الترامبية، الماكرونية.. والسعيّدية: الوصفة الدعائية لرؤساء الجيل الرابع

الترامبية، الماكرونية.. والسعيّدية: الوصفة الدعائية لرؤساء الجيل الرابع

"بدأت تتكشّف بعض ملامح المكينة الانتخابيّة الّتي اعتمدها سعيّد" (دان كيتوود/ Getty)

 

"إنّ حريّة الصحافة مضمونة فقط لمن يملكون الصحف". هكذا قال الصحفي بنيويورك تايمز أبوت جوزيف ليبلنغ (1904-1963) ذات يوم. ربّما لم يتخيّل ليبلنغ حينها أن يمتلك الجميع يومًا ما أعمدة وصفحات خاصة يؤثّثونها متى يشاؤون بما جال في خاطرهم ونبضت به أفئدتهم. 

على مدى عصور مضت كانت للكتابة، والصّحافة المكتوبة بصفة عامّة، دور أساسيّ في التشكّلات السّياسيّة والتمخّضات الاجتماعيّة في العالم: من الانتخابات البرلمانيّة سنة 1695 بإنجلترا إلى آخر انتخابات محليّة بمقاطعة برني بتاسمانيا سنة 2018، مرورًا بمركزيّات الشّرق الدكتاتوريّة أين مثّلت أدوات إعلاميّة مختلفة أبواقًا للدعاية السّياسيّة: كإذاعة صوت العرب النّاصريّة إلى صحيفة العمل البورقيبيّة. مع دخول السّبعينات تعزّز دور بروباغندا السّلطة باعتماد السّمعي البصري، ومضت سنوات اطمئنّ فيها النّظام واستكان إلى أنّ هزّت أوصاله فيديوهات الهواتف وتدوينات الفضاء الافتراضي ذات شتاء 2011. 

بهذا دخلت الدعاية السّياسيّة عصر "السّوشيال ميديا"، أو عصر "حكم الرّداءة la médiocratie" كما عنون الكندي ألان دونو كتابه الصّادر سنة 2015 عندما كان دونالد ترامب يستعدّ للترشّح للانتخابات الأميركيّة الّتي فاز بها سنة 2016، وانضمّ إليه زميله في فرنسا إيمانويل ماكرون سنة 2017  وصولًا إلى الرّئيس قيس سعيّد الّذي التحق سنة 2019 بنادي خرّيجي "الافتراضي". 

بالتمعّن فيما سبق، تطفو أسئلة كثيرة للتفكّر. إلى أيّ مدى تؤثّر وسائل التّواصل الاجتماعي في المؤشّرات والوقائع السّياسيّة؟ وكيف يتمّ ذلك؟ 

الظاهرة الترامبيّة، الماكرونيّة.. والسعيّديّة

منذ سنوات، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي، أو ميديا الديجيتال، حقل بحث خصب للباحثين في العلوم السّياسيّة ومسبار قيس للمتابعين والمهتمّين. بل أكثر من ذلك، صارت هذه الفضاءات كلؤلؤة المشعوذين يستبصرون عبرها المآلات والتحوّلات في الأفق. حتّى صارت تقريبًا تساهم في كلّ انتخابات ديموقراطيّة، أو كلّ حدث سياسي كالبريكسيت في إنجلترا والمعارك النخبوية الفرنسيّة، وتغذّي هذه المساهمة وتحكمها أهواء من استوعب معادلة الخوارزميّات والبرمجيّات. 

سنة 2016، مثّل فوز دونالد ترامب بالانتخابات الرّئاسيّة الأميركيّة صدمة سياسيّة أذهلت المراقبين والمتابعين حول الكابيتول والبيت الأبيض. بخطاب سياسيّ غير معتاد ولا يخضع لمعايير الصوابيّة السّياسيّة ولا التقاليد الاتصاليّة المعهودة، قلب ترامب المعادلة الانتخابيّة نافخًا روحًا شعبويّة جديدة أسماها الأكاديميّون بالـ "الترامبيّة". لاحقًا وبعد سنتين، كشفت كلّ من النيويورك تايمز، الغارديان والذو أوبسرفر The observer إحدى مكوّنات الوصفة الّتي استعملها ترامب: الغارديان أناليتيكا The guardian analytica.

