صندوق الزكاة.. قربان الجدل السياسي وعودة للصراع الهووي

صندوق الزكاة.. قربان الجدل السياسي وعودة للصراع الهووي

اتخذ النقاش حول صندوق الزكاة منعرجات أيديولوجية تتعلق بنظام الحكم (صورة أرشيفية/فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

 

عرفت نقاشات أعضاء مجلس نواب الشعب لمشروع قانون المالية 2020 جدلًا حادًا تعلق بمقترح إنشاء صندوق الزكاة ليختلط النقاش السياسي بالديني، ويتخذ منعرجات أيديولوجية وهووية تتعلق بنظام الحكم وآليات تسييره، ويمتزح بتجاذبات السلطة وإدارة الشأن الاقتصادي والاجتماعي في ظل الأزمة الخانقة للبلاد. وقُبر، في نهاية المطاف، مقترح صندوق الزكاة بعد تحصيله على دعم 74 نائبًا من كتلتي حركة النهضة، صاحبة المقترح، وائتلاف الكرامة بعد معارضة 93 نائبًا وتحفظّ 17 آخرين.

أعاد مقترح صندوق الزكاة النقاش حول تموقع أطروحة الزكاة ضمن نظام الحكم وطبيعة الدولة ونمط المجتمع وآلية التمويل في علاقة بالأصل التشريعي

لكن توسّع الجدل حول هذا المقترح ليتجاوز رحاب المجلس النيابي، الذي بات بؤرة التوترات السياسية، نحو المنابر الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي والفضاء العام إجمالًا، وأعاد تموقع أطروحة الزكاة ضمن نظام الحكم وطبيعة الدولة ونمط المجتمع وآلية التمويل في علاقة بالأصل التشريعي.

كما حمل تنزيل نتائج التصويت لمحة على طبيعة اللحظة السياسية الراهنة من تشكيل حكومي وبالخصوص في علاقة بتأثيرات التصويت على المفاوضات التي يقودها رئيس الحكومة المكلف الحبيب الجملي.

اقرأ/ي أيضًا: هل أوقعت هذه العناصر حركة النهضة في المحظور؟

ماذا ينص مقترح صندوق الزكاة؟

ينص المقترح المقدّم أن "صندوق الزكاة والتبرعات جاء لدعم جهد الدولة في العمل الاجتماعي الموجه للأفراد والعائلات المعوزة والأيتام وفاقدي السند وأصحاب الإعاقات وذلك بتمويل كلّي أو جزئي لمشاريع خاصة بالعاطلين عن العمل الاجتماعي وخاصة بالمناطق الأكثر تهميشًا، وتقديم منح سنوية تخصص للطلبة والتلاميذ العاطلين عن العمل من أبناء العائلات المعوزة".

كما يتكفل الصندوق بخلاص مديونية العاجزين عن خلاص الدين من فلاحين وحرفيين وأشخاص طبيعيين من ذوي الدخل المحدود والأشخاص المعنويين من المؤسسات الصغرى لدى مؤسسات التمويل الصغير والمؤسسات البنكية عمومًا.

وحُددت موارد الصندوق من موارد زكاة الأفراد والمؤسسات والشركات الخاصة والتبرعات والهبات. ويقترح الفصل الإضافي تعيين هيئة وطنية لتسيير الصندوق تضم ممثلين عن رئاسة الحكومة، والوزارة المكلفة بالمالية، والوزارة المكلفة بالشؤون الاجتماعية، ووزارة الشؤون الدينية، والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وجامعة الزيتونة، وديوان الإفتاء، ودائرة المحاسبات، والهيئة الوطنية للخبراء المحاسبين، والجمعية التونسية لعلوم الزكاة. كما تُضبط قواعد تنظيم وتسيير الصندوق وأساليب وآليات تدخلاته وتجديد المنتفعين به وتركيبة الهيئة الوطنية المشرفة على تسييره ضمن مبدأ الشفافية والحوكمة الرشيدة بأمر حكومي.

معز بالحاج رحومة (نائب عن حركة النهضة): سنقدّم المقترح مجددًا بعد تشكيل الحكومة

تواصل "ألترا تونس" مع النائب عن حركة النهضة وعضو اللجنة المالية المؤقتة معز بالحاج رحومة، وهو الذي أسهب في بسط دوافع مقترح حزبه في البرلمان، ليؤكد لنا، في البداية، أنه لا يوجد اختلاف في تشخيص الوضع الاقتصادي السيء وتردي الوضع الاجتماعي للطبقة الضعيفة والفقيرة وهو ما تفاقم خلال السنوات الخمس الأخيرة.

وأضاف أنه لا يوجد اختلاف أيضًا في اعتبار الميزانية التكميلية 2019 ميزانية ترحيلية أي ترحيل جزء من العجز والإنفاق إلى ميزانية 2020، مشيرًا إلى وجود اتفاق أن مشروع قانون المالية 2020 "كان فارغًا من كل المضامين الإصلاحية التي يمكن أن تنسجم مع متطلبات المرحلة الاقتصادية بامتياز".

