هل يكون الاستفتاء على تعديل النظام السياسي وجهة قيس سعيّد القادمة؟

هل يكون الاستفتاء على تعديل النظام السياسي وجهة قيس سعيّد القادمة؟

صورة للرئيس خلال الحملة الانتخابية لرئاسية 2019 وقد كان يدعو لتغيير النظام السياسي منذ تلك الفترة (الشاذلي بن إبراهيم/Getty)

 

في آخر كلمة للرئيس قيس سعيّد، نشرتها الرئاسة التونسية بتاريخ مساء الخميس 2 سبتمبر/أيلول 2021، ومدتها أكثر من نصف ساعة، قال سعيّد من ضمن حديث طويل جملة قصيرة لافتة للمهتمين بمحاولة فهم واستشراف المستقبل السياسي لتونس: "سنعود إلى الشعب صاحب السيادة هو الذي يقرر في إطار القانون". 

لا يمكن تأويل الجملة بأوجه عدة، هو إما توجه نحو انتخابات جديدة أو نحو الاستفتاء. الغائب في الجملة القصيرة للرئيس هي "كل التفاصيل" طبعًا. أي انتخابات؟ أو الاستفتاء حول ماذا؟ متى؟ وفق أي قانون؟ الخ.. لكن مجرد الإحالة لهذا التوجه نحو الشعب في تاريخ ما وحول موضوع ما أعاد نقاشًا واسعًا على الساحة التونسية. 

يوم الجمعة 3 سبتمبر/أيلول 2021، الاتحاد العام التونسي للشغل ومن خلال تصريح إعلامي لأمينه العام، على هامش تظاهرة، يدعو الرئيس قيس سعيّد إلى الإسراع بتعيين حكومة واقتراح استفتاء لتعديل النظام السياسي في الدستور.

يلتقي الرئيس سعيّد مع المنظمة الشغيلة في "التوجه نحو الشعب" وبناء على هذا الالتقاء، تحولت الأنظار نحو فرضية ليست جديدة على الساحة السياسية: الاستفتاء لتغيير النظام السياسي للبلاد

وقد أوضح أمين عام المنظمة الشغيلة، النافذة والمؤثرة في البلاد، في ذات التصريح، "المشكلة الأساسية في تونس هي المنظومة السياسية والدستورية التي كبّلت كل شيء ولم تترك مجالاً للتقدم... يجب طرح استفتاء لإصلاح النظام السياسي".

هكذا إذًا يلتقي الرئيس سعيّد، الذي يجمع كامل صلاحيات السلطة التنفيذية في تونس منذ حوالي 40 يومًا مع المنظمة الشغيلة، المؤثرة عبر التاريخ في تونس، في التوجه نحو الشعب. وبناء على هذا الالتقاء، تحولت الأنظار نحو فرضية ليست جديدة على الساحة السياسية بل سبق أن أشار لها سعيّد حتى قبل يوم 25 من جويلية/ يوليو 2021 وأشارت لها سابقًا مكونات عديدة من المشهد السياسي والجمعياتي التونسي وها هو اتحاد الشغل يعود لتوجيه المطالبة بها: الاستفتاء لتغيير النظام السياسي للبلاد. 

في سبتمبر/ أيلول 2019، قال قيس سعيّد وقد كان حينها مرشحًا للانتخابات الرئاسية في حوار له في قناة حنبعل الخاصة التونسية إنه "في حال فوزه في الانتخابات سيقوم بتغيير النظام السياسي" (1). 

وخلال كلمة توجّه بها إلى الشعب بمناسبة حلول السنة 2021، في ساعة متأخرة من مساء 31 ديسمبر/ كانون الأول 2020، تعرض الرئيس إلى النظام السياسي الحالي في تونس، قائلًا إنه "نظام في حاجة إلى لقاح من صنف جديد ولكن غير مستورد يُعيد للثورة وهجها ولتونس ومؤسساتها عافيتها وفي حاجة لتصور يقوم على تحقيق الأهداف التي سقط من أجلها الشهداء"، وفق تعبيره (2). 