صارت وسائل التواصل الاجتماعي تساهم تقريبًا في كلّ حدث سياسي.. وتغذّي هذه المساهمة وتحكمها أهواء من استوعب معادلة الخوارزميّات والبرمجيّات

أثار استعمال قادة حملة ترامب لهذه الشّركة فضيحة في الوسط السّياسي الأميركي والعالمي، حيث عمدت إلى استغلال بيانات ومعطيات ملايين الحسابات الفيسبوكيّة ما مكّنها من قاعدة بيانات ثريّة وقع استغلالها، عبر استعمال أدوات تحليل البيانات الضخمة Big data، لرصد الانطباعات والتفاعلات مع مكينة التسويق السّياسي للجمهوريين. وإن لم يثبت دور الفيسبوك في هذه الفضيحة، فإنّ الكونغرس اعتمد عدّة قرارات تجبر إدارات الفضاءات الافتراضيّة الاجتماعيّة بحجب الإعلانات السّياسيّة طيلة فترة المواعيد الانتخابيّة. وهو ما قامت به في الانتخابات الأميركيّة الأخيرة في الخريف الماضي. 

على غرار دونالد ترامب، كان لفوز إيمانويل ماكرون أثر مشابه على السّاحة السّياسيّة الفرنسيّة. من خارج المنظومة الحزبيّة، خطاب ليبرالي متحرّر، غير معروف للعموم: شكّلت هذه العناصر خلطة الاستثناء الماكروني، أو ما اتفقت النخب الفرنسيّة على تسميته بالـ "الماكرونيّة le macronisme". "مرشّح الإعلام وابن النخبويّة الفرنسيّة" هكذا وصفت الصحفيّة ماري بينيلد ماكرون في مقالها مع لوموند ديبلوماتيك، أين تناولت ماري الحضور الإعلامي لأصوات حزب "أون مارش"، الحزب الّذي أسسه ماكرون، بـ 42% في صائفة 2016. عكس ترامب الّذي لم تكن السّاحة الإعلاميّة الأميركيّة في صفّه حيث يسيطر عليها إيديولوجيًا غرماؤه الديموقراطيّون، فقد حظي ماكرون رغم خطابه الليبراليّ وخلفيّته الرأسماليّة بنفاذ واسع إلى البلاتوهات والمنابر الإعلاميّة الفرنسيّة مستغلًا شبكة علاقات واسعة قد سبق وشكّلها من خلال عمله مع المستشار السّابق لميتران: جاك أتالي. ورغم ذلك، ووفق دراسة لمركز كونراد أديناور KAS الألماني، فلقد لعبت وسائل التّواصل الاجتماعي دورًا فارقًا في المشوار السّياسي الملفت لماكرون. 

الفيسبوك يلعب دورًا في التأثير على مؤشّرات بورصة الرّأي، ولعبها دور اليد الخفيّة في سوق المواقف والخطاب السياسي

محليًا، ليس هناك شكّ في دور وسائل التّواصل الاجتماعي، الفيسبوك تحديدًا، في التأثير على مؤشّرات بورصة الرّأي، ولعبها دور اليد الخفيّة في سوق المواقف والخطاب السياسي. بل إنّ هناك إجماعًا على هذا الدور في إسقاط النّظام البنفسجيّ الذي أغفلته راداراته، حيث سبق المدوّنون الماكينات الدعائيّة لتناقل أخبار ثورة 17-14، عكس ما جرى مع انتفاضة الحوض المنجمي 2008 الّتي نجح النّظام في إحاطتها (كان التّونسيّون حينها حديثي عهد بالفيسبوك، واليوتيوب لا يزال خاضعًا لسلطة "عمّار 404"). 

منذ الثورة، واصل هذا الدور تناميًا إلى أنّ صار تقريريًا في مصير الانتخابات وحاسمًا فيها كما جرى آخر انتخابات، خريف 2019، ولا زال. 

اقرأ/ي أيضًا: فيسبوك وانتخابات 2019: هل حان وقت دق ناقوس الخطر؟

الطريق من وإلى قرطاج.. يمرّ عبر فيسبوك

وكما ساهم فيسبوك في طرد بن علي من القصر، فإنّه قاد سعيّد أيضًا إلى القصر ذاته. عشيّة الدور الأوّل للانتخابات الرئاسيّة 15 سبتمبر 2019، وعندما كان كلّ منبر بمرشّحه فرح، كان الرئيس قيس سعيّد وشيعته فرحون أيضًا، لكن على طريقتهم. مثّل فوز سعيّد لغزًا انتخابيًا مازال المتابعون والمحلّلون يفكّون شيفرة توليفة هذا الفوز. وبعد ما يناهز العام، ومع صدور تقرير محكمة المحاسبات حول انتخابات 2019، بدأت على الأقل تتكشّف بعض ملامح المكينة الانتخابيّة الّتي اعتمدها سعيّد. 