معز بالحاج رحومة: تبين تقديرات خبراء وجمعيات وإطارات بنكية أن الزكاة المستوجبة على من استوفى النصاب قد توفر 5000 مليون دينار سنويًا

وقال إن المشروع لم يتناول القطاع الفلاحي بالمعنى العميق والدقيق باستثناء إجراء ترفيعي في فصل ما، كما لم توجد في قطاعات سبل التشجيع على الاستثمار، عدا عن غياب إصلاحات تحقق العدالة الجبائية بين المواطنين وتخفيض الضغط الجبائي الذي أصبح معيقًا لاستقرار مناخ الاستثمار رغم المصادقة على عدة قوانين مثل قانون الاستثمار والقانون الأفقي الذي ييسّر الاستثمار ويقلص الآجال.

وأكد محدثنا أنه أمام هذا الوضع، طرح في اللجنة المالية المؤقتة أن النواب بين خيارين: إما المصادقة على قانون المالية ببعض المقترحات والإجراءات السريعة لإضفاء جرعة من الاصلاحات الممكنة رغم ضيق الظرف الزمني لمناقشة الأمور، أو رفض مشروع القانون جملة وتفصيلًا وتكليف الحكومة الحالية أو المكلف بتشكيل الحكومة القادمة بالاتفاق مع بقية الكتل النيابية على إدخال إصلاحات جوهرية بما يمس الموازنات العامة والتقليص من الانفاق على اعتبار أن كل إنفاق إضافي يوازي الذهاب إلى الاقتراض مع العلم أن وضع المديونية ارتفع بشكل كبير.

وقال بالحاج رحومة إن إحدى خيارات حزبه هو البعد الاجتماعي مشيرًا إلى الحديث مع الأحزاب والمنظمات عن الاقتصاد التضامني والاجتماعي، وضرورة وجود انعطافة اجتماعية وفق قوله. وفي هذا الجانب، أكد أن حركة النهضة ووفق مرجعيتها الفكرية اقترحت صندوق الزكاة مشيرًا إلى أن إحصائيات وتقديرات من خبراء وجمعيات وإطارات بنكية أن الزكاة المستوجبة على من استوفى النصاب قد توفر 5000 مليون دينار سنويًا، مشيرًا أيضًا إلى وجود إحصائيات عينية مدققة حول صابة الحبوب والزيتون والتمور والمنتوجات والصناعات تتحدث عن تقديرات بين 2000 مليون دينار و3000 مليون دينار، وفق تأكيده.

معز بالحاج رحومة: أغلبية الكتل أكدت أنها ليست ضد مقترح صندوق الزكاة ولكن ضدّ طرحه بهذه الطريقة ما يستدعي أخذ متسع من الوقت لدراسته 

لكن أقر محدثنا أن مقترح صندوق الزكاة تم تقديمه بصفة مستعجلة مبينًا أن حركة النهضة لم تجد ضمن لجنة التوافقات رفضًا مطلقًا باستثناء كتلة أو اثنتين. وقال إن أغلبية الكتل أكدت أنها ليست ضد المقترح ولكن ضدّ طرحه بهذه الطريقة بضرورة أخذ متسع من الوقت لدراسته وإبداء الرأي في مكوناته وفي الهيئة المشرفة وهيئات الرقابة عليه.

وأفاد أن المقترح وقع طرحه في مناخات تشكيل الحكومة ضمن حسابات سياسية تحوم حول الأطراف الداعمة للحكومة ومعارضيها "ومن هنا جاءت رسائل أحسبها وصلت وهي أنه لن يقع تمرير قوانين إلا بالتوافق" وفق قوله.

وأكد النائب في ختام حديثه لـ"ألترا تونس" أن حزبه سيعيد طرح قانون صندوق الزكاة بعد تشاور وتنسيق أكثر مع الكتل البرلمانية وخاصة بعد تشكيل الائتلاف الحكومي.

اقرأ/ي أيضًا: تعثّر موسم بذر الحبوب.. أسواق سوداء للأسمدة الكيميائية والبذور الممتازة

جوهر المغيربي (نائب عن "قلب تونس"): مزايدة في غير محلّها

من جهته، أفاد النائب عن "قلب تونس" جوهر المغيربي أن عدة فصول في مشروع قانون المالية تم التوافق حولها في لجنة التوافقات مع ترحيل فصول أخرى إلى الجلسة العامة بين مقترح إنشاء صندوق الزكاة قائلًا: "نحن في قلب تونس نريد التأكيد أن المسألة بالنسبة لنا ليست إيديولوجية، إذ ندعم تنظيم الزكاة وهي مسألة لا نشكك فيها لكن لدينا ملاحظة حول الطرح الذي رافق هذا المقترح".