كرر سعيّد في عدة مناسبات، قبل انتخابه رئيسًا وإثر ذلك، رغبته التوجه نحو تغيير النظام السياسي لكن من غير الواضح طريقة توجهه نحو التعديل

هل يكون إذًا الاستفتاء على تعديل النظام السياسي وجهة قيس سعيّد القادمة في تونس؟ وفق أي سند قانوني؟ هل سيتم الاستناد لدستور 2014 أم سيسبق هذه الخطوة بأخرى تعلق العمل بدستور الجمهورية الثانية وإعداد تنظيم مؤقت للسلط كما حصل إبان ثورة 2011، في انتظار تكوين لجنة تنظر في دستور جديد كما يُشاع مؤخرًا؟ 

في هذا التقرير، نحاول تقديم بعض المعطيات حول 7 أسئلة جوهرية، هي:

  • ما هو النظام السياسي الحالي في تونس؟
  • ما هي مهام رئيس الجمهورية وفق النظام السياسي الحالي؟
  • ما المقصود بالاستفتاء؟
  • ماذا عن الاستفتاء في دستور 1959؟
  •  ماذا عن الاستفتاء في دستور 2014؟
  • هل الحل في تونس يكمن في تعديل النظام السياسي؟ 
  • هل الاستفتاء هو الآلية الأنسب للتعديل؟

فيما تبقى الإجابات عن عديد الأسئلة الأخرى رهن توجهات الرئيس في قادم الأيام.

  • أولاً: ماهو النظام السياسي الحالي في تونس؟

كان النقاش خلال فترة صياغة دستور الجمهورية الثانية حادًا وواسعًا حول طبيعة النظام السياسي الذي يفضل اعتماده تونسيًا، وانتهى الأمر بتبني نظام برلماني معدل يسميه البعض أيضًا بالنظام النصف أو شبه البرلماني.

يمنح هذا النظام البرلمان في تونس صلاحيات التشريع والرقابة ومنح الثقة للحكومة وسحبها منها والرقابة على عملها، ويعطي لرئاسة الحكومة جل الصلاحيات التنفيذية، ويختص رئيس الجمهورية باختصاص حصري في 3 مجالات فقط هي الدفاع والأمن القومي والعلاقات الخارجية.

أثار اختيار النظام البرلماني المعدل مواقف متباينة دائمًا لكن الفكرة الأبرز عند مسانديه أنه يؤدي إلى "توزيع السلطات ما يحول دون الاستفراد بالسلطة وعودة الاستبداد"، فيما يركز معارضوه على فكرة "تشتيت السلطة وما أنتجته من فشل في إدارة البلاد"

وقد أثار اختيار هذا النظام السياسي مواقف متباينة، لكن الفكرة الأبرز عند مسانديه أنه يؤدي إلى "توزيع السلطات ما يحول دون الاستفراد بالسلطة وعودة الاستبداد"، فيما يركز معارضوه على فكرة "تشتيت السلطة وما أنتجته من فشل في إدارة البلاد طيلة العشرية الأخيرة تقريبًا".

وفي إطار هذا الجدل، طُرحت مسألة تغيير النظام السياسي في مناسبات عدة  حتى بعد سنوات قليلة من المصادقة على دستور 2014، نذكر من ذلك انتقاد الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي له في سنة 2016 والدعوات التي رافقت ذلك لتعديل النظام السياسي نحو نظام رئاسي، وتعالت هذه الدعوات من جديد بعد صعود سعيّد للرئاسة بالنظر لما يُعرف عن الرجل من رغبة في تغيير النظام السياسي وتصاعدت أكثر إبان ما اتضح من آداء البرلمان، الذي نتج عن انتخابات 2019، وتشتت تركيبته والتعطيل الذي عرفه في مناسبات عدة. 

  • ثانياً: ماهي مهام رئيس الجمهورية وفق النظام السياسي الحالي؟

ضبط القسم الأول من الباب الرابع لدستور 2014 (من الفصل 72 إلى الفصل 88) مهام رئيس الجمهورية وصلاحياته وشروط انتخابه، وهو يمثل مع رئيس الحكومة السلطة التنفيذية (الفصل 71  من دستور  2014) في نظام برلماني معدل وهو ما يعطي لساكن القصبة ضبط السياسة العامة للدولة ولساكن قرطاج "رئيس الدولة، ورمز وحدتها، يضمن استقلالها واستمراريتها، ويسهر على احترام الدستور" (الفصل 72 من دستور  2014) وهو يتمتع بذلك بمهام وصلاحيات محددة.

أما اختصاصات الرئيس فهي التالية: يتولى تمثيل الدولة ويختص بضبط السياسات العامة في مجالات الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومي المتعلق بحماية الدولة والتراب الوطني من التهديدات الداخلية والخارجية وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة.

كما يتولى حلّ مجلس نواب الشعب في الحالات التي ينصّ عليها الدستور، ولا يجوز حلّ المجلس خلال الأشهر الستة التي تلي نيل أول حكومة ثقة المجلس بعد الانتخابات التشريعية أو خلال الأشهر الستة الأخيرة من المدة الرئاسية أو المدة النيابية.

وكذلك رئاسة مجلس الأمن القومي ويدعى إليه رئيس الحكومة ورئيس  البرلمان والقيادة العليا للقوات المسلحة وإعلان الحرب وإبرام السلم بعد موافقة مجلس نواب الشعب بأغلبية ثلاثة أخماس أعضائه، وإرسال قوات إلى الخارج بموافقة رئيسيْ مجلس نواب الشعب والحكومة واتخاذ التدابير التي تحتّمها الحالة الاستثنائية والإعلان عنها طبق الفصل 80 والمصادقة على المعاهدات والإذن بنشرها وإسناد الأوسمة والعفو الخاص وختم القوانين (الفصل 77 من دستور 2014).

يتولى رئيس الجمهورية بأوامر رئاسية: تعيين مفتي الجمهورية التونسية وإعفاءه، التعيينات والإعفاءات في الوظائف العليا برئاسة الجمهورية والمؤسسات التابعة لها، التعيينات والإعفاءات في الوظائف العليا العسكرية والدبلوماسية والمتعلقة بالأمن القومي بعد استشارة رئيس الحكومة، وتعيين محافظ البنك المركزي باقتراح من رئيس الحكومة، وبعد مصادقة الأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس نواب الشعب. ويتمّ إعفاؤه بنفس الطريقة أو بطلب من ثلث أعضاء مجلس نواب الشعب ومصادقة الأغلبية المطلقة من الأعضاء (الفصل 78 من دستور  2014).

يتمتع رئيس الجمهورية أيضًا بصلاحيات في علاقة بعمل البرلمان ومن ذلك أساساً: حق المبادرة التشريعية التي تتمتع بالأولوية، حق رد مشاريع القوانين المصادق عليها، فالقوانين العادية التي تستوجب 73 نائبًا كحد أدنى، تصبح موجبة للأغلبية المطلقة أي 109 نائبًا، في حين ترتفع الأغلبية اللازمة للقوانين الأساسية بموجب الرّد إلى الثلثين أي 145 نائبًا، أن يخاطب مجلس نواب الشعب، العرض على الاستفتاء لمشاريعَ القوانين المتعلقة بالموافقة على المعاهدات، أو بالحريات وحقوق الإنسان، أو بالأحوال الشخصية، والمصادق عليها من قبل مجلس نواب الشعب (3).

  • ثالثًا: ما المقصود بالاستفتاء؟

الاستفتاء هو "إجراء بمقتضاه يُدعى المواطنون إلى التعبير عن رأيهم أو إرادتهم بمقتضى تصويت شعبي حول مسألة اتخذتها سلطة أخرى أو قد تتوخى إجراءها". 

