خيانة الإمارات واختبار سعيّد.. في ضرورة الإدانة

خيانة الإمارات واختبار سعيّد.. في ضرورة الإدانة

خيار الصمت هو خذلان في وقت الحاجة إلى موقف عربي رسمي رافض للتطبيع (انديا/جيتي)

مقال رأي

 

"التطبيع، خيانة عظمى.. ونحن في حالة حرب مع كيان غاصب"، هذه العبارة، التي قالها رئيس الجمهورية قيس سعيّد خلال المناظرة الرئاسية، هي أحد العناوين الأساسية للتعاقد بين سعيّد وناخبيه بعد أن قدّم خطابًا واضحًا وصريحًا دعمًا للقضية الفلسطينية وإدانة للعدو الصهيوني المحتلّ بلهجة حادة بعيدًا عن اللغة الديبلوماسية الباردة، وخاصة في سياق انتخابي استعاد قضية فلسطين بالنظر لثبوت تعاون منافسه مع عميل سابق في الموساد تلقى، للمفارقة، تحويلات مالية من الإمارات. وإن التعاقد المذكور، عمومًا، يفضي إلى التزام ليس فقط بتحويل هذه المقولة إلى عصب الديبلوماسية التونسية في مقاربتها للقضية الأم، ولكن أيضًا، بتجديد هذا الالتزام وتأكيده، وخاصة في السياق الحالي غير المسبوق لتصفية القضية عبر محاولات التفريط في الحقوق التاريخية والقانونية لشعبنا العربي في فلسطين.

إن اتخاذ موقف إدانة من تطبيع العلاقات بين الإمارات ودولة الكيان هو أحد مفاعيل التزام سعيّد بالقضية الفلسطينية وتصريحه الشهير أن "التطبيع خيانة عظمى"

اقرأ/ي أيضًا: في لزوم تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني

وبذلك، إن اتخاذ موقف من تطبيع العلاقات بين الإمارات ودولة الكيان هو أحد مفاعيل الالتزام المذكور، بعيدًا عن خيار الصمت الذي لا يعني راهنًا إلا إرتدادًا عن الالتزام المُعلن وخذلانًا في زمن باتت فيه الحاجة إلى إسماع موقف عربي رسمي رافض للتطبيع ضرورة قصوى. إذ تؤكد اعتبارات عدة لزوم تفاعل الديبلوماسية التونسية رفضًا وإدانة للخطوة الإماراتية والتي وإن كانت غير مفاجئة، فهي تظلّ حدثًا "تاريخيًا"، في نهاية المطاف، بانضمام دولة عربية إلى نادي التطبيع مع دولة الكيان.

ويمكن حصر 3 اعتبارات، على الأقل، كفيلة بدفع رئيس الجمهورية قيس سعيّد للتعبير عن موقف تونسي رسمي من هذه "الخيانة العظمى":

- أولًا، إن رفض التطبيع مع الكيان الصهيوني هو من ثوابت الديبلوماسية التونسية على مرّ التاريخ، بغض النظر عن الأشكال التطبيعية التي باشرها، علنًا وسرًا، نظام الاستبداد فيما مضى. وإن هذا الثابت، الذي أكد سعيّد تشبثه به بلهجة تصعيدية افتقدها التونسيون في خطابات مسؤوليهم، يفترض تنزيلًا دائمًا، سواء في المناسبات القارة، القمم العربية واللقاءات الدورية مع المسؤولين الفلسطينيين إلخ، وكذا في المناسبات الطارئة على غرار الخطوة الإماراتية المُخزية. يحذر، في الأثناء، أولئك المتحفظون على الدوام من تأثير هكذا موقف على العلاقات التونسية الإماراتية، وهي علاقات باردة، بلغت درجة القطيعة زمن الرئيس السابق منصف المرزوقي، وذلك منذ اندلاع الثورة بعد خيار الإمارات في نهجها التخريبي للديمقراطيات العربية وتآمرها عليها. ولازالت تونس للآن تنتظر هدنة إماراتية عنوانها الجدّي، إن تمت، استئناف استثمارات معلّقة منذ 10 سنوات، في وعود فضفاضة دون تنفيذ على أرض الواقع، وهو خيار من ولي عهد إمارات التخريب محمد بن زايد بغاية استثمار الوضع الاقتصادي والاجتماعي الصعب في تونس في هدف تهديم المسار الديمقراطي.

ولذلك، إن كانت، تلك الموازنة الكلاسيكية بين المبادئ والمصالح في هذا الموضع، فلا مصالح جديّة يُخشى عليها، وأما الرهان على تغيير الموقف الإماراتي خاسر، وقد حصلت اتصالات بين سعيّد وابن زايد واُستقبل وزير الخارجية الإماراتي بداية العام في قرطاج، ولكن لا مؤشرات على مراجعة إماراتية، بل بالعكس تزايدت الشواهد على استثمارها في التخريب داخل تونس مع عبير موسي. وهل نتذكر حينما تحدث سعيّد نفسه عن قوى خارجية تتآمر على تونس بالتعاون مع أطراف داخلية؟ وهل تُغفل دعوة مستشار رئيس الحكومة السابق جوهر بن مبارك، مباشرة إثر استقالته في جويلية/يوليو 2020، لرئيس الجمهورية بـ"موقف سياسي ودبلوماسي صارم وحاسم تجاه القوى الإقليمية التي تخرّب الوضع الداخلي الوطني وعلى رأسها السعودية والإمارات"؟ 

أعتقد أن الفلسطينيين يقدّرون بأن رفض الدولة العربية الوحيدة في مجلس للأمن لخطوة التطبيع هو خير إسناد لهم في هذه المرحلة التي يعلو فيها صوت الخونة والعملاء من المتصهينين العرب

تجاوزًا لذلك، إن الموقف المُطالب به سعيّد لا يُنكر أنه يهم العلاقات التونسية الإماراتية، ولكن يهمّ، بدرجة أولى، العلاقات التونسية الفلسطينية أو التزام تونس، وبالخصوص سعيّد، بالقضية الفلسطينية وبنهج رفض التطبيع. ولذلك، إن عدم التعبير عن موقف رافض للتطبيع، بغض النظر عن شكله وسياقه وفي ذلك تفصيل، يعدّ إحجامًا من رئيس الدولة عن تنفيذ التزامه، ويعدّ تطبيعًا مع موجة التطبيع السارية كورم سرطاني في الوطن العربي. 

- ثانيًا، إن خطوة التطبيع هي خرق للقرارات العربية الصادرة عن الجامعة العربية، وبالخصوص لمبادرة بيروت للسلام، التي تعدّ حجر زاوية في البيانات العربية منذ عام 2002 إلى غاية اليوم كأساس لمقاربة "الدول العربية"، تحت سقف الجامعة، للقضية الفلسطينية ومنها تفصيلًا العلاقة مع دولة الكيان. إذ أن إنشاء "علاقات طبيعية مع "إسرائيل" معلق على قيام المحتل بتنفيذ 3 مطالب أساسية الانسحاب إلى حدود 67، وإنشاء دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشريف وتسوية ملف اللاجئين بشكل عادل. وعليه إن الإمارات بخطوة التطبيع خرقت "الإجماع العربي"، المُعلن قولًا على الأقل، وعلى تونس، بالتتابع وبوصفها بالخصوص رئيسة القمة العربية العادية الأخيرة، عدم معاينة هذا الخرق الجسيم والمخزي لقواعد البيت العربي، دون أي تنديد وإدانة واضحتين، والتأكيد بأن الخطوة الإماراتية هي تجاوز للجامعة العربية ومقرراتها.

- ثالثًا، تمثل تونس منذ بداية العام الجاري وإلى نهاية العام المقبل "المجموعة العربية" في مجلس الأمن، وهذا الموقع جعل الديبلوماسية التونسية تحت دائرة الضوء، في فرصة لتعبير البلاد عن مواقفها من أهم هياكل المنتظم الأممي. بهذا المعنى، إن عزل الخطوة الإماراتية عن "المجموعة العربية" في نيويورك هو ضرورة أمام العالم والخصوص لإسناد الموقف الرسمي الفلسطيني والتأكيد على الحاضنة العربية للقضية الفلسطينية، وهو عزل مطلوب خاصة وأن الخطوة الإماراتية من المنتظر أن تكون بداية لمسلسل من التطبيع سيشمل على الأرجح البحرين وعمان والسعودية، بما يجعل من الحاجة إلى الموقف العلني ضرورة حيوية في اصطفاف حول مسألة التطبيع يطرح نفسه على تونس، ولا يمكن مواجهته إلا بموقف علني صريح يعارض الخطوات التطبيعية الجارية. وعدا ذلك، أعتقد أن الفلسطينيين يقدّرون بأن رفض الدولة العربية الوحيدة في مجلس للأمن، والديمقراطية الوحيدة الناجزة بعد الثورة العربية، للتطبيع، بل والعمل على التشنيع به صراحة في جلسات الأمن المخصصة للقضية الفلسطينية والتأكيد على الموقف العربي بعدم التطبيع إلا بشروط تسوية عادلة قوامها الاتفاقيات الدولية، هو خير إسناد لهم في هذه المرحلة، أمام العالم، التي يعلو فيها صوت الخونة والعملاء من المتصهينين العرب. فألا يرى قيس سعيّد ذلك دافعًا آخر يشجعه على إصدار موقف يدين خطوة الخيانة الإماراتية؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

ماذا نطلب من قيس سعيد في قضية الشهيد محمد الزواري؟

التطبيع بين الإمارات و"إسرائيل".. أحزاب تونسية تدين وتندد بالخيانة