جوهر المغيربي: موضوع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني لا يُعالج بأنصاف الحلول ولا يكون بإحداث صندوق أو إحداث آلية معينة بل يحتاج قانونًا

وقال النائب في حديثه لـ"ألترا تونس": "حينما نسمع أن هذا الطرح سيعاضد مسألة الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وسيمكن المساعدة للفئات الهشّة، ويمد يد المساعدة للشباب وخلق مواطن الشغل، نحن نقول إنها مزايدة في غير محلّها".

واسترسل أن موضوع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني هو من أسس برنامج حزب "قلب تونس" معتبرًا أنه لا يعالج بأنصاف الحلول ولا يكون بإحداث صندوق أو إحداث آلية معينة بل يُعالج في إطار قانون منظم يحدد الآليات الدقيقة في التمويل والتصرف.

وكان قد أفاد رئيس كتلة حزب "قلب تونس" حاتم المليكي في تصريح صحفي أن الصيغة المقدمة من حركة النهضة لا توضح إن كان صندوقًا للزكاة أو للتبرعات معتبرًا أن تركيبة الهيئة المشرفة على الصندوق فيها جانب ديني وجانب مدني وهذا خلط بين الجانبين، وفق قوله.

العربي السوسي (خبير في الاتصال السياسي): ضرورة الابتعاد عن تسليع الأفكار

في حديثه لـ"ألترا تونس"، يقدر الخبير في الاتصال السياسي العربي السوسي أن حركة النهضة تسرعت في تقديم مقترح إنشاء صندوق الزكاة ما أدى إلى عدم التمرير في الجلسة العامة في البرلمان. وأشار إلى أن نقطة إحداث صندوق للزكاة من أبرز النقاط المقترحة في برنامج حركة النهضة في الانتخابات التشريعية، مبينًا أنها اعتمدت هذه النقطة لإبراز الجانب الاجتماعي الذي سيحققه هذا الصندوق من دعم الفقراء والمحتاجين، ومعاضدة جهود الدولة في التنمية الجهوية، وتحقيق عدالة اجتماعية وتمويل مشاريع الشباب.

لكن انتقد محدثنا طريقة المحاججة على جدوى هذا المشروع قائلًا: "حركة النهضة تعتبر أن كل من عارض المقترح هو يعيق مصلحة للمواطنين المحتاجين لا لشيء إلا لأنها صاحبة المقترح، وهي تريد أن تكشف أمام الرأي العام حرصها على الدفاع عن الضعفاء والمحرومين وأن معارضيها يعرقلونها ولا ينظرون لأهمية المشروع".

العربي السوسي (خبير في الاتصال السياسي): النخبة السياسية لن تخرج من نفق صراع المفاهيم والتصنيف الأيديولوجي إلا إذا عالجت بجدية القضايا الخلافية حول تحديد مفهوم الدولة ودورها الاجتماعي والاقتصادي

ويضيف في ذات الإطار: "ويعتبر الآخرون، في المقابل، أن رفض المقترح يأتي من حرصهم على إبقاء الدولة خارج الشأن الديني الخاص وأن الدولة تحقق العدالة من خلال جمع الضرائب وتوزيعها إضافة إلى التشكيك في صدقية جمع هذه الأموال وطرق صرفها" معتبرًا أن هذه المواقف تريد ضمنيًا إثبات أن النهضة لا تملك حلولًا بل تلعب على الجانب العاطفي الديني في استمالة الرأي العام لها وهي أهم نقطة سجلها خصوم النهضة في هذه الهزيمة البرلمانية، وفق تعبيره.

واعتبر الخبير في الاتصال السياسي أن النخبة السياسية "لن تخرج من هذا النفق أي صراع المفاهيم والتصنيف الأيديولوجي والتكتيك إلا إذا عالجت بجدية القضايا الخلافية المهمة حول تحديد مفهوم الدولة ودورها الاجتماعي والاقتصادي من خلال قراءة واحدة للدستور وليس عدة تأويلات، والابتعاد عن تسليع الأفكار ودفعها للتجاذب والبيع والشراء في سوق سياسية غير شفافة لتسقط بسرعة دون طرحها في الفضاء العام".

سقط بالنهاية مقترح إنشاء صندوق الزكاة بعد رفض أغلبية الكتل البرلمانية بما شمل نواب حزب الرحمة الإسلامي باعتبار أن الدولة ليس من مشمولاتها الإشراف على صندوق للزكاة ليصوت بالسلب متماهيًا مع كتل اعتبرت المقترح عودة للدولة الدينية بتمظهرات جديدة، أو أن الفساد في مفاصل الدولة يعيق نجاح هذه الصناديق خاصة باستذكار تجربة الصندوق التضامني "26/26" في ظل نهب المال العام والخاص مع ضعف آليات الرقابة في دولة لا تزال في مرحلة انتقالية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حشّاد نبعُك لم يجفّ.. مدخل إلى المسألة النقابيّة في تونس

أيّ مضمون لـ"صفة الثوريّة" في مرحلة الانتقال الديمقراطي؟