جدل

جدل "التمثيل" و"الإجماع" في التجربة الديمقراطيّة التونسية

تمثّل الثورة التونسية مستوى من مستويات تجديد الانتظام السياسي (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

 

عرفت تونس مع ثورة الحريّة والكرامة انفتاح مجال الفعل السياسي والتعبير الاجتماعي وانبثاق حياة سياسيّة جديدة مكّنت قوى المجتمع المختلفة من التعبير والتنظّم والفعل السياسي الحر، وكان الأفق تأسيس الديمقراطيّة وإعادة بناء الدولة. فعرفت البلاد في سنوات الثورة التسع من التحولات ما لم تعرفه مع دولة الاستقلال منذ 1956.

لم تكن الصورة عند مختلف الطيف السياسي بالوضوح المطلوب سوى ما حصل بينها من إجماع أوّلي على تأسيس الحريّة في نظام ديمقراطي يضمن المواطنة والمشاركة والعيش الكريم.

اقرأ/ي أيضًا: اليسار دال وجلبار نقاش مدلوله.. جدل الإحياء والتأسيس في المشهد السياسي التونسي

الدستور وملامح النظام السياسي

كانت الديمقراطيّة فكرة عامّة، رغم أنّها كانت مطلب الحركة الحقوقيّة والمعارضة الديمقراطيّة طيلة عقود من حكم الاستبداد. ولم تكن هناك ثقافة دقيقة عن الديمقراطيّة وأصناف الديمقراطيّات وأشكال المشاركة وأساليب الاختيار الحرّ. وتكاد تنحصر عمليّة الاختيار في الانتخابات، مع الإصرار على أن تكون ديمقراطيّة ونزيهة وشفّافة وهو ما يعني التركيز على آليّة التمثيل.

كانت كتابة الدستور مشدودة إلى هاجسين: هاجس الاختلاف الأيديولوجي وتباعد المرجعيّات، وهاجس الاستبداد وخطر عودته، وهو ما جعل الدستور جديًرا بصفة "التوافقي"

وعلى هذا الأساس، عُدّ إنجاز الانتخابات التأسيسيّة في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2011، وهي أوّل انتخابات حرّة في تاريخ تونس، دخولًا إلى الديمقراطيّة من بابها الكبير. غير أنّ الاختلاف حول نتائجها السياسيّة وما تستدعيه العمليّة الديمقراطيّة نفسها من تسليم بها، وما عرفه المسار من اضطراب نبّه إلى أنّ الشرعيّة الانتخابيّة ليست كافية لكي يكتب من انتُخب الدستورِ، فضلًا عن أن يحكم، وأنّه لا مناص من "شرعيّة سياسيّة اجتماعيّة" مصدرها الإجماع. وفي هذا الجدل بين الشرعيتين كان الحوار الوطني مقدّمة إلى إزاحة حكومة الترويكا المنتخبة واستبدالها بحكومة توافقيّة قادها "تكنوقراط"، وصار دور المجلس الوطني التأسيسي المصادقة على ما يتمّ الإجماع عليه خارجه سواء فيما تعلّق بكتابة الدستور أو بتسيير الدولة.          

مثّل دستور 2014 أولى اللبنات في البناء الجديد، وهو سليل مرحلة التأسيس الذي لم تكتمل حلقاته بفعل التجاذبات السياسيّة وعودة المطلق الإيديولوجي والمصالح القديمة وما يمثّلها من قوى وجدت في تعثّر المسار واختلاف القائمين عليه مناسبة للتموقع في انتظار ما ستفصح عنه تحوّلات المشهد السياسي المتقلّب.

لم يكن الوصول إلى كتابة الدستور مهمّة يسيرة، غير أنّ التصويت عليه بإجماع واسع في المجلس الوطني التأسيسي كاد ينسي في حدّة التجاذبات وما دفعه البلد من أنفس ووقت ومقدّرات حتّى يستوي وثيقة تكاد تكون الوحيدة التي تشهد بأنّه كان هناك تأسيس. ورغم اختلافهم فإنّ التونسيّين لا يخفون افتخارهم بهذه الوثيقة الجامعة، ولا يتردّدون من وصفه بأنّه من أفضل دساتير العالم.

