هل أوقعت هذه العناصر حركة النهضة في المحظور؟

هل أوقعت هذه العناصر حركة النهضة في المحظور؟

صدّرت حركة النهضة خطاب الإكراهات لتبرير العديد من سياساتها (الشاذلي بن إبراهيم/Getty)

 

"عند كلّ مفصل سياسيّ أو انتخابيّ هامّ تمارس حركة النهضة ألوانًا من التنازلات وتقع في ضروب من التناقضات"، إلى هذا الاستنتاج ينتهي مراقبون، يقولون أيضًا إن الحركة كانت في كلّ مرّة تستأنس بمعادلة فقهيّة مفادها أنّ"الضرورات تبيح المحظورات"، ومن معانيها أنّ المؤمن بإمكانه ارتكاب بعض المعاصي إذا كان مجبرًا مكرهًا، " فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ" (سورة البقرة، الآية 173).

المحظورات التي تبيح الضرورات ليست موضوع اتّفاق بين الفقهاء، فهي مضبوطة محدّدة عند هؤلاء واسعة مفتوحة عند أولئك

لا يميل النهضويّون إلى استعمال هذه الفتاوي والآيات والحجج في خطابهم السياسيّ استعمالًا صريحًا معلنًا، إنّما يُترجمونها بعبارات تليق بالمقام المدنيّ والثقافيّ، فقادة الحركة يعمدون إلى مصطلحات من قبيل الوطنيّة والمصلحة أو عبارات مثل الثوابت والمتغّيرات أو مقولات وحِكم كقولهم مثلا "إنّ السياسة فنّ الممكن"، ولا بدّ من التراجع خطوة للقفز خطوات"، ويمكن أن يندفع بعضهم إلى الإقرار بأنّ "السياسة لا تعترف بالأخلاق" أمّا الأنصار، فمنهم المتمسّك بحلم " التمكين"، وهو ما يقتضي الصبر والترقّب والمهادنة، ومنهم المتباهون بمنهج التكتيك والمساومة.

المحظورات التي تبيح الضرورات ليست موضوع اتّفاق بين الفقهاء، فهي مضبوطة محدّدة عند هؤلاء واسعة مفتوحة عند أولئك، في هذه الحالة يصبح هذا الضرب من الإباحة مطيّة لارتكاب جلّ الجرائم الأخلاقيّة والاجتماعيّة والسياسيّة من كذب ومغالطة ونفاق، وقد يصل الأمر إلى أن يتحوّل المرء إلى شيطان أخرس ساكت عن الحقّ أو شيطان يصدع برأيه في نصرة الظالمين والمعتدين ويتعلّل في كلّ ذلك بالضرورات.

اقرأ/ي أيضًا: الحبيب الجملي مكلفًا بتشكيل الحكومة.. الرهانات والصعوبات

من النهضة إلى السقوط

تملك النهضة رصيدًا نضاليًا لا ينكره غير متعسّف ولا يجحده غير مداهن مزوّر، وقد ساهمت هذه المنزلة الاعتباريّة في تصدّر الحركة المشهد السياسيّ بعد الثورة وفوزها بجلّ الاستحقاقات الانتخابيّة من المجلس التأسيسيّ سنة 2011 إلى المجالس البلديّة سنة 2018 إلى البرلمان سنة 2019.

تملك النهضة رصيدًا نضاليًا لا ينكره غير متعسّف ولا يجحده غير مداهن مزوّر، وقد ساهمت هذه المنزلة الاعتباريّة في تصدّر الحركة المشهد السياسيّ بعد الثورة

الرصيد النضالي كما قلنا في سياقات سابقة شأنه شأن سائر أنواع الأرصدة الأخرى الرمزيّة والماديّة يمكن أن تبقى على حالها، ويمكن أن تنمو، كما يمكن أن تتآكل وتنضب، وهو ما حصل فعلًا مع حركة النهضة فقد خسرت قسمًا هامًا من المتعاطفين معها وأتباعها وأنصارها لمّا سقطت سياسيًا في المحظورات، وثمّة من يرى أنّها قد سقطت فكرًا ومنهجًا وخُلقًا.

يعرض أصحاب هذا الموقف أدلّة عديدة تؤكّد هذا السقوط المدوّي، وهي مختلفة حسب درجات القرب والعداء من هذه الحركة، فأنصارها المتشدّدون يعيبون عليها تفريطها في مهجتها الدينيّة، والمتعاطفون معها من الثوريين لم يستسيغوا توافقها مع رموز النظام القديم، وبقيّة الساخطين من المتحزّبين والمستقلّين يحمّلونها مسؤوليّة المشاركة في تمرير عدد من المشاريع المشبوهة أخطرها قانون المصالحة، وهو ما أتاح لناهبي المال العام الإفلات من العقاب.