وفق ما جاء في التقرير، وعكسيًا، كان سعيّد تقريبًا غير مرئيّ في الإعلام التقليدي أثناء السّباق الانتخابي: إذ تذيّل قائمة الظهور الإعلامي: بساعتين ونصف في الإعلام المرئي (المعدّل لباقي المترشّحين هو 5 ساعات)، وفقط ساعة ونصف في الإعلام الإذاعي (المعدّل 4 ساعات). في المقابل، تصدّر الرّئيس قائمة عدد الصفحات الفيسبوكيّة بـ 30 صفحة موالية له، يشرف عليها 120 "أدمينًا" متوزّعين على أنحاء العالم، وبلغ عدد مشتركيها مجتمعة الثلاثة ملايين (يليه غريمه في الدور الثاني نبيل القروي بنصف مليون مشترك لثلاث صفحات يشرف عليها 38 "أدمينًا"). 

علاوة على ذلك، أغفلت رادارات مراقبي المجتمع المدني المكينة السّعيديّة.  حيث يعتمد المراقبون عمومًا على ما يوفّره فيسبوك من بيانات تخصّ الإشهارات المموّلة "publication sponsorisée". في هذا الإطار، قام مشرفو حملة سعيّد بدعم 193 منشورًا بين 2 و15 سبتمبر 2019. محتلًا المرتبة الرّابعة في قائمة تقرير المنظّمة الدّولية للتقرير عن الديموقراطيّة DRI.   


منحنى يبيّن كثافة منشورات عيّنة من المرشّحين للرئاسة في انتخابات 2019

المصدر: تقرير المنّظمة الدولية للتقرير عن الديمقراطية 2019

بالنّظر إلى عدد الصفحات والمتابعين ونتيجة الانتخابات، يتضح جليًا أنّ مراقبة المنشورات المموّلة فقط ليس دلاليًّا بالمعنى الكافي (للمجموعات المغلقة أيضًا دور محوري في المعادلة). فهل يكفي الاعتماد التلقائي على خوارزميّات فيسبوك؟ للإجابة عن هذا السّؤال، يجب أوّلا فهم طريقة عمل هذه الخوارزميّات في الحالة العاديّة (أي دون دعم/تمويل).

اقرأ/ي أيضًا: عن طوفان الشعبوية في تونس..

السياسة الفيسبوكية.. صفحات ولايفات

سنة 2018، أصدرت نشريّة جامعة أوكسفورد كتابا بعنوان "Network Porpaganda" خصّصها الباحثون للتسويق الشّبكي السّياسي معتمدين على جملة من المقالات والدّراسات ضمّنوها في مراجع الكتاب. لهندسة الفضاء العام، طوّر مهندسو فيسبوك جملة من الكودات والخوارزميّات اعتماد إلى جملة من التقنيات كتجربة المستعمل (User experience UX) والبيانات الضخمة المتكوّنة أساسًا من بيانات الاستخدام، الكوكيز، ومعطيات أخرى متعدّدة ومعقّدة. ولئن اختلفت مسميّات ما يقوم به فيسبوك: بين الإشهار، أو التسويق السّلوكي، والتلاعب عبر الاستهداف الدقيق، فإنّها ترتكز مجتمعة على الأداة التقنية: "خوارزميّة مامون Mammon’s alogrithm" الذي تغذّيه جملة من المعطيات المتأتيّة من: 

  • اللايكات: أيّ تفاعل بصفة عامة هو حجر أساس المنظومة. تمثّل أجود أنواع الانخراط/الاتزام Engagment. إذ عبرها يكوّن الكود ملف الميولات الفكريّة، الذوقيّة، السياسيّة والجنسيّة... ومن خلال التفاعلات التي يقوم بها الكائن الفيسبوكيّ، يسبر فيسبوك هوى روّاده. 

