللافت هو عدم قدرة الأهل على منع الأولاد من مشاهدتها، فمن استطاع التحكّم فيما تشاهده العائلة في التلفاز لا يستطيع التحكّم في الإعادات التي تبّث عبر النت. فما مدى تأثّر المراهق بالأعمال الدراميّة؟ وكيف تستطيع الأسرة تأطير سلوكيّات أبنائهم الباحثين عن القدوة في هذه الأعمال؟ أسئلة يبحث عن إجابتها "ألترا تونس" في هذا التقرير.

العنف الدرامي "عنف جميل" للمراهق

كانت الدراما منذ قديم الأزل دومًا جاذبة للإنسان كأداة للترفيه والتسلية وأصبح شهر رمضان في تونس موسمًا قارًا يتنافس فيه المنتجون لتحقيق نسب مشاهدة عالية وتسويق منتجهم الدرامي بعيدًا عمّا يحمله من مضامين أو رسائل إصلاحيّة.

وفي هذا الإطار، يرى الباحث في علم الاجتماع معاذ بن نصير أن المشكل الأساسي متمثل في مدى تأثّر الأطفال والمراهقين بما تقدمه الدراما الرمضانية من صور سلبية مفادها العنف والسرقة و"البراكاجات" (السرقة) والتحرش. ويؤكّد لـ"ألترا تونس" أنه في مرحلة عمرية معينة يفتقد الطفل لكل أساسيات التقييم الموضوعي والإدراك بأن مثل هذه المادة قد تؤثر على سلوكه اليومي فيتبع أبطالها بطريقة جنونية على حدّ تعبيره، وبذلك فهو يتخلى عن التمثلات الاجتماعية العائلية ليعوضها بتمثلات اجتماعية أخرى من خلال نجوم الدراما.

معاذ بن نصير (باحث في علم الاجتماع): يفتقد الطفل للإدراك بأن المادة الدرامية قد تؤثر على سلوكه اليومي فيتبع أبطالها بطريقة جنونية

ويقول معاذ بن نصير إنّ الملفت للانتباه هو ارتفاع نسب المشاهدة خاصة داخل الفضاء الافتراضي (اليوتيوب) وهذا ما يفسره التناقض الذي يعيشه البعض بين ما يظهر وما يخفى، فمشاهد العنف المادي واللّفظي كانت من بين الأسباب التي تجعل من الشباب والأطفال لا يحبّذون المشاهدة رفقة عائلاتهم، لذا يجدون الحل في شاشات الهاتف الجوال الذي تتيح لهم المشاهدة بعيدًا عن رقابة العائلة التي تريد أن تفرض عليهم نمطًا وسلوكًا اجتماعيًا معين، بل تسقط على الأبناء اختياراتهم ونوعية البرامج والمسلسلات الذي يجب عليهم متابعتها، على حدّ قوله.

ويؤكد بن نصير أن نسب المشاهدة على "اليوتيوب" ليست معيارًا لنجاح العمل ويفسّر الأمر قائلًا: "الإحصائيات تشير إلى أن أكثر من 72 في المائة من مستعملي الأنترنت هم من الشباب الذين لا يتجاوز معدل أعمارهم 32 سنة وهم من يدمنون الفضاء الافتراضي، فالمواقع الإباحية تحظى بنسب مشاهدة كبيرة فهل هذا يعكس أي رقي؟".

ويقول محدّثنا إنّ المراهقين يرون في أبطال بعض المسلسلات قدوة لهم ومثالًا يحتذى به وهذا ما يظهر خاصة في نسبة المتابعين لهؤلاء المشاهير في "الأنستغرام"، وجمهور العالم الافتراضي هم أنفسهم جمهور أعمالهم الدرامية، لذا يقبلون ويستحسنون عنفهم الدرامي ليصبح "عنفًا جميلًا".