ولقد كانت كتابة الدستور مشدودة إلى هاجسين: هاجس الاختلاف الأيديولوجي وتباعد المرجعيّات، وهاجس الاستبداد وخطر عودته، وهو ما جعل الدستور جديًرا بصفة "التوافقي"، وهي صفة لم تعصمه من حصول ترضيات يظهر أثرها فيما يمكن اعتباره، عند البعض، تضاربًا بين فصوله، ومن أمثلته الفصلان الأوّل والثاني منه، إذ يشدّد الأول على مرجعيّة الإسلام وينصّص الثاني على مدنيّة الدولة، هذا إذا سلّمنا بتعارض الإسلام والمدنيّة.

ولتحصين التجربة من منافذ قد يعود منها الاستبداد كان التوجّه إلى اختيار النظام شبه البرلماني وما يتيحه من توزيع للسلطة بين الرئاسات الثلاث ويمنحه تركّزها في جهة واحدة هي الرئاسة مثلما كان عليه نظام الاستبداد، وقد كان النظام الرئاسي فيه مدعومًا بروافد أخرى قانونية وسياسيّة وأخلاقيّة تدعم المركزة مثل نظام الحزب الواحد والرئاسة مدى الحياة وثقافة الزعيم الأوحد.

التوافق مراوحة بين التمثيل والإجماع

يمكن النظر إلى سياسة التوافق التي انطلقت بين زعيم حزب نداء تونس الباجي قايد السبسي وزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي بعد لقاء باريس الشهير عام 2013 من زاوية "التأسيس" على أنّه خضوع للمنظومة القديمة العائدة مع الحوار الوطني ومخرجاته ووضع اليد في يدها، كما يمكن النظر إليها من زاوية قوانين "الانتقال الديمقراطي" الخارجة عن وعي الفاعلين فيه. وإذا نظرنا إليها من زاوية بحث التجربة عن هويّة انتظام سياسي ملائم وآليات في التمثيل السياسي يمكن اعتبار التوافق صورة حيّة عن هذه المراوحة بين التمثيل والإجماع والانتخاب والتشاور.

بدأ الوعي بأزمة الديمقراطيّة التمثيليّة في سياق انتقال ديمقراطي يظهر رغم أنّ الانتباه إلى حقيقة الانقسام الاجتماعي وأثره على التجربة كان مبكّرًا

ودعّمت انتخابات 2014 هذا التوجّه، ولقد أفرزت ازدواجيّة في الحكم فكان برأسين حكمهما الصراع بين وعدين: وعد بالديمقراطيّة ووعد بعودة الاستبداد، وازدواجيّة في المعارضة التي كانت متوتّرة بين نزعتين: نزعة وظيفيّة تتقاطع مع وعود الاستبداد ونزعة عضويّة تتقاطع مع وعود الديمقراطيّة. فكان التوافق نقطة التقاء وشهادة على لا جدوى "الشرعيّة الانتخابيّة" في انتقال ديمقراطي، وهو ما انعكس على الأداء فكان العجز عن إنفاذ السياسات هو السمة الغالبة وتوزّع المهامّ بين الأحزاب الممثّلة للحكم سببا لتفصيّها جميعا من المسؤوليّة.