  • وقت القراءة، المشاهدة، التوقّف: يمثّل هذا الوقت مدى اهتمام المتابع بالمنشور ومحتواه. ويكفي الضغط على "افتح المزيد، اقرأ الفيديو، رفع الصوت، فتح على كامل الشّاشة..." لتحدّد الخوارزميّة ما ستقوم بعرضه لاحقًا. كذلك تمثّل تفاعلات الأصدقاء ممّن يتمّ التواصل معهم والتعليق والمشاركة في الفضاء الافتراضي أو الرّسائل الخاصة عنصرًا مهمًّا في عمليّة التفكيك والاستنتاج. 

  • الكوكيز وبيانات الاستخدام: تتوفّر لدى شركة فيسبوك باقة هامّة من المنصّات والمواقع: انستغرام، واتساب، ريديت... إضافة إلى المعطيات الّتي توفّرها شراكات مع غوغل وغيرها... عبر تفتيت وتجميع هذه البيانات، إلى جانب المكالمات والرّسائل، يتحصّل أيضًا على ميولات المتصفّحين خارج مجاله الوظيفيّ. 

"لا مكان للاختباء". هكذا عنون غلين غرينوالد كتابه الّذي ضمّنه حواراته مع إدوارد سنودن حول موضوع المراقبة والتجسّس، وطبيعيًّا التلاعب عبر الإنترنات. "حل لايف تو نشوفوا قدّاش يتفرّجوا فيك". هكذا قالت النّائب عبير موسي، عن الدّستوري الحر، في إحدى مواجهاتها مع النّائب عيّاشي زمّال عن حزب قلب تونس. مؤخّرًا وأكثر من أيّ وقت مضى، انخرط عدّة لاعبون سياسيّون في تونس، على غرار نظرائهم في بقيّة أنحاء العالم، في لعبة التسويق الشّبكيّ السياسيّ الموجّه لسوق الـ 7.4 مليون حساب تونسي

تصعد الأرقام مع الأحداث واللايفات وتنخفض عند غياب المحتوى أو نشر محتوى روتينيّ عاديّ. والمادّة الأسهل والمحتوى الأكثر إثارة: اللايف فيسبوك والفيديوهات

حفاظًا على سرديّة الاستثناء التّونسيّ، تزخر السّاحة التّونسيّة بجوقة معتبرة من "صنّاع المحتوى" السّياسي: حيث يحرصون على إتحاف الجمهور يوميًّا بالجديد والمثير اعتمادًا على تأثير البوز Buzz، مع المحافظة على مدى الظّهور، visibilité، حيث جذبتهم أيضًا أرقام وكودات فيسبوك التّي يزوّد بها مديري الصّفحات. تصعد الأرقام مع الأحداث واللايفات وتنخفض عند غياب المحتوى أو نشر محتوى روتينيّ عاديّ. والمادّة الأسهل والمحتوى الأكثر إثارة: اللايف فيسبوك والفيديوهات. وكل طيف سياسي يرى فيسبوك حسب هواه: البعض اعتمده كفوّهة يقذف عبرها إسهاله اللغويّ. وفيما يعتبر فاعلون آخرون الفضاء الفيسبوكي منصّة مفتوحة للقصف المدفعي الافتراضي، اقتداءً بمن استغلّه ولسنوات كمزرعة للذّباب الافتراضي (سنخصّص لاحقًا لهذه الجيوش الافتراضيّة مقالًا منفردًا).  فيما يلي، نتناول نشاط عيّنة من صفحات سياسيين نشطين فيسبوكيًّا:

جدول: نشاط عيّنة من صفحات سياسيين


المصدر: منصّة Crowdtangle الّتي يوفّرها فيسبوك

 

كما نلاحظ، فصفحة محمّد عبّو هي الاستثناء الّذي يؤكّد القاعدة هنا. إذ رغم أقدميّته في السّاحة السّياسيّة وشرعيّته النّضاليّة، فإنّ نشاطه الافتراضي والتّفاعل المقابل لا يوفي حجم نشاطه الفعلي (Realpolitik) خاصة في الفترة بين سبتمبر 2019 وسبتمبر 2020 (وزير في الحكومة). أيضًا كان لصفحة رئاسة الجمهوريّة نصيب من النشاط السّياسي للفيسبوك التّونسي: 


صورة 2: منحنيات بيانيّة تبيّن حجم التّفاعلات في صفحة رئاسة جمهورية في فترتين محدّدتين.