المراهق يبني واقعه بناء على الدراما

إنّ من أهمّ الأسباب التي تزيد من الأثر المتوقع للدراما التلفزيونية أنها تقدم أفكارًا بطريقة غير مباشرة كما أنّ عرضها للمضمون في شكل تمثيلي يحقق عنصري الثبات والتصديق في عقل المشاهد ووجدانه، وهو ما يؤثر في المشاهد ويساهم في تكوين تصوّر لواقعه بناء على الدراما. كما أن الأعمال الدرامية تثير في المشاهد غريزة المحاكاة والتقليد وهي من أهم الغرائز التي تؤثّر في سلوك الإنسان.

تثير الأعمال الدرامية في المشاهد غريزة المحاكاة والتقليد وهي من أهم الغرائز التي تؤثّر في سلوك الإنسان

اقرأ/ي أيضًا: "المايسترو".. حينما تفتح الدراما ملف مراكز الإصلاح في تونس

وفي سياق متصّل، تقول المدرّبة في التربية مريم المالكي لـ"ألترا تونس" إن "ما يقع بثه من برامج ومسلسلات مستفز لمشاعر الناس وهو بمثابة برمجة لأدمغة المشاهدين من أطفال ومراهقين وشباب وربما حتى الكهول فتصبح هذه المشاهد والظواهر الاجتماعية الشاذة من عنف جسدي وقتل وإيحاءات جنسية حالات عامة وسائدة في المجتمع"، على حدّ تعبيرها.

وتضيف المالكي أن المراهق في هذه المرحلة يكون شديد التأثر بما يشاهده من نجومه المفضلين وذلك من خلال تقليد قصّات شعرهم وطريقة لبسهم ورسوم "الوشم" على أجسادهم من ثم تقليد أسلوب حياتهم التي يشاهده في المسلسلات فعواطف المراهق في هذه المرحلة تدفعه بقوّة للانتماء لشخص ما (صديق، شخصية مشهورة، فنان، لاعب كرة قدم إلخ).

وتؤكّد المدربة في التربية أنّ أفضل الحلول بالنسبة للآباء والأمهات هي توجيه طاقة المراهق إلى مسائل أخرى أكثر إفادة وإخراجه من دور المتلقي المتأثر إلى دور الفاعل ويكون ذلك إمّا بتعريفه على قدوات بديلة أو من خلال توجيه وقت فراغه في هواية معينة وتفريغ طاقته في النافع والمفيد فيصبح بذلك المراهق مشغولًا بأنشطة تستهويه وتملأ وقته وتبني شخصيته ويجد فيها ملاذه ليثبت فيها نفسه على حدّ تعبيرها.

مريم المالكي (مدربة في التربية): تُيسر الصحبة بين الأبناء والآباء طرح كل المواضيع التي تتداولها المسلسلات على طاولة الحوار

وتضيف محدّثتنا أنّ مصاحبة المراهق في هذه المرحلة هي من أهم الإستراتيجيات لكسب ثقتهم وجعلهم يطمئنون ولا يخجلون من مصارحة أهاليهم بمشاعرهم وهمومهم واستفسارتهم وما يشغلهم ولا تتحقق هذه الصحبة إلا من خلال حوارات راقية تحترم النوازع والطبائع وتقدر فيها عقولهم وشخصيّاتهم على حدّ تعبيرها.

وتقول في نفس السياق: "إنّ الصحبة بين الأبناء والآباء تجعل من السهل طرح كل المواضيع التي تتداولها المسلسلات على طاولة الحوار فيتحول التذمّر من محتوى هذه المنتجات الاستهلاكية إلى مكاشفة ومصارحة مع الأبناء وفرصة لمناقشة المسائل المسكوت عنها في بيوتنا وتوجيه أبنائنا بأسلوب حضاري وديمقراطي".

وفي ختام حديثها معنا، تقول مريم المالكي إنّ الآباء والأمهات هم مرآة أبنائهم فسلوكهم وكل تصرفاتهم تنعكس على تصرفات أبنائهم لذلك يجب أن تتطابق كلماتهم وتوجهاتهم مع أفعالهم.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أنور العياشي: "مسرح العائلة" يؤسس لمرحلة جديدة من الدراما التلفزية (حوار)

مسلسل "نوبة".. الحنين الأبدي إلى "المزود" بحبل درامي ساحر