اقرأ/ي أيضًا: في عوائق استكمال البناء الديمقراطي في تونس

ولئن كان التوافق من أسباب استمرار التجربة في سياق متوتّر وطنيًا وإقليميًا فإنّه كان صورة من أزمة شاملة: أزمة حكم وأزمة ماليّة اقتصاديّة خانقة. وبدأ الوعي بأزمة الديمقراطيّة التمثيليّة في سياق انتقال ديمقراطي يظهر رغم أنّ الانتباه إلى حقيقة الانتقسام الاجتماعي وأثره على التجربة كان مبكّرًا، ورغم أنّ رأب هذا الصدع الاجتماعي لن يكون إلاّ بجرّ الديمقراطيّة التمثيليّة في المجال الرسمي إلى أن تكون ديمقراطيّة تشاركيّة يشير إليها الباب السابع من الدستور (الحكم المحلّي وتبدو ملامح منها في المجال السياسي الهامشي -نموذج جمنة-).

جاءت انتخابات 2019 التشريعيّة لتعلن عن نهاية سياسة التوافق، وتأكّد هذا المنحى مع ملابسات تشكيل الحكومة مع الحبيب الجملي في طوريها، فقد كان المزاج الانتخابي العام يعيد "الصف الثوري" إلى مسؤوليّة الحكم، رغم حالة تشتّت الكتل التي عرفها البرلمان، غير أنّ النتيجة كانت سقوط الحكومة المشكلة في تصويت الثقة أمام البرلمان.

من المهمّ الإشارة إلى أنّ النظام السياسي في تونس في ظاهره تمثيلي يعتمد الانتخابات والأحزاب طريقًا إلى الحكم، ولكنّه في أدائه يميل حثيثًا إلى أن يصبح "شوريًا"

طرح التفويض غير المسبوق الذي عرفته الانتخابات الرئاسيّة أفقًا آخر تمّ التعبير بصيغة "حكومة الرئيس"، واجتمعت كلّ الشروط للمرور إلى الفصل إلى الفقرة الثالثة من 89 من الدستور التي تحيل الأمر إلى رئيس الجمهوريّة ليختار من يراه الأقدر بعد التشاور مع الأحزاب، فكان تكليف إلياس الفخفاخ، وقد كان ترشّح للانتخابات الرئاسيّة وحصل على نتيجة ضعيفة جدّا، ولم يظفر حزبه بمقعد واحد في البرلمان في الانتخابات التشريعيّة.

من المهمّ الإشارة إلى أنّ النظام السياسي في تونس في ظاهره تمثيلي يعتمد الانتخابات والأحزاب طريقًا إلى الحكم، ولكنّه في أدائه يميل حثيثًا إلى إلى أن يصبح "شوريًا"، على معنى أنّ الشورى تعني التشاور الواسع بمعزل عن نتائج الانتخابات فتطلّف شخصيّة لتشكيل الحكومة من حزب غير برلماني، فنحن بإزاء عنوان ديمقراطي تمثيلي يآليّة الشورى. والأمر يتعلّق بـ"بنية السياسة" وأطوار الانتقال الديمقراطي أكثر مما هو استدعاء شكلي للفصل 89 من الدستور، وللانتخابات الرئاسيّة ولشخص الرئيس قيس سعيّة ونقده للنظام التمثيلي وأطروحته في الديمقراطيّة المباشرة والبناء من الأسفل دور فاعل.

أصول التمثيل والإجماع في الانتظام السياسي

الشورى والتمثيل هما الآليّتان الوحيدتان في الانتظام السياسي في التجارب السياسيّة الإنسانيّة، وهما آليّتان غير مجرّدتين من كل فكر سياسي. فقد ارتبطت الشورى بالمجتمعات الأفقيّة غير المنقسمة (الكل حاكم/الكل محكوم)، وارتبط التمثيل بمجتمعات الدولة وهي المجتمعات المنقسمة (حاكم/محكوم)، والفرق في عمقه متعلّق بـ"سلطة الكلام" وموضعها.

ففي المجتمعات الأفقيّة المسمّاة بدائيّة وعي بهذه السلطة وبدورها، فكان الحلّ الجذري لمنع الانقسام هو فصل الكلام عن كلّ سلطة، وهو ما يعني سياسيًا أنّ الكلام "واجب المتكلّم" فالشاعر أوالزعيم لا يقول كلامه الخاصّ وإنّما هم لسان حال قومه، ودوره أن يعطف القلوب على القيم الجامعة ويحبّبها إلى النفوس. فكان تفاضل الناس بدرجة قدرتهم على الكلام باسم قيم الجماعة وتمثّلها لا بما يملكونه من ثروة والوفاء لها.

