واشنطن وقيس سعيّد والشطرنج المغاربي

واشنطن وقيس سعيّد والشطرنج المغاربي

"التوتر في الدول الجارة لتونس يجعل من النظرة الأمريكية إلى الوضع التونسي أكثر حيرة واستعدادًا للأسوأ"

 

مقال رأي

 

بعد صمت مطوّل من الجانب الرسمي الأمريكي، إذ تجنبت الإدارة الأمريكية التعليق على الشأن التونسي لأسابيع طويلة، تلقى الرئيس التونسي قيس سعيّد مكالمة هاتفية من وزير الخارجية الأمريكي أنطوني بلينكن يوم السبت الماضي.

كان آخر تصريح للإدارة الأمريكية قبل ذلك في بلاغ مقتضب يوم 24 سبتمبر/ أيلول الماضي يقر بالمرسوم 117 كأمر واقع، يرحب بالحكومة، ولكن أيضًا ينتقد تجاوزات حقوق الإنسان خاصة المحاكمات العسكرية للمدنيين.

مضمون كلام بلينكن في مكالمة السبت الماضي خرج للضوء في نسختين، واحدة تونسية في البلاغ الرئاسي وتضمنت تفاصيل أكثر وخاصة طلبًا أمريكيًا "لمواعيد للإصلاحات" وفي المقابل نسخة أمريكية أكثر تحفظًا تحدثت عن الوضع الاقتصادي وعن ضرورة مسار "إدماجي" لمواجهة التحديات. ما هي التحديات؟ وأي إصلاحات؟ وما هو الرئيسي هل هي مواعيد إصلاحات اقتصادية أم سياسية؟ ما أثر التطورات المحتملة في الجوار المغاربي على النظرة الأمريكية لتونس؟

اقرأ/ي أيضًا: الخارجية الأمريكية تحث على إصلاحات شفافة في تونس بمشاركة كل الأطراف


الملفت أنه مباشرة بعد المكالمة، زار نائب وزير الخزانة الأمريكي تونس وتحادث مع وزيرة المالية، بما يشير إلى أن هناك تركيزًا أمريكيًا على الشأن الاقتصادي. من المهم التذكير هنا أن صندوق النقد أعلن قبل أسبوع عن طلب تونس الرسمي لاستئناف المفاوضات وأنه انطلقت مفاوضات تقنية ومن المفترض أن تبدأ مفاوضات أوسع حول "الإصلاحات". وزير الاقتصاد والتخطيط التونسي سمير سعيّد أعلن بدوره منذ أسبوع أن الحكومة بصدد التحضير لخطة إصلاحية بشكل تشاركي مع "الشركاء الاجتماعيين"، وذلك في انسجام مع المطلب العلني لصندوق النقد عبر المسؤول الإقليمي جهاد أزعور منذ بداية سنة 2021 حول أن الخطة التونسية يجب أن تحظى بدعم خاصة من اتحاد الشغل.

سيكون على قيس سعيّد حسم مسائل استراتيجية. من الواضح أن رفضه للقانون عدد 38 يعكس بداية استيعابه للمأزق المالي للبلد وأنه مضطر لمواجهة غضب حتى بعض مسانديه. لكن لا يبدو أن الرئيس استوعب كل الصورة بعد فالمأزق المالي يتجاوز إمكانية قبول وطأة مالية إضافية للقانون عدد 38، بل يخص الوطأة المالية لأي زيادات إضافية في الأجور، ومن الملفت أن حكومة بودن أقرت اتفاقيات فيفري 2021، استرضاء لاتحاد الشغل.

لا يمكن الذهاب إلى صندوق النقد، بأعباء مالية إضافية بل المطلوب نوع من التقشف المقنع سواء عبر تجميد الزيادات أو تقليص نفقات المؤسسات العمومية الأكثر تدايناً

في المقابل، لا يمكن للحكومة الذهاب إلى واشنطن، إلى صندوق النقد، بأعباء مالية إضافية بل المطلوب نوع من التقشف المقنع سواء عبر تجميد الزيادات أو تقليص نفقات المؤسسات العمومية الأكثر تداينًا (ديوان الحبوب والخطوط التونسية للذكر لا للحصر).

ستكون الأشهر القادمة صعبة في كل الحالات اجتماعيًا فهي ساخنة تقليديًا والإبحار فيها يستوجب ترضيات سياسية واجتماعية لأطراف متناقضة. حيث من شبه المستحيل إرضاؤها جميعًا. ولهذا لا يمكن لقيس سعيّد إلا أن يحسم. إما القبول بصفقة تمويل مع المانحين مقابل إصلاحات داخلية اقتصادية صعبة أو استرضاء الأطراف الداخلية سواء الاتحاد أو أطراف اجتماعية محلية مقابل مواجهة ضد المانحين غير القابلين بتعميق العجز.

اقرأ/ي أيضًا: أيّ "تقشف" يدعو إليه الرئيس سعيّد؟

يتجه الوضع الليبي من إمكانية الحل عبر الانتخابات إلى تحوّل الانتخابات ذاتها إلى قادح لصراع أهلي متجدد بين أطراف لم تتفق على قواعد اللعبة السياسية

الوضع الإقليمي يزيد في الصعوبات، إضافة إلى التوتر غرب تونس، بين الجار الجزائري والشقيق المغربي والذي في أقل الحالات سيستمر في شكل حرب باردة وتوتر حدودي عالي المستوى إن لم ينحرف للأسوأ، يتجه الوضع الليبي من إمكانية الحل عبر الانتخابات إلى تحوّل الانتخابات ذاتها إلى قادح لصراع أهلي متجدد بين أطراف لم تتفق على قواعد اللعبة السياسية ولا تزال تتمنطق أسلحتها في الميدان، بما يجعل إمكانية رفضها النتائج واستئناف النزاع المسلح احتمالًا جديًا.

هذا السيناريو يجعل من النظرة الأمريكية إلى الوضع التونسي أكثر حيرة واستعدادًا للأسوأ. خاصة أن الحلف الذي يواجه النفوذ الأمريكي والذي تقوده روسيا بصدد التموقع بشكل أوضح في شمال إفريقيا وجنوب الصحراء، خاصة بعد الاختراق الذي حققته قوات فاغنر في مالي وترسيخ وجودها في خط سرت - سبها خلف واجهة حفتر في ليبيا.

تحرص واشنطن على الحفاظ على استقرار تونس ضمن "فلسفة أمريكية" تتمثل في مسار سياسي نحو أفق الانتخابات ضمن جدول محدد وبداية إصلاحات اقتصادية "ليبرالية"

يضاف إلى ذلك التوتر الجزائري-الفرنسي مقابل تزايد التقارب الجزائري-الروسي، حيث من الصعب أن تبقى الجزائر مكتوفة الأيدي، القاهرة التي تتعامل معها إدارة بايدن كـ"فتوة" المنطقة العربية ستراقب أيضًا الأوضاع والأرجح أن تسند بحذر وضعية سعيّد.

تبدو هكذا القطعة التونسية في هذا الشطرنج المركب من الزاوية الأمريكية مهمة، وتقتضي موضوعيًا الحرص على الحفاظ على استقرارها ضمن "فلسفة أمريكية" تتمثل في مسار سياسي نحو أفق الانتخابات ضمن جدول محدد وبداية إصلاحات اقتصادية "ليبرالية"، ربما بجرعات مخففة وليس بالضرورة عبر خطة شاملة "تقشفية".

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"



اقرأ/ي أيضًا:

تونس: جدل السيادة وسقف الضغط الغربي في صندوق النقد

واشنطن: الاعتراف بالأمر الواقع ومواصلة الضغط..