الاستفتاء هو "إجراء بمقتضاه يُدعى المواطنون إلى التعبير عن رأيهم أو إرادتهم بمقتضى تصويت شعبي حول مسألة اتخذتها سلطة أخرى أو قد تتوخى إجراءها"

وتتعدد أنواع الاستفتاء وتختلف بحسب مجالها الجغرافي أو المادي وبحسب إلزاميتها وتأثيرها: استفتاء وطني، استفتاء محلي، استفتاء دستوري للموافقة على نص الدستور أو على تعديله، استفتاء تشريعي، استفتاء تعاهدي، استفتاء إداري، استفتاء إجباري أو اختياري، استفتاء استشاري أو تقريري.. (4).

  • رابعًا: ماذا عن الاستفتاء في دستور 1959؟

أهمل النص الأصلي لدستور 1959 بتاريخ 1 جوان/ يونيو 1959 كل أشكال الاستفتاء، لكن أدرجت التعديلات الدستورية الاستفتاء فيما بعد، من ذلك الاستفتاء التشريعي بالفصل 47 من دستور 1959 (5) والاستفتاء الاستشاري حول المسائل المهمة التي تتصل بالمصلحة العليا للبلاد كما نص الفصل الثاني منه على اللجوء إلى الاستفتاء الوجوبي على المعاهدات المتعلقة بوحدة المغرب العربي والتي قد يترتب عنها تعديل الدستور وكلها لم يقع اللجوء إليها (6).

كما نقح دستور 1959 بمقتضى تعديل 27 أكتوبر 1997 لإدراج الاستفتاء للمصادقة على مشاريع تعديل الدستور وهو الاستفتاء الوحيد الذي وقع اللجوء إليه من قبل الرئيس السابق بن علي سنة 2002 لتعديل قرابة 40 فصلًا من دستور 1959 (4).

نقح دستور 1959 بمقتضى تعديل 27 أكتوبر 1997 لإدراج الاستفتاء للمصادقة على مشاريع تعديل الدستور وهو الاستفتاء الوحيد الذي وقع اللجوء إليه من قبل بن علي سنة 2002 لتعديل قرابة 40 فصلًا من دستور 1959

  • خامسًا: ماذا عن الاستفتاء في دستور 2014؟

ينص الفصل 3 من دستور سنة 2014 أن الشعب التونسي هو صاحب السيادة ومصدر السلطات، يمارسها بواسطة ممثليه المنتخبين أو عبر الاستفتاء، كما يشير للاستقتاء في الفصل الخمسين منه أيضًا "يمارس الشعب السلطة التشريعية عبر ممثليه بمجلس نواب الشعب أو عن طريق الاستفتاء"

وينص دستور 2014 على نوعين من الاستفتاء (4) وهما الاستفتاء التشريعي الاختياري حول مشاريع القوانين المتعلقة بالموافقة على المعاهدات أو بالحريات وحقوق الإنسان أو بالأحوال الشخصية (7) والاستفتاء الدستوري وهو استفتاء تصديقي اختياري حول مشروع تعديل الدستور (8).

وكما تتولى هيئة الانتخابات إدارة الانتخابات في تونس، وفق دستور 2014، فهي تدير أيضًا الاستفتاءات وتدير عملية تنظيمها والإشراف عليها في جميع مراحلها، وتضمن سلامة المسار الانتخابي ونزاهته وشفافيّته، وتصرّح بالنتائج (9).

ينص دستور 2014 على نوعين من الاستفتاء وهما الاستفتاء التشريعي الاختياري والاستفتاء الدستوري وهو استفتاء تصديقي اختياري حول مشروع تعديل الدستور

  • سادسًا: هل الحل في تونس يكمن في تعديل النظام السياسي؟ 

كان هذا السؤال مشروعًا جدًا قبل 25 جويلية/ يوليو 2021. لا يبدو أن أي فائدة تذكر منه الآن أمام رئيس له كل الصلاحيات وهو من المدافعين بشدة عن تغيير النظام السياسي، لكن وجب التوضيح أن لا إجماع على الساحة التونسية حول هذا التعديل على عكس شبه إجماع حول تغيير النظام الانتخابي. 

كما وجب الإشارة إلى أن المطالبين بتغيير النظام السياسي ليسوا أقلية أيضًا ولم ينتموا لتيار بعينه. كمثال تحدث قائد السبسي عن تغيير النظام السياسي مستندًا إلى أن "الشعب التونسي يفضل النظام الرئاسي"، وفق تقديره.

