خريطة طريق سعيّد: هل يمكن أن تسقط؟

خريطة طريق سعيّد: هل يمكن أن تسقط؟

ما يمكن أن يُسقط خريطة سعيّد هو عدم قدرته على تأمين الوضع الاجتماعي وإصراره على تمرير نظامه القاعدي في مواجهة رفض داخلي وخارجي شديد (Getty)

مقال رأي

 

مسألة الأفق السياسي لقيس سعيّد مرتبطة بشكل وثيق بمسألة تحقق أو فشل خريطة الطريق التي طرحها. لكن إلى حد الآن ليس لدينا موقف واضح من جوهر خريطة الطريق، خاصة من الأطراف القادرة على تغيير الموازين. مختلف الأطراف المعلنة والكامنة لا تزال في موقع غير واضح، من عدم التصريح الواضح إلى التصريح الأقصى الذي يشكك في شرعية قيس سعيّد ذاتها لكنه رغم ذلك لا يقرّ بشكل واضح وعلني بالمشاركة في خريطة الطريق أو مقاطعتها. 

ما هي الأطراف الوازنة؟ طبعًا هنا "الوازنة" من حيث القدرة الفعلية على التأثير في موازين القوى. 

لنبدأ داخليًا. النخبة السياسية المعارضة في شقوقها المختلفة وفي عناوينها المعلومة والدقيقة لم تبد حتى الآن موقفًا علنيًا واضحًا: هل ستقاطع خريطة طريق قيس سعيّد أم لا؟ هل ستقاطع استفتاء 25 جويلية؟ ثم هل ستقاطع انتخابات 17 ديسمبر؟ مما يعكس وعيها بأنه من الصعب أن تكون صاحبة مبادرة في السياق الحالي. 

قانون المالية 2022 يعكس المأزق الاقتصادي ومن ثمة الاجتماعي الذي يواجه قيس سعيّد، إذ أقرّ أخيرًا بـ"الإكراهات" وأقرّ أيضًا بالمرور بالمؤسسات المالية الدولية رغم أنه انتقدها سابقًا

اهتراء النخبة السياسة وتحولها إلى "البطالة الفنية" (لظروف تستحق مقالًا منفردًا) ترك إمكانية المعارضة أساسًا في الجبهة الاجتماعية خاصة إزاء تصاعد الصعوبات المالية والاقتصادية. ليس المشكل في "انقسام المعارضة" بل أساسًا في أن النخبة السياسية الحزبية قبل 25 جويلية/يوليو 2021 تلقت ضربة كبيرة في الصورة العامة، إضافة إلى إصرار حركة النهضة على تصدر جزء من المعارضة وخاصة في صيغة قيادية قديمة ودون أي رغبة في تحمل المسؤولية أو النقد الذاتي. 

قانون المالية 2022 يعكس المأزق الاقتصادي ومن ثمة الاجتماعي الذي يواجه قيس سعيّد، إذ أقرّ أخيرًا بـ"الإكراهات" وأقرّ أيضًا بالمرور بالمؤسسات المالية الدولية رغم أنه انتقدها سابقًا عبر انتقاد مؤسسات التصنيف السيادي بوصفها "أمك صنافة" والقول إنها لا تملك حق التدخل في شأننا. 

اقرأ/ي أيضًا: قانون مالية 2022: الميزانية بعقلية "العطريّة" والمستهلك دومًا ضحية

طبعًا هناك تركة "تأجيل الإصلاح مقابل التموقع السلطوي" وهو ما كان الملخص الغالب على عشرية الديمقراطية الفاسدة أي السبب الرئيسي للوضع الراهن. لكن من الواضح أن قيس سعيّد لا يرى أولوية الإصلاح الاقتصادي الاجتماعي على الإصلاح الدستوري للنظام السياسي (مأزق بداية المسار التأسيسي)، وهو ما سيعقد المسار الجديد، وذلك رغم أنه يردد أفكارًا اقتصادية إصلاحية ولو عامة تدور حول مبدأ الدولة الاجتماعية. 