ففي مجتمعات غابات الأمازون، يسمّى زعيم القوم "سيّد الكلمات"، وفي هذا المعنى تذكر كتب أخبار الأدب أنّ العرب كانت تتفاضل بحسن المنطق (أي النطق) فمن كان أحسن منطقًا كان أعلى منزلة. وفي هذا السياق، يمكن ملاحظة منزلة العربيّة الفصحى في خطاب الرئيس قيس سعيّد وأثرها على المتلقّي ودورها في المكانة التي نالها رغم أنّ الرجل يكاد يكون بدون ماض سياسي.

الشورى والتمثيل هما الآليّتان الوحيدتان في الانتظام السياسي في التجارب السياسيّة الإنسانيّة، وهما آليّتان غير مجرّدتين من كل فكر سياسي

أمّا في مجتمعات الدولة، فإنّ الكلام صار "حقّ الدولة" لذلك يتفاضل الناس بأشياء أخرى منها ما يملكون من ثروة وعلاقات، ولعلّ لمنزلة الكلام المشار إليها دورًا في غياب الطبقات الاجتماعيّة بالوضوح الكافي في "مجتمعات الإجماع"، وظهورها في مجتمعات التمثيل مجتمعات الدولة (أوروبّا)، فكأنّ الإجماع سليل الأخلاق والتمثيل سليل القانون.

ويميّز ابن خلدون في كتاب المقدّمة بين الرياسة (الأفقيّة) والملك (العموديّة) ويشير إلى أنّ الخضوع في الأولى عائد التقدير والتجلّة والاحترام، وهو خضوع من النفس (أي إختياري إرادي)، في حين يكون الخضوع في الثانية من نتيجة ما يسميه "حَكَمَة القهر" وهو الفرق بين الخضوع الطوعي للأخلاق والخضوع القسري للقانون. فجوهر الأخلاق الاختيار وجوهر القانون الإلزام. والثورة تأتي لتذكّر بالأخلاق، ومثّل الدور الثاني من الانتخابات الراسية رهانًا أخلاقيًا بين قيم الفضيلة التعفّف ونظافة اليد ونقيضها.

ولئن كان الإجماع سليل المجتمعات غير المنقسمة وحكمة البدائيين فإنّ تجارب تعرفها أوروبّا الغربيّة والدول الاسكندينافيّة منها خاصّة تستدعيه في صيغ من الانتظام السياسي الأفقي الذي يقلّص دور الدولة إلى حدوده الدنيا ويطلق المبادرة واسعة أمام مشاركة المجتمع في تنظيم شؤونه وتجويد معيشته والرقي بالعلاقات السياسيّة إلى أبعد مداها الإنساني، وفي كلّ ذلك وعي بحدود الديمقراطيّة التمثيليّة والانتباه إلى أزمة الدولة الحديثة.

والأصل هو أن تمثّل الثورة المنطلقة من تونس مستوى من مستويات تجديد الانتظام السياسي والمساهمة في الإجابة عن أزمة الدولة الحديثة، لا باستنساخ النماذج الديمقراطيّة المفوّتة. وفيما تعرفه تجربة الانتقال الديمقراطي من جدل بين التمثيل والإجماع إشارات بليغة إلى هذا الاتجاه في البحث عن انتظام سياسي أعلق بالحرية والكرامة والرفاه الإنساني، إشارات قد يخفيها ما يتراكم من مفردات الحياة السياسيّة اليوميّة.                 

 

اقرأ/ي أيضًا:

الثورة التونسية.. الأسئلة الدائمة لثورة الألفية الثالثة

في الصراع والتدافع أو جدل التأسيس والانتقال الديمقراطي