المطالبون بتغيير النظام السياسي ليسوا أقلية ولم ينتموا لتيار بعينه ومن ضمنهم في فترات سابقة الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، المستشار السياسي السابق للغنوشي والرئيس السابق منصف المرزوقي

وسبقه لذلك المستشار السياسي السابق لرئيس حركة النهضة لطفي زيتون الذي قال سابقًا إن "البلاد تحتاج مغادرة ما أسماه "نظام الشبه - شبه" داعيًا لتوسيع صلاحيات الرئيس. وكان الرئيس السابق محمد المنصف المرزوقي من الداعمين لتغيير النظام السياسي، إذ دوّن سبتمبر/أيلول 2018 أن "هذا النظام المزدوج الذي يوزّع السلطة التنفيذية بين شخصين وإن يحمي حقًا من الاستبداد فهو محمّل بهشاشة لم يقدّر خطورتها إلا بممارسة السلطة"، وأوضح أنه في ظلّ هذا النظام لا بدّ من توافق بين رأسي السلطة التنفيذية وإلا فإنه صراع لا ينتهي والضحية الدولة ومصالح الشعب، وفق تعبيره (10).

لكن الدعوة لتغيير النظام السياسي مهما تعدد الداعون لها كانت غير قابلة للتفعيل لسبب إجرائي وهو غياب المحكمة الدستورية، إذ ينص الفصل 143 من دستور 2014 على أنّ لرئيس الجمهورية أو لثلث أعضاء البرلمان حق المبادرة باقتراح تعديل الدستور ولمبادرة رئيس الجمهورية أولوية النظر، لكن تفعيل هذه المبادرة متوقف على إرساء المحكمة الدستورية، وهي لم تشكل وهي التي يوكل لها الدستور مراقبة مسار التعديل.

الدعوة لتغيير النظام السياسي كانت غير قابلة للتفعيل لسبب إجرائي وهو غياب المحكمة الدستورية وهي لم تشكل للآن وهي التي يوكل لها الدستور مراقبة مسار التعديل

  • سابعًا: هل الاستفتاء هو الآلية الأنسب للتعديل؟

هنا أيضًا وللإجابة عن هذا السؤال، لا يتوفر أي إجماع ولكن عديد الأصوات مؤخرًا اعتبرت الاستفتاء آلية غير ديمقراطية وحاولت توضيح هناتها، وفق تقديرها. 

من ذلك ما صرح به أستاذ القانون الدستوري سليم اللغماني، يوم 10 أوت/ أغسطس 2021 في إذاعة موزاييك المحلية، حين قال "لا أعتبر الاستفتاء آلية ديمقراطية، وفي الدستور الفرنسي اليوم مثلًا لا يمكن لرئيس الجمهورية أن يذهب مباشرة إلى الاستفتاء لأن الاستفتاء هو الإجابة عن سؤال بنعم أو لا، لكن المحدّد ليس السؤال في الإجابة بل من يطرح السؤال.. بمعنى، نفس السؤال قد يحرز على نعم إن طرحه شخص ما، وقد يُرفض إن طرحه شخص آخر، ولهذا يُخشى تحوّل الاستفتاء من تصويت على نص إلى تصويت على شخص".

وأضاف اللغماني في هذا السياق: "الدستور البرتغالي أيضًا ليس له أن يستفتي مباشرة لأن الاستفتاء ممارسة للسلطة التشريعية بواسطة الشعب، لكن لا ديمقراطية بلا مداولات عمومية أو تمثيلية"، قائلًا بخصوص الوضع في تونس إنّ الشيء الوحيد الذي يجعلنا نتحرّك في إطار الدستور هو اللجوء إلى انتخابات تشريعية سابقة لأوانها بعد حلّ البرلمان، على حدّ تعبيره (11).

أستاذ القانون الدستوري سليم اللغماني: الاستفتاء هو الإجابة عن سؤال بنعم أو لا، لكن المحدّد ليس السؤال في الإجابة بل من يطرح السؤال.. ولهذا يُخشى تحوّل الاستفتاء من تصويت على نص إلى تصويت على شخص"

في سياق متصل، يؤكد الدكتور أيمن بوغانمي، وهو باحث في الشؤون السياسية وتاريخ الاقتصاد، في حوار له مع "ألترا تونس"، نٌشر بتاريخ 15 أوت/ أغسطس 2021، أنه يعتبر "الاستفتاء كارثة"، مستعرضًا كمثال سويسرا، قائلًا "عندما ندقق من الجهة السياسية التي تدفع دوماً نحو الاستفتاء، نجد اليمين المتطرف هو من يرغب في ذلك، كمثال التصويت على قانون منع الصوامع من الأماكن العامة، في بلد لا يوجد به أكثر من 4 صوامع على ما أظن" وداعيًا من يدعم الديمقراطية المباشرة وآلياتها (الاستفتاء) إلى تقديم مثال ناجح لها، مجددًا الحديث عن المثال السويسري، "فهو رغم اعتماده الديمقراطية المباشرة في بعض القوانين، إلا أنه نظام برلماني يضمن التمثيلية التعددية داخل المجتمع" (12).


  • خلفية للأحداث السابقة المهمة في تونس 

يُذكر أن الرئيس التونسي قيس سعيّد كان قد أعلن في ساعة متأخرة من ليل الأحد 25 جويلية/ يوليو 2021، مجموعة من القرارات منها تجميد عمل البرلمان ورفع الحصانة عن النواب وإعفاء رئيس الحكومة هشام المشيشي من منصبه وإعلانه أنه سيتولى مهام السلطة التنفيذية بمساعدة رئيس حكومة يختاره بنفسه لمدة 30 يومًا.

كما أعلن سعيّد أنه سيتولى رئاسة النيابة العمومية، إضافة إلى قرارات أخرى تنظيمية وترتيبية صدرت لاحقًا من خلال أوامر رئاسية. وتم هذا الإعلان خلال ترؤسه اجتماعًا طارئًا للقيادات العسكرية والأمنية بقصر قرطاج وقال خلاله سعيّد إنه يطبق "الفصل  80 من دستور 2014".

وكان سعيّد قد أصدر، أمرًا رئاسيًا، تزامنًا مع مرور شهر على إعلانه قراراته، يقضي بالتمديد في "التدابير الاستثنائية" وذلك إلى غاية إشعار آخر. وورد، في بيان للرئاسة التونسية، أن سعيّد سيتوجّه في الأيام القادمة ببيان إلى الشعب التونسي، وهو ما لم يحصل بعد.

 

 

  • المصادر:

(1) قيس سعيّد: سأغير النظام السياسي إذا فزت في الرئاسية ـ الترا تونس ـ فريق التحرير ـ نٌشر بتاريخ 5 سبتمبر/أيلول 2019

(2) سعيّد: النظام السياسي في تونس يحتاج إلى لقاح من صنف جديد ـ الترا تونس ـ فريق التحرير ـ نٌشر بتاريخ 1 جانفي/ يناير 2021

(3) رئيس الجمهورية.. ماهي مهامه وصلاحياته وفق الدستور؟ ـ الترا تونس ـ فريق التحريرـ نٌشر بتاريخ 6 سبتمبر/ أيلول 2019

(4) الاستفتاء الدستوري في ظلّ الدستور التونسي لسنة 2014 ـ لمياء ناجي (أستاذة بكلية الحقوق بصفاقس) ـ مجلة العلوم القانونية والسياسية الجزائرية ـ العدد الثالث

(5) الفصل 47 من دستور 1959: ينص الفصل 47 من دستور جوان 1959 كما عدل بمقتضى القانون الدستوري المؤرخ في 27 أكتوبر 1997 على أنه "لرئيس الجمهورية أن يستفتي الشعب مباشرة في مشاريع القوانين ذات الأهمية الوطنية أو في المسائل الهامة التي تتصل بالمصلحة العليا للبلاد دون أن يكون ذلك مخالفًا للدستور وإذا أفضى الاستفتاء إلى المصادقة على المشروع فإن رئيس الجمهورية يصدره في أجل لا يتجاوز خمسة عشر يومًا من تاريخ الإعلان عن نتائجه"

(6) الفصل 2 من دستور 1959: ينص الفصل 2 من دستور جوان 1959 كما نقح بمقتضى تعديل 8 أفريل 1976 على أن "الجمهورية التونسية جزء من المغرب العربي الكبير تعمل لوحدته في نطاق المصلحة المشتركة. إن المعاهدات المبرمة في هذا الغرض والتي قد يترتب عنها تحوير ما لهذا الدستور يعرضها رئيس الجمهورية على الاستفتاء الشعبي بعد أن يوافق عليها مجلس النواب حسب الصيغ والشروط المنصوص عليها بالدستور"

(7) الفصل 82 من دستور 2014: "لرئيس الجمهورية، استثنائيا، خلال أجل الرد، أن يقرر العرض على الاستفتاء مشاريعَ القوانين المتعلقة بالموافقة على المعاهدات، أو بالحريات وحقوق الإنسان، أو بالأحوال الشخصية، والمصادق عليها من قبل مجلس نواب الشعب. ويعتبر العرض على الاستفتاء تخليّا عن حق الرد. وإذا أفضى الاستفتاء إلى قبول المشروع فإن رئيس الجمهورية يختمه ويأذن بنشره في أجل لا يتجاوز عشرة أيام من تاريخ الإعلان عن نتائج الاستفتاء. ويضبط القانون الانتخابي صيغ إجراء الاستفتاء والإعلان عن نتائجه.

(8) الفصل 144  من دستور 2014: كلّ مبادرة لتعديل الدستور تُعرض من قبل رئيس مجلس نواب الشعب على المحكمة الدستورية لإبداء الرأي في كونها لا تتعلق بما لا يجوز تعديله حسبما هو مقرر بهذا الدستور. ينظر مجلس نواب الشعب في مبادرة التعديل للموافقة بالأغلبية المطلقة على مبدأ التعديل. يتمّ تعديل الدستور بموافقة ثلثي أعضاء مجلس نواب الشعب. ويمكن لرئيس الجمهورية بعد موافقة ثُلثيْ أعضاء المجلس أن يعرض التعديل على الاستفتاء، ويتم قبوله في هذه الحالة بأغلبية المقترعين.

(9) الفصل 126 من دستور 2014: تتولى هيئة الانتخابات، وتسمى "الهيئة العليا المستقلة للانتخابات"، إدارة الانتخابات والاستفتاءات وتنظيمها، والإشراف عليها في جميع مراحلها، وتضمن سلامة المسار الانتخابي ونزاهته وشفافيّته، وتصرّح بالنتائج. تتمتع الهيئة بالسلطة الترتيبية في مجال اختصاصها. تتركب الهيئة من تسعة أعضاء مستقلين محايدين من ذوي الكفاءة والنزاهة، يباشرون مهامهم لفترة واحدة، مدّتها ستّ سنوات، ويجدّد ثلث أعضائها كل سنتين.

(10) المنصف المرزوقي يدعو إلى إعادة النظر في النظام السياسي في تونس ـ ألترا تونس ـ فريق التحرير ـ 7 سبتمبر/أيلول 2018 

(11) اللغماني: التحرك في إطار الدستور يقتضي انتخابات تشريعية مبكرة بعد حل البرلمان ـ ألترا تونس ـ فريق التحرير ـ 10 أوت/ أغسطس 2021

(12) حوار/أيمن بوغانمي: النظام الرئاسي كارثي والنظريات المجالسية ضرب من الطوباويات ـ ألترا تونس ـ هيثم المدوري ـ 15 أوت/ أغسطس 2021

 

اقرأ/ي أيضًا:

"تصفية الأجسام الوسيطة".. عنوان المرحلة القادمة في تونس

نص الأزمة في تونس في سياق ما بعد الحداثة: جاك دريدا وجان ليوتار نموذجًا

50 عامًا من الليبرالية المتونسة انتهت إلى تقييد كلّي للاقتصاد التونسي