سيكون عامًا صعبًا ومن غير الواضح إن كان الرئيس سيجد مخرجًا خاصة في تمويل الميزانية التي سيصل عجزها إلى حوالي 8 مليارات دينار، أي في حدود 2.8 مليار دولار. هذا دون حساب العجز في ميزانية 2021 التي لم تغلق بعد، وهو تقليد أصبح متواترًا منذ سنوات قليلة، تقليد غير صحي تمامًا بالنسبة للمحاسبات العامة. 

سيكون عامًا صعبًا ومن غير الواضح إن كان الرئيس سيجد مخرجًا خاصة في تمويل الميزانية التي سيصل عجزها إلى حوالي 8 مليارات دينار، دون حساب العجز في ميزانية 2021 التي لم تغلق بعد

هناك سيناريوهان في خصوص الدخول في أزمة اجتماعية خانقة. الأول أزمة عامة تخص المالية العمومية وخاصة عجزًا عن دفع الأجور وهو ما سيحصل إن لم يتم تمويل الميزانية خارجيًا خاصة. 

وهنا الاتحاد العام التونسي للشغل سيكون في موقع قوة، سواءً لأن صندوق النقد يشترط بوضوح إشراك الاتحاد في أي خطة إصلاحية وهو الأمر الذي لن يكون سهلًا سواء بسبب سياسي أي تحديدًا إعراض قيس سعيّد على تقريب المنظمة النقابية لأنها بالنسبة إليها جزءًا من النخبة التي لا يثق فيها أو بسبب صعوبة أن يوافق الاتحاد على إصلاحات مطلوبة من صندوق النقد أهمها تخفيض أو حتى تجميد كتلة الأجور وأيضًا إصلاحات كبيرة في صندوق الدعم وخاصة خوصصة بعض المؤسسات العمومية. 

اقرأ/ي أيضًا: قيس سعيّد وصخرة صندوق النقد الدولي

هنا يجب الإقرار أن الاتحاد حذِر جدًّا من الدخول في مواجهة شاملة مع قيس سعيّد. ولم يبدِ معارضة صريحة لخريطة الطريق. ومن الواضح أنه يمشي على حبل رفيع بين رفض تهميش دوره في التأثير العام والسياسي وبين تجنب عدد من مكوناته لأسباب سياسية وإيديولوجية أي معارضة لقيس سعيّد تستفيد منها منظومة ما قبل 25 جويلية. والأرجح أن الاتحاد سيستعمل الورقة الاجتماعية لإصلاح العلاقة مع قيس سعيّد وفرض دوره في التأثير العام، وليس فتح مواجهة مفتوحة. 

السيناريو الثاني يتمثل في أن تواجه الحكومة سلسلة أزمات جهوية كبيرة ومجتمعة في التوقيت. هنا مثلًا أن يجتمع وضع مماثل في الجهات الأكثر سُخونة اجتماعيًا مثل تطاوين (الكامور) وقفصة (الحوض المنجمي) وسيدي بوزيد والقصرين والأحياء الشعبية في المدن الكبرى، خاصة تونس، بسبب أزمات مركّبة من وضعية النفايات إلى وضعيات أخرى خصوصية في كل جهة. وما يمكن أن يجعل الوضع صعبًا بشكل خاص حدوث مقاربة أمنية جافة تؤدي إلى ضحايا. 

قد تواجه الحكومة سلسلة أزمات جهوية كبيرة متزامنة في الجهات الأكثر سُخونة اجتماعيًا مثل تطاوين (الكامور) وقفصة (الحوض المنجمي) وسيدي بوزيد والقصرين والأحياء الشعبية في المدن الكبرى ما قد يدفع لاعتماد مقاربة أمنية

في هذين السيناريوهين الاجتماعيين أساسًا تكمن أهم المخاطر السياسية الرئيسية بالنسبة لخريطة طريق قيس سعيّد. إذ سيكون من الصعب خوض استحقاقات كبيرة ونوعية غير مسبوقة مثل الاستفتاء على النظام السياسي في إطار من هذا النوع. وحتى لو حصلت فسيكون استفتاء على قيس سعيّد سلبيًا وليس إيجابيًا. 