المصدر: منصّة Crowdtangle 

تقوم الفلسفة الجوهريّة والحيويّة لفيسبوك على "حافظ على انخراطهم keep them engaged". مهما كان المحتوى والميولات، تحرص الخوارزميّات على إظهارها في خيط التّدفّق "الحائط"، وتدّعم بذلك بالأجراس والإشارات "Notifications"  التّي تبدو مثل الدعوات المجّانيّة. 

عبر هذه المعادلة، ينخرط بعض السّياسيين في تلبية تطلّعات الجمهور وإرضاء أهوائهم. وتؤكّد عمليّات سبر الآراء نجاح هذه المعادلة. فأكثر السّياسيين نشاطًا على فيسبوك، أكثرهم تصدّرًا لنتائج سبر الآراء. لتكون المحصّلة، وبعد علاقات تاريخيّة جمعت السّياسيّين بأتباعهم: إيديولوجيّة، عاطفيّة، محسوبيّة وزبائنيّة...، نجد أخيرا علاقة "مؤثّر/متابعين – Influencer/fans". في المقابل، يفسّر هذا أيضا الصّدمة الّتي تتلقّاها بعض الطوائف السّياسيّة عند تهاويها تحت حائط الانتخابات: فالبعض لديه قواعد تجمعها أهواء ومصالح (علاقة زبائنيّة على المنوال الأميركي)، والبعض الآخر لديه "فانات" تجمعها لايكات وتعليقات.

تظهر هذه الصدّمة في النتائج الأخيرة للانتخابات الرّئاسيّة، إذ لم تنفع أموال الدّعاية الباهظة، كما تبيّن تقارير منظّمة أنا يقظ، محكمة المحاسبات وهيئة الانتخابات، في نجاح الحصاد الانتخابي للمترشّحين الأكثر إنفاقًا على الدّعاية الفيسبوكيّة. هنا، يبرز عامل آخر في المعادلة التسويقيّة الافتراضيّة: العامل النفسيّ. إذ نرجّح بتحفّظ وعبر ملاحظة التعليقات لمنشورات مدعومة، توجّس التّونسيين بصفة عامّة لهذا النّوع من المنشورات. 

الصحفي الإنجليزي جون نوتون لـ"الغارديان": دور مواقع التواصل الاجتماعي في صناعة الرأي أقل تأثيرًا وهيمنة ممّا نظن

من جهة أخرى، يرى الصحفي الإنجليزي جون نوتون في نص له مع الغارديان أنّ "دور مواقع التّواصل الاجتماعي في صناعة الرّأي أقل تأثيرًا وهيمنة ممّا نظنّ". مستندًا إلى أرقام دراسة لمعهد رويترز للدراسات الصّحفيّة بأوكسفورد، يشير نوتون إلى دور المنصّات الإعلاميّة التقليديّة، مثل البي بي سي والغارديان، في صناعة وتقديم الأخبار. ربّما يحيلنا هذا إلى وعي المجتمعات، والمثال الإنجليزي النّادر للتطوّر السّياسي المتمثّل في العلاقة المتوازنة بين الغرف البرلمانيّة القويّة مقابل الملكيّة الرّاسخة رغم غياب دستور مكتوب. ربّما يحيلنا هذا أيضًا إلى سؤال البروفيسور بجامعة ستانفورد ناتالي برسلي: "هل تستطيع الديمقراطيّة النّجاة من الإنترنت؟". 

تهدّد السوشيال ميديا، والتسويق السياسي الافتراضي، ديموقراطيّات مؤسّساتيّة متمرسة، فماذا عن الديموقراطية التّونسيّة الناشئة واليتيمة الّتي تتقاذفها أمواج الأهواء بين كلٌّ يدّعي أبوّتها؟ أسئلة أخرى تحتاج إلى إجابة أيضًا. يصنّف أونريش بول في كتابه "Portrait de femme"، السّياسة من أعظم المهن إلى جانب الشّعر. فهل يكفي الفيسبوك لصناعة سياسيين؟ هل يكفي أدرينالين اللايكات لضخّ إكسير الحياة في نورونات السّياسيين التّونسيين؟ كان الفيسبوك سببًا لخلع الدكتاتور. فهل سيكون سببًا في صناعة دكتاتوريّة جديدة؟ باعتبار قول القائل (نجيب محفوظ من رواية أولاد حارتنا): آفة حارتنا النّسيان، فذلك غير مستبعد. 

 

اقرأ/ي أيضًا: