حوار|حمزة المؤدب: رهان المرحلة إدارة التناقضات وأشك أن سعيّد قادر على ذلك

حوار|حمزة المؤدب: رهان المرحلة إدارة التناقضات وأشك أن سعيّد قادر على ذلك

الباحث حمزة المؤدب الذي تتركز أبحاثه حول الاقتصاد السياسي للنزاعات وانعدام الأمن على الحدود في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

 

مضى أكثر من أربعين يومًا مذ أعلن رئيس الجمهورية قيس سعيّد عما أسماه "إجراءات استثنائية"، ولم يبارح التونسيون خانة الضباب وحالة الترقب. في ظل غياب خارطة طريق وانعدام الرؤية، يظلّ صرير الأغلال وصوت الأقفال الحصيلة أبرز للعهد السعيد. خارجيًا، اشتدت الحركة فوق السماء التونسية، وفود وبعثات، زيارات وبيانات، حتى صار الضيوف أعلم بحال الدار من أصحابها. في محاولة للتحسس والاستشراف، حاورنا الباحث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، حمزة المؤدب، الذي تتركز أبحاثه حول الإصلاح الاقتصادي، والاقتصاد السياسي للنزاعات، وانعدام الأمن على الحدود في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. 

  • فلنبدأ من آخر التطوّرات، تشنجت العلاقات التونسية الليبية إثر أحداث 25 جويلية رغم المساعي الديبلوماسية الحثيثة لتهدئة الأجواء بين الطرفين. مؤخرًا، أدى رئيس الحكومة الليبية عبد الحميد دبيبة زيارة إلى تونس. كيف تقرؤون هذه الزيارة وضمن أي سياق؟ 

حسب تقديري، فإن غلق الحدود الأخير غريب. بمعنى أنه لم يكن هناك أي أسباب على الأرض تستدعي الغلق، عكس المرات السابقة حين رأينا مناوشات بين الجانبين على المعابر أو تهديدات أمنية مباشرة. 

هذه المرة، كل ما في الأمر أن هناك برقية من وزارة الداخلية إلى الإنتربول حول احتمال وجود إرهابيين من قاعدة الوطية، ثم وقع اتخاذ إجراءات احترازية كغلق الحدود. إلا أن وزير الخارجية عثمان الجرندي سارع إلى التهدئة ونفى وجود خطر تسلّل إرهابيين على الحدود، إثر زيارة الوفد الليبي يوم 26 أوت/أغسطس 2021، مشيرًا إلى أنّ قرار غلق الحدود كان لأسباب صحية. 

ما حدث في تونس أثار توجّسًا عند الجارين الليبي والجزائري لأنه فتح الباب أمام تدخلات إقليمية كبيرة ومباشرة. وبالتالي صارت المعادلة التونسية جزءًا مباشرًا من معادلة إقليمية أكبر

تواصل غلق الحدود مع ليبيا يتجاوز مسألة الوقائع على الأرض، لكن يجب قراءتها في السياق الإقليمي الذي فتح مع 25 جويلية/يوليو 2021. 

كذلك، وللأمانة، تصريح الدبيبة الذي اتهم فيه تونس بتصدير إرهابيين إلى ليبيا لم يكن موفقًا. يعني بعد زيارة الوفد الليبي التي أشرت إليها، كانت الأمور تتجه نحو التهدئة، إلا أن ذلك التصريح ساهم في تأجيج الوضع. ويبدو واضحًا أن الدبيبة آنذاك كان تحت ضغط داخلي، كجلسة مساءلة البرلمان، وخارجي. بالأساس، الحدود التونسية الليبية ليست مسألة داخلية بين البلدين فقط وإنما هي أكبر من ذلك. وبالتالي فزيارة الدبيبة تندرج ضمن هذا الإطار. 

  • هل يمكن القول إن غلق الحدود كان لأسباب سياسية؟ 

ما حدث في تونس أثار توجّسًا عند الجارين الليبي والجزائري لأنّه فتح الباب أمام تدخلات إقليمية كبيرة ومباشرة. رأينا وفودًا وزيارات. وبالتالي صارت المعادلة التونسية جزءًا مباشرًا من معادلة إقليمية أكبر. وهذا ما أثار اللخبطة في الموقف الليبي إذ تمثل ليبيا مسرحًا مفتوحًا للصراعات الإقليمية. أي أن غلق الحدود على الليبيين كوسيلة ضغط ضمن هذا الصراع هي مسألة مطروحة وستظل مطروحة. 