الطرف الوازن الآخر هو الخارجي. أهم ورقات الطرف الخارجي الغربي (الدول السبعة: المحور الأمريكي-الأوروبي-الياباني) قدرتها على التحكم في ملف التمويل الخارجي. حتى الآن أثبتت بوضوح أنها قادرة على التأثير وربما الأكثر قدرة حتى مقارنة بالسياق المحلي. 

اقرأ/ي أيضًا:  الاقتصاد التونسي: 2021 عام الانتكاسة.. والمجهول يحف بقانون المالية 2022

ليس هناك شك أن إصدار الرئيس خريطة الطريق قبل نهاية 2021 والأرجح في علاقة باحتمال عقوبات الكونغرس المالية قبل إصدار الموازنة المالية (خاصة ضد الجيش) أو انطلاق المفاوضات مع صندوق النقد الدولي. 

يجب الإقرار هنا بأن الدول السبعة، خاصة واشنطن، تتصرف مع خريطة الطريق بأنها إطار مقبول رحبت به بشكل عام لكن من الواضح أنها لن تقبل بمسار، ليس فقط غير تشاركي مع بقية النخبة، بل أيضًا يؤدي إلى مساءلة جوهرية لمبادئ الديمقراطية الليبرالية. الدول السبعة بقيادة واشنطن خاصة تعتبر أن الحرب الباردة الجديدة التي بصدد التشكل في مواجهة الغريمين الصيني والروسي بصدد التحول من مواجهة حول التموقع والقوة فقط إلى مواجهة إيديلوجية مشابهة نسبيًا للمواجهة التي كانت سائدة في الحرب الباردة السابقة. 

ما يمكن أن يُسقط خريطة قيس سعيّد هو عدم قدرته على تأمين الوضع الاجتماعي وأيضًا إصراره على تمرير نظامه القاعدي في مواجهة رفض داخلي (اجتماعي) وخارجي شديد

موسكو وبيكين لم يخفيا أيضًا نيتهما في أكثر من مناسبة لمساءلة الديمقراطية الليبرالية كطريق وحيد وأساسي لتحقيق الرأسمالية والنمو. بهذا المعنى فإن ترنح الديمقراطية لليبرالية في البلد العربي الوحيد الذي توجد فيه بشكل جدي سواء بإبطالها أو بتقديم بديل لها مختلف جذريًا مثلما يبدو بديل قيس سعيّد حول "الديمقراطية القاعدية". ورغم ذلك تبدو منهجية واشنطن مع قيس سعيّد حتى الآن التهديد بالعصا (الضغط المالي) والجزرة (التمويل الخارجي) للتأثير في خياراته. وسيواصلون ذلك في الأشهر القادمة خاصة في خصوص محطة الاستفتاء. 

حتى الآن موازين القوى القائمة بدون سيناريوهات مواجهة اجتماعية حادة وعميقة تعصف بكل شيء تفترض أن خريطة الطريق قائمة وأن الصراع سيكون أساسًا حول تفاصيله أي مسار الوصول إلى الاستفتاء، خاصة موضوع خيارات النظام السياسي وتحديدًا "النظام القاعدي" الذي دافع عنه الرئيس لفترة طويلة والأرجح أن يواصل رغم أنه لا يصرح بذلك. 

ومن الواضح أن العودة القوية للتنسيقيات التي ساهمت في حملته الانتخابية على مستوى التعيينات هي مؤشر على عودته للحاضنة الأولى، مرجعيته الفكرية عوض الدولة حاضنته الراهنة. هنا طبعًا حاضنته الراهنة، خاصة المؤسسات الحاملة للسلاح، هي بكل تأكيد غير معروفة بالمغامرة والأرجح أنها تراقب بحذر شديد ما يحصل. 

خريطة قيس سعيّد ما يمكن أن يسقطها هو عدم قدرته على تأمين الوضع الاجتماعي وأيضًا إصراره على تمرير نظامه القاعدي في مواجهة رفض داخلي (اجتماعي) وخارجي شديد. 

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"

 

اقرأ/ي أيضًا:

خارطة طريق قيس سعيّد: مأزق آخر أم هبوط من الشجرة؟

تقدير موقف/ المركز العربي.. خريطة قيس سعيّد: أتحلّ أزمة تونس أم تعمّقها؟