خطر الإفلاس

تواصلت سقطات النهضة في عيون أنصارها والمتمّسكين بحماية الثورة، فقد استنسخت الحركة تجربتها مع النداء، فكشفت عن تقارب نسبيّ تجريبي مع "قلب تونس" في أوّل امتحان برلمانيّ، إذ تبادلت الحركة الخدمات الانتخابيّة مع حزب نبيل القروي، فساعدها على نيل الرئاسة، وآزرته في الحصول على منصب النائب الأوّل.

شعر النهضويون بخطورة هذه الخطوة، فعدلوا عن التوصيفات التقليديّة، ومالوا إلى لعبة التلبيس في المفاهيم، فقيل إنّ ما حصل لا يرقى إلى مرتبة الائتلاف أو التوافق أو المشاركة إنّما هو مجرّد لقاء عابر، أو توافق ظرفيّ آنيّ.

النهضة تعرف أنّ تحالفها مع قلب تونس في تكوين حكومة الحبيب الجملي لا يجعلها تسقط سياسيًا وأخلاقيًا فحسب وإنّما سيساهم في خسرانها آخر المعاقل التي  تتحصّن بها، ومنها التفريط في الصلة الوثيقة التي تربطها بائتلاف الكرامة الذي بدا ثابتَ متمسّكَا بعهوده واثق القول والاختيار غير قابل للمساومة في مواقفه بصرف النظر عن مدى رجاحته.

استنسخت الحركة تجربتها مع النداء، فكشفت عن تقارب نسبيّ تجريبي مع "قلب تونس" في أوّل امتحان برلمانيّ، إذ تبادلت الحركة الخدمات الانتخابيّة مع حزب نبيل القروي

وكتب القيادي في هذا الطرف السياسي الجديد عبد اللطيف العلوي على حسابه على فيسبوك "بعض النّهضويّين بدؤوا من الآن في استباق سيناريو تحالف النّهضة مع قلب تونس بحزمة من التّبريرات الواهية، أهمّها أنّها مجبرة على ذلك في ظلّ غياب الحلول مع التّيّار وحركة الشّعب، ليكن واضحًا أنّ أهمّ استحقاق لانتخابات 2019 هو محاربة الفساد، وأيّ تحالف مع حزب مشبوه بالفساد وبالعلاقات المافيوزيّة هو اعتراف كامل بالفساد كشريك سياسيّ، وانخراط فيه وتأبيد له. .إذا لم تحسن النّهضة قراءة المزاج العام في البلاد، فستدفع الثّمن الّذي لن تقدر أبدا عليه مثل المرّات السّابقة"، وينهي العلوي رسالته منبّهًا "هذا تحذير، قبل المحظور".

اقرأ/ي أيضًا: صيغة الحكم في تونس: تقاطعات السياسيّ والحزبيّ والشخصيّ

تراجع عدد مقاعد النهضة في البرلمان وتقلّصت نسبة المصوّتين لها، ففقدت حوالي ثلثي نصيبها الذي باحت به انتخابات 2011 وكانت قد حصدته بعد مكابدة طويلة مريرة أيّام الجمر، غير أنّ سيرها نحو الإفلاس الاعتباريّ والقيميّ والسياسيّ تشي به جلّ الانطباعات حتّى من داخل الحركة، وقد تجسّد ذلك من خلال آخر باروميتر سياسي قامت  به شركة "سيغما كونساي"، في منتصف شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2019، إذ تدحرج منسوب الثقة في النهضة حزبًا وقيادة، في المقابل دعّم قيس سعيّد دوره في بثّ الشعور بالأمان لدى التونسيين، فتصدّر قائمة الشخصيات الموثوق بها بنسبة 78.3 بالمائة. من جهة أخرى، مثّل راشد الغنوشي رئيس البرلمان الجديد مصدر ريبة لدى أكثر من 67 بالمائة من المواطنين وفق نفس المرجع، وقس على ذلك حزبه الذي شكّك حوالي خمسون في المائة في جدارته بالثقة، بهذا أضاعت النهضة خلال تسع سنوات في الحكم ما ادخرته طيلة عقود قبل الثورة.

"إيّاك أن تغرق"

"ألقاه في اليمّ مكتوفًا وقال له إيّاك أن تغرق" هذا المثل يرفعه المُصرّون على نصرة النهضة وتبرئتها من لوثات الحكم وآثامه، فقد واجهت الحركة منذ الثورة سبعة ألوان من القيود والتعطيلات، فحالها كحال هذا الرجل المكتوف الذي يطلب منه الخلاص والنجاة.