هناك لاعب إقليمي محوري في الغرب الليبي، المحاذي لتونس، هو اللاعب التركي وهذا اللاعب غير مرحب به من قبل عدة قوى إقليمية مختلفة. الوجود التركي عامل محدّد في ضبط وأمن الحدود التونسيّة الليبية. هناك ترتيبات أمنيّة تونسيّة ليبيّة والوجود التركي في الغرب الليبي مؤثٌر بطريقة أو بأخرى في هذه الترتيبات. 

في المقابل الرئاسة تحظى بمساندة أو دعم خليجي مصري، أي المحور المعادي للمحور الذي يدعم الحكومة الانتقالية في طرابلس وهذا ما يغذّي مخاوف الجانب اللّيبي. 

  • ماهي تداعيات هذا التوتر والغلق على الاقتصاد الحدودي والأسواق البين-مناطقية في الجهات المحاذية للحدود من البلدين؟ 

الذي يعرف الجنوب الشرقي والمناطق الحدودية يعرف أن هذه المناطق مرتبطة ارتباطًا عضويًا بتدفقات السلع والمسافرين من الغرب الليبي، في غياب تنمية حقيقية واستثمارات عمومية، خاصة في الشريط الحدودي. فالمعابر هي شريان اقتصادي أساسي للعديد من السكان. وهذا ما يزيد من تفاقم الأزمة في تونس، والموجودة من قبل في الحقيقة، والتي كانت أحد محركات الانفجار الاحتجاجي في بنقردان أو في الكامور، حين أغلق معبر ذهيبة-وازن لمدة سنوات. 

اقرأ/ي أيضًا: الناطق باسم الحكومة الليبية: اتفاق على فتح الحدود بين البلدين الأسبوع القادم

الحدود كانت متنفسًا للسكان من الجانبين. علاوة على أن هناك أزمة اقتصادية سابقة سببها الجائحة. هذا له دور كذلك في تزايد وتيرة الهجرة غير النظامية من الجنوب الشرقي. يعني المشكل مركب وكأننا أمام تأثير الدومينو. 

كذلك، هناك عمال تونسيون في الجانب الليبي. وهي عمالة هشة وموسمية. يعني بقراءة أشمل، إما أن الدولة لا تفهم طبيعة العلاقات التونسية الليبية والمناطق المحاذية للحدود، أو أنها تتعامل مع الموضوع بازدراء ومكابرة. باختصار غلق الحدود هو عامل ضغط من الجانبين وعلى الجانبين. 

  • صدر منذ أيام بيان لمجموعة السبع، والذي أحدث لغطًا كثيرًا حوله. ماهي قراءتكم للبيان؟ 

بيان مجموعة السبع هو معطى مهم وهو الأوّل من نوعه، في علاقة بالشأن السياسي التونسي. وهذه أول مرة يقع تنسيق بين هذه الدول. 

في المستوى الأول، يجب أن نعلم أن المعادلة التونسية ليست فقط تونسية ولكنها جزء من معادلة إقليمية. وأيًّا كانت المآلات فستكون لها انعكاسات على الجيران والمنطقة. 

بيان مجموعة الدول السبع هو رسالة لكل الفرقاء الداخليين في تونس مفادها أنه "ليست بينهم تناقضات فيما يخص الوضع في تونس" وأن "الموقف المبدئي للمجموعة هو الالتزام بالديمقراطية"

في المستوى الثاني، البيان هو رسالة لكل الفرقاء والفاعلين الداخليين في تونس: "من يريد أن يلعب على تناقضات المصالح فليست بيننا تناقضات فيما يخص الوضع في تونس". يعني من الواضح أنه من يرى قوة دولية ما وراء طرف ما وقوة أخرى وراء طرف آخر، هذا البيان جاء للقطع مع هذا الاصطفاف. يعني الموقف الموحد والمطلوب هو الالتزام بالديمقراطية. كيف ذلك؟ هذا شأن داخلي تونسي. كذلك الإشارة إلى برلمان منتخب هو قطع للطريق ربما أمام فكرة لبرلمان مجالسي أو غيره. من البديهي أيضًا الإشارة إلى أن هذا لا يعني بالضرورة برلمان 2019. هذا الموقف المبدئي لهذه المجموعة هو الالتزام بالديمقراطية. بالنسبة للحلول التقنية والمخارج القانونية، فهذا متروك للتونسيين. المعطى الثاني، لهذه المجموعة وزن ثقيل من ناحية الدعم المباشر لميزانية الدولة، الديون، الاستثمارات، التأثير في قرارات المؤسسات المالية العالمية... 

اقرأ/ي أيضًا:  سفراء G7 بتونس: نحث على العودة لنظام دستوري يضطلع فيه برلمان منتخب بدور بارز

  • فقط للتوضيح، لماذا هذا الإصرار على الالتزام بالديمقراطية؟ لأجل عيون التونسيين؟ وهل الديمقراطية غاية في حد ذاتها؟ 

حسب تقديري الخاص، التجربة التونسية، على هناتها، تجربة مهمة، على الأقل تمت المحافظة على حد أدنى من الديمقراطية، بالمقارنة مع تجارب أخرى. 

بالنسبة للأمريكان، دعم الديمقراطية الليبرالية يندرج ضمن الصراع الدولي بينهم وبين الصين والروس اللذان يسوّقان لأمثلة حكم سلطويّة حيث يلعب الرجل القويّ دورًا محوريًّا. فالصراع ليس فقط اقتصاديًا وسياسيًا، لكن جانبًا منه هو صراع قيمي. الديمقراطية الليبرالية على محك. فلو تتراجع الولايات المتحدة عن دعم التجربة التونسية، فهذا سيكون له صدى سيء لكل من يتبنون الفكرة الغربية للديمقراطية. 

في هذا الإطار، لا ننسى التعهد الانتخابي للرئيس بايدن بتنظيم قمة عالمية للديمقراطية. لماذا؟ لأن هناك قناعة لدى الأمريكان أنّ الديمقراطيّة الليبرالية في خطر بسبب صعود الشعبويّة ونماذج الحكم السلطوي في العالم وهو خطر لم تسلم منه أمريكا نفسها خلال صعود حكم دونالد ترامب. 

هناك معطى آخر يبدو لي مهمًا، وهو أن الديمقراطية كانت عامل استقرار في تونس. فالديمقراطية سمحت بإنهاء تجربة الإسلام السياسي في تونس. ولولا الفصل 6 الذي استهزأ به الرئيس لما دخلت النهضة في التفكير فيما يسمى بـ"ما بعد الإسلام السياسي"، ولما صرح الغنوشي قبيل مؤتمر 2016 أن الإسلام السياسي لم يعد له من موجب في تونس.

الديمقراطية كانت عامل استقرار في تونس. فالديمقراطية سمحت بإنهاء تجربة الإسلام السياسي في تونس. ولولا الفصل 6 الذي استهزأ به الرئيس لما دخلت النهضة في التفكير فيما يسمى بـ"ما بعد الإسلام السياسي"

ثم لو تراجعت الولايات المتحدة عن دعم الديمقراطية في تونس، ما الرسالة التي سيتلقاها باقي الأطياف الملتفة حول هذه الفكرة وخصوصًا التيارات المحافظة التي قدّمت تنازلات إيديولوجيّة؟ التراجع عن دعم الديمقراطية في تونس قد يؤدي إلى صعود التيّارات المتشدّدة والفوضوية في ظلّ انحسار الإسلام السياسي وأفول  التيّارات الليبرالية وتفاقم اللامساواة والمعضلات الاقتصاديّة التي ستتجاوز آثارها حدود منطقتنا لتمتدّ لأوروبا من خلال تدفّقات المهاجرين.

اقرأ/ي أيضًا: توجه نحو تعليق الدستور وتغيير النظام السياسي عبر استفتاء.. تخوّف وانتقادات

هناك قناعة لدى الأوساط الليبرالية في واشنطن أنّ الاستقرار في المنطقة هشّ للغاية وأنّ الأنظمة السلطوية قد تكون قادرة على ضبط الأوضاع لكنها غير قادرة على بناء توازنات مستدامة لأن تحمي مصالح ضيّقة وتؤسّس للاستبعاد الاقتصادي والسياسي. 

هذا ما عبّرت عنه كوندوليزا رايس سنة 2005، عندما قالت "على مدى 60 عامًا، سعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى تحقيق الاستقرار على حساب الديمقراطية في هذه المنطقة هنا في الشرق الأوسط ولكننا لم نحقق أيًا منهما".  ماهو الضامن ألّا يحصل انفجار اجتماعي، بعد 5 أو 10 سنوات، في مصر ضد نظام السيسي مثلًا؟ 

  • بالعودة إلى أحداث 25 جويلية، كيف أثّر ما جرى على المفاوضات الدائرة بين تونس والمؤسسات المالية المانحة كصندوق النقد الدولي؟ 

عمليًّا، وقع تعليق كلّي للمفاوضات مع صندوق النقد الدولي. نهاية جويلية/يوليو 2021، صادف سقوط حكومة هشام المشيشي مع انتهاء الجولة الثانية من المفاوضات مع الصندوق. ومحور تركيز هذه الجولة كان حول تحديد الأرقام المرجوة من الإجراءات: Quantification. يعني الأهداف التقنية، بلغة الأرقام، من الإجراءات المفترضة. 

بعد تجربتين فاشلتين في 2013 و2016، المانحون يطلبون التزامًا من السلطة السياسية ومن القوى الاقتصادية والاجتماعية بتنفيذ البرنامج الإصلاحي المقترح.. وعمومًا المفاوضات معلقة إلى أن توجد حكومة شرعية

هناك معضلتان أساسيتان تطرحها هذه الإجراءات: كتلة الأجور والشركات العمومية. هذا ما اصطدمت به حكومة المشيشي. يعني هذان المعضلتان كانتا من المفترض أن تكون محور الجولة الثالثة من المفاوضات، والتي تسبق لقاءات الخريف التي يقوم بها أعضاء الصندوق. إثر الإطاحة بالحكومة وتعليق أعمال البرلمان، تم الاتفاق حول إمهال السلطات في تونس حتى يتم تشكيل حكومة جديدة شرعية ومعترف بها دوليًّا، تكون قادرة على تنفيذ الاتفاق المزمع عقده، إن تم ذلك طبعًا. ما معنى شرعية؟ هذا شأن داخلي لتونس لا يريد المانحون الخوض فيه. 

بعد تجربتين فاشلتين في 2013 و2016، المانحون يطلبون التزامًا من السلطة السياسية ومن القوى الاقتصادية والاجتماعية كاتحاد الأعراف واتحاد الشغل، بتنفيذ البرنامج الإصلاحي المقترح. والالتزام والتوافق كانا هدف لقاءات بيت الحكمة والتي لم تكن موفقة. كان المطلوب أيضًا تمرير الاتفاق مع الصندوق عبر البرلمان. كذلك، ليس المطلوب هو الإمضاء أو فقط نية الإصلاح، لكن التنفيذ لأن تونس تحتاج إلى إصلاحات هيكلية حقيقية وقع تأجيلها لسنوات. بالمحصلة: المفاوضات معلقة إلى أن توجد حكومة شرعية. 

  • من خلال المداخلات الإعلامية فريد بالحاج، نائب مدير البنك الدولي لشؤون منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وعبر تحرّي توصيات صندوق النقد الدولي، يمكن استنتاج أن تونس مقبلة على "زلزال" نيوليبرالي. من ناحية أخرى، يتعارض هذا الطرح مع الرؤية الاجتماعية والحمائية للرئيس، والتي عبّر عنها في أكثر من مناسبة. باعتبار هذا التضاد في الرؤى والإيديولوجيات الاقتصادية، هل من الممكن أن توجد أرضية مشتركة للتفاوض؟ 

أولًا وأخيرًا رهان أي اتّفاق مع صندوق النقد الدولي هو ضمان قدرة المقترض على التسديد. بالنسبة لزيارة فريد بالحاج، فقد طلب خارطة طريق. بطبيعة الحال البنك الدولي له مشاريع في تونس. يعني مواصلة هذه المشاريع هو رهين وجود الحكومة وتوضيح المستقبل السياسي لتونس. 

الوضع الاقتصادي في تونس صعب جراء الأضرار التي سببتها الجائحة، خاصة الشركات الصغرى والمتوسطة. يعني المشكلة مركبة والواقع معقد جدًا. 

نحن مقدمون على إعادة النظر في دور الدولة التي أصبحت غير قادرة على إسداء الخدمات العمومية، ولا التشغيل والاستثمار. وكل هذه التناقضات ستنفجر عاجلًا أم آجلًا. وأشكّ في أن سعيّد قادر على إدارة هذه التناقضات

كما سبق وقلت، المعضلتان الأساسيتان هما كتلة الأجور ووضعية الشركات العمومية. تقريبًا هناك أكثر من 700 ألف موظف، يمثلون تقريبًا 17% من الناتج الداخلي الخام. 95% من ميزانية وزارة التربية هي أجور. مستقبل الشركات العمومية مرتبط بمستقبل قطاعات هامة. وهذا يحيلنا إلى ضرورة وجود تصور سياسي واقتصادي شامل لمستقبل تونس، وهذا مفقود حتى الآن. 

الخاسر الأكبر من الإصلاحات هو اتحاد الشغل بالأساس، هذه الإصلاحات ستكون مكلفة للطبقة الوسطى المرتبطة بالدول. وهذا ما سيفجر العلاقة بين قيس سعيّد واتحاد الشغل، إن عاجلًا أم آجلًا. المطلوب أيضًا إعادة النظر في الإطار التعديلي للكثير من القطاعات وتفكيك اقتصاد الريع. 

اقرأ/ي أيضًا: الترامبية، الماكرونية.. والسعيّدية: الوصفة الدعائية لرؤساء الجيل الرابع

في الحقيقة، ليس مهمًا من يحكم، المهم هو أن من يدير تونس سيكون عليه إدارة عديد من التناقضات والعلاقات المتشابكة. ما يعني تصادمًا مع النخب الاقتصادية. يعني قيس سعيّد سيصطدم بهاذين المنظمتين: اتحاد الشغل ومنظمة الأعراف. المشكل هو أننا مقدمون على إعادة النظر في دور الدولة التي أصبحت غير قادرة على إسداء الخدمات العمومية، ولا التشغيل والاستثمار. وكل هذه التناقضات ستنفجر عاجلًا أم آجلًا. هل سيقدر قيس سعيّد على إدارة هذه التناقضات؟ هل لقيس سعيّد القدرة على إحداث تغييرات عميقة في علاقة الدولة بالمجتمع؟ هل هو قادر على التحرّك ضدّ المصالح التي تؤسّس للتهميش الاقتصادي والاجتماعي؟ حسب تقييمي الخاص وبالنظر إلى أدائه، أشك أنه سينجح في ذلك. 

  • يدور الجدل العام مؤخرًا حول السيادة الوطنية واستقلال القرار الوطني. ما هو هامش حرية التقرير للسيادة الوطنية وما مدى استقلالية القرار الوطني؟ 

نحن نعيش في عالم متداخل ومعلمن. في الواقع، هناك إما نفاق جماعي في تونس، أو عدم فهم ربما للحجم الجيوسياسي لتونس في العالم. نحن، كدولة من دول الجنوب، في تبعية اقتصادية ومالية لمراكز النفوذ العالمي. فمن يريد تبني قرار سيادي خالص، يصطدم بواقع فيه شركاء دوليون ومستثمرون وجيران إقليميون واتفاقيات دولية، وأزمة مالية متفاقمة منذ سنوات تؤبد حالة التبعية.. بالنهاية لسنا في الجزيرة.

كيف نمنع من له مصالح مالية واقتصادية في تونس من الاهتمام بالشأن الداخلي التونسي؟ ومن يتحدث عن القرار الوطني السيادي، عليه أن ينظر إلى حجم الدين الذي بلغ تقريبا 90% من الناتج الداخلي الخام

كيف نمنع من له مصالح مالية واقتصادية في تونس من الاهتمام بالشأن الداخلي التونسي. نحن في عالم مترابط. من يتحدث عن القرار الوطني السيادي، عليه أن ينظر إلى حجم الدين الذي بلغ تقريبا 90% من الناتج الداخلي الخام. فضلًا عن هذا، الجدل العام هذه الأيام مختزل في الطرح السياسي، وغياب تام للإيديولوجيا الاقتصادية. 

  • هناك تسويات جارية الآن، ومنذ أشهر، بين المحورين التقليديين مصر وحلفائها، وتركيا وشركائها، والجزائر التي تتقن استثمار الفراغات. لا شك أن ورقة المستقبل السياسي لتونس مطروحة ضمن أوراق التفاوض. كيف تقرؤون الخارطة الجيوسياسية الإقليمية، وإلى أي مدى ستؤثر هذه التسويات على الواقع الداخلي التونسي؟ 

بعد 10 سنوات من ثورات الربيع العربي، من الواضح أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مقبلة على تغيرات جيوسياسية كبيرة، وهذا ما يفسر التسويات الجارية في المنطقة. 

بعد 10 سنوات من ثورات الربيع العربي، من الواضح أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مقبلة على تغيرات جيوسياسية كبيرة، وهذا ما يفسر التسويات الجارية في المنطقة

كذلك، مسرح الصراع المستقبلي سيكون الأسواق الآسيوية. وبالتالي تسعى الولايات المتحدة إلى ضمان حد أدنى من الاستقرار. كذلك هناك إجماع في المنطقة للحد من التغول الإيراني، وهذا أحد أسباب المصالحة الخليجية والتقارب التركي الإماراتي، التي تعتبر تمهيدًا لتسوية شاملة. 

بالتالي، ما يحدث منذ أشهر هو نوع من تبريد الجبهات. حسب تقديري، هناك محاولة لإيجاد ترتيبات جديدة قي المنطقة. هذا لا يعني انتهاء الصراعات. لكن يعني انتهاء المقاربات الإيديولوجية للعلاقات الدولية. المصلحة الوطنية هي المحدد الأساسي للعلاقات الدولية. يعني الاتفاق بين قوتين وتقاطع المصالح في منطقة ما لا يعني بالضرورة الاتفاق في منطقة أخرى: وهو ما رأيناه بين الأتراك والروس في سوريا وليبيا، ولو أنه عكس ما هو سائد، هناك تنسيق كبير وخفي بينهما في ليبيا. 

يعني هناك ثلاثة خلاصات كبرى يمكن استخلاصها بعد 10 سنوات من الثورات العربية: (1) نهاية الإسلام السياسي كسردية سياسية (2) هناك اعتمار كبير لاحتجاج كبير داخل المجتمعات العربية (3) قدرة الدول العميقة، ما يسمى السيستام، على التأقلم والتعايش. يعني أعتقد أن التسويات ستؤدي إلى تقليص دور الإسلام السياسي في المنطقة عمومًا، وتونس جزء من هذا، ونحن نتجه نحن إعادة مركزة السلطة. 

بعد 25 جويلية، تضاءل الوجود السياسي للأحزاب، في حين صار الرئيس هو واجهة المنظومة، رغم تسويقه للعكس، وصار اللاعب السياسي الوحيد في الساحة. باعتبار هذه المتغيرات، كيف ترون مستقبل الحراك الاجتماعي في المرحلة القادمة؟ 

 الزمن السياسي في تونس متسارع جدًا. شهدنا بناء ديمقراطية سرعان ما تآكلت شرعيتها، دخلت الأحزاب والأجسام الوسيطة في أزمة وتصاعد الخطاب الشعبوي. يعني ما يمكن أن يعرفه مجتمع ما في 50 أو 100 سنة عشناه في تونس في عقد فقط

طبعًا سيستمر الحراك الاجتماعي لأن أسبابه لا تزال موجودة خاصة عدم إمكانية الاستيعاب الاقتصادي للشباب والعاطلين عن العمل. الرهان الأكبر في قادم الأيام كما كان خلال العشر سنوات الفارطة هو إيجاد صيغة لنظام سياسي واقتصادي يستوعب الفئات الاجتماعية التي ما فتئت تجد نفسها مستبعدة من عملية إنتاج وتوزيع الثروة. يعني طيلة العشر سنوات، استنفدنا كل الصراعات الإيديولوجية وصار كل جزء من الماضي. 

في الحقيقة الزمن السياسي في تونس متسارع جدًا وكانت 10 سنوات رهيبة. شهدنا بناء ديمقراطية سرعان ما تآكلت شرعيتها بسبب الفشل الاقتصادي، دخلت الأحزاب والأجسام الوسيطة في أزمة وتصاعد الخطاب الشعبوي.

يعني ما يمكن أن يعرفه مجتمع ما في 50 أو 100 سنة عشناه في تونس في عقد فقط، وهو ما أكسبنا نوعًا من النضج السياسي. يجب أن يكون هناك تفكير معمق وبحث عن البدائل في إطار ديمقراطي. لكن البحث عن بدائل في مناخ استبدادي غير ممكن حيث تنعدم مساحات التفكير والتنظم. أما الباحثون عن حلول للديمقراطية في الديكتاتورية فهذا غير منطقي بالمرة. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

حوار/أيمن بوغانمي: النظام الرئاسي كارثي والنظريات المجالسية ضرب من الطوباويات

هل يكون الاستفتاء على تعديل النظام السياسي وجهة قيس سعيّد القادمة؟

"تصفية الأجسام الوسيطة".. عنوان المرحلة القادمة في تونس