أوّل تلك القيود قيدُ الاتهام بالتشدّد والظلاميّة والرجعيّة ممّا جعل الحركة تبذل مجهودًا إضافيًا استثنائيًا لإظهار تمدّنها وتحرّرها، بل وصل الأمر إلى درجة تخلّى فيها بعض القادة عن البسملة والحمدلة في مفتتح مداخلاتهم، وهو سلوك أشبه ما يكون بجنوح عدد من المتديّنين إلى التظاهر بالمعاصي في عهد بن علي رفعًا لشبهة الانتماء إلى الإسلاميين.

وصل الأمر إلى درجة تخلّى فيها بعض القادة عن البسملة والحمدلة في مفتتح مداخلاتهم، وهو سلوك أشبه ما يكون بجنوح عدد من المتديّنين إلى التظاهر بالمعاصي في عهد بن علي رفعًا لشبهة الانتماء إلى الإسلاميين

القيد الثاني هو بلا شكّ الإرهاب الذي جعل الحكومات التي ساهمت النهضة في تشكيلها تُعيد ترتيب أولويـاتها، فتراجعت الاستجابة إلى مطالب التشغيل والعدالة الاجتماعيّة، وانتهى الأمر إلى تعطّل أهمّ مقاصد الثورة، وأخذت مقاومة الإرهابيين من المجموعة الوطنيّة الجهد الأوفر مادّيًا وذهنيًا وإعلاميًا.

الحرج الثالث تجلّى عند الفوز في الانتخابات فقد أقرّ العديد من السياسيين ومنهم محمد نجيب الشابّي في حوار مع "ألترا تونس" أنّ النهضة هي الأكثر استجابة إلى ضغوطات الدولة العميقة والتوجيهات الخارجيّة، وذلك خوفًا من مواجهة المصير الذي لحق الإسلاميين في مصر والجزائر.

المانع الرابع الذي جعل النهضويين يضعون أيديهم في آذانهم خجلًا من "الأصوات الثوريّة" هو المطلبيّة المشطّة، تلك التي جعلت الحكومات المتعاقبة عاجزة عن وضع خطط استراتيجيّة لمعالجة مشاغل مزمنة، فقد انشغل الوزراء على امتداد سنوات بالهموم اليوميّة، فهُنا إضرابات واحتجاجا لا تكفّ، وهنالك اعتصامات ومصادمات لا تكاد تنتهي.

العائق الخامس تمثّل في التهديد الصريح من قبل أطراف توصف بكونها استئصاليّة، وهو ما جعل النهضة أحرص ما تكون على البقاء في الحكم وإن كلّفها ذلك الخروج من جلدتها والتفريط في مبادئها وتنكرّها لمبادئ الثورة خطابيًا وتشريعيًا. والعائق السادس تجلّى بعد انتخابات 2019، فحينما رامت النهضة العودة إلى صفّ الأحزاب المعطّرة بروح الثورة، وجدت صدًا من حركة الشعب والتيار الديمقراطيّ ممّا جعلها تستنجد بـ"قلب تونس" في المعركة البرلمانيّة الأولى.

تخضع أراء المستقلين المعتدلين إلى المراجعة والتعديل، فإذا أحسنت الحركة وصلحت واستقامت أثنوا عليها، وإن زاغت واستبدّت وفسدت ذمّوها وهتكوا سرّها

العائق السابع قد يبدو غريبًا، فحرص راشد الغنوشي على ترأس البرلمان قلّص من جرأة حزبه على طلب رئاسة الحكومة، فمن المجازفة الجمع بين رئاستي السلطة التشريعيّة وأحد رأسي السلطة التنفيذيّة فشكّلت طموحات الغنوشي الشخصيّة عبئًا جديدًا على الحركة جعلها تفرّط في حقّها الدستوريّ الذي يمكّنها من ترشيح أحد أبنائها لقيادة الحكومة.

هذه الضرورات التي أوقعت النهضة في المحظورات يمكن إخضاعها إلى ثلاث ثنائيّات، داخليّة وخارجيّة من جهة وأمنيّة واجتماعيّة من جهة أخرى وموضوعيّة وذاتيّة من جهة ثالثة.

المتيّمون بالنهضة والمولعون بها حدّ التعصّب سيظلّون على عهدها حتّى إن كذبت وأخلفت وخالطت الفاسدين، فالضرورات تبيح المحظورات، أمّا الخصوم والأعداء فلن يقبلوا منها أيّ عذر مهما بدا وجيهًا، وأمّا المستقلّون المعتدلون فآراؤهم تخضع إلى المراجعة والتعديل، فإذا أحسنت الحركة وصلحت واستقامت أثنوا عليها، وإن زاغت واستبدّت وفسدت ذمّوها وهتكوا سرّها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الفاسدون والمسالك الخمسة للإفلات من العقاب

في عوائق استكمال البناء الديمقراطي في تونس