في الصراع والتدافع أو جدل التأسيس والانتقال الديمقراطي

في الصراع والتدافع أو جدل التأسيس والانتقال الديمقراطي

مقدّمات إلى تأسيس الاختلاف وإدارة التعارف

 

مصطلح التدافع ليس جديدًا على الخطاب الإسلامي المعاصر في مستوياته المختلفة، غير أنّ عودته الفعليّة كانت في ما عرفته حياتنا السياسيّة الجديدة في تونس بعد 2011 من ثورة معجميّة ولا سيّما في المعجم السياسي مقارنة بما كنّا عليه من فقر اصطلاحي ومعجمي في ظلّ الاستبداد.

وكان من مظاهر الاستبداد غياب حياة سياسيّة حقيقيّة، وهو ما جعل المعجم السياسي في الخطاب الرسمي ينحصر في عبارات معدودات مكرورة من مثل "الرعاية الموصولة" و"دولة القانون والمؤسسات" و"حرْص سيادته". وهي صيغ مجّها السامع لكثرة دورانها في إعلام الاستبداد ولانفصالها الواضح عن مراجعها. وكان الفقر المعجمي عند عامّة الناس يُعوَّض بما كان يُنحت من نوادر متعلّقة بـ"الحاكم" وأدائه ومحيطه العائلي المافيوي، وهي طريقة في المقاومة العفويّة عندما تصادر كلّ أدوات التعبير.

اقرأ/ي أيضًا: اليسار دال وجلبار نقاش مدلوله.. جدل الإحياء والتأسيس في المشهد السياسي التونسي

مصطلح التدافع والسياق الجديد في تونس

جاءت عبارة التدافع على لسان زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي للتعبير عمّٰا شهدته بلادنا من اتجاه إلى تأسيس حياة جديدة في مناحيها المختلفة. وكانت انتخابات 2011 ونتائجها السياسيّة كافية لكي يكون هذا المصطلح من بين ما تمّت شيطنته من عبارات في إطار حمّى الصراع الهووي. واحتدّ الأمر أكثر، بعد الاغتيالات السياسيّة، حتّى قالت إحدى الجامعيّات في افتتاحيّة لجريدة "المغرب" أنّ "ما نعيشه من عنف وإرهاب واضطراب في الحياة السياسيّة هو بسبب كلمة التدافع". 

 في إطار الصراع الهووي الموجّه، مورس نوع من "الإرهاب المعجمي"، وهو سلوك بعيد الجذور في تجربة الدولة منذ عام 56 خاصّة، وترسّخ مع حكم بن علي ولقائه التاريخي مع نخب الاستئصال الثقافي المعروفة باستعدادها الوظيفي العالي لأن تكون في خدمة الفرنكفونيّة باعتبارها إملاءً ثقافيّا من الخارج يتكامل مع نهج الاستبداد الداخلي في قمع الخصم العقدي التاريخي.

 وددنا الوقوف عند مصطلح "التدافع"، وهو مصطلح قرآني، لتبيّن حدوده المفهوميّة في مقارنة مع مصطلح "الصراع" وحدوده المفهوميّة وهو مصطلح ذو أصول فلسفيّة غربيّة

لم يكن مستغربًا أن يسمح بعضٌ ممن دأبوا على مصادرة حق غيرهم في استعمال ما يرونه من العبارات ولا سيما عبارات تردّدت في القرآن الكريم وتشير إلى ما اطّرد من السنن في الاجتماع الإنساني ومنها عبارة التدافع، ولكن المستغرب وقتها هو تراجع مستعمل العبارة عن عبارته وقبوله بالتخلّي عنها، فلم تعد تدور في كلامه إلاّ ما كان على سبيل السهو والخطأ. وكان هذا مصير كلمات عدّة من القاموس السياسي القديم.

وبعد تسع سنوات من الثورة لم يعد للاستغراب من معنى، حين صار التراجع أمام الإرهاب المعجمي صورة من تراجع شامل يُختلف في تفسيره كما يُختلف في تقدير مآلاته. ويتناسب هذا التراجع المعجمي مع تحوّل مهمّ عرفته البلاد من التأسيس إلى الانتقال الديمقراطي.

وفي هذا السياق، وددنا الوقوف عند مصطلح "التدافع"، وهو مصطلح قرآني، لتبيّن حدوده المفهوميّة في مقارنة مع مصطلح "الصراع" وحدوده المفهوميّة، وهو مصطلح ذو أصول فلسفيّة غربيّة. 

الاختلاف والتناقض: مفهومان ورؤيتان

نقول، بشيء من التكثيف، إنّ التدافع هو الوجه السياسي لمفهوم مركزي في النظام المعرفي الإسلامي هو "الاختلاف"، وإنّ الصراع هو الوجه السياسي لمفهوم مركزي في النظام المعرفي الغربيّ هو "التناقض". مفهومان يختزلان نظامين معرفيّين ورؤيتين للوجود. ففي نظام المعرفة الإسلامي الموجودات تختلف ولا تتناقض. وحتى في نظريّة الجزء الذي لا يتجزّأ اعتبرت العلاقة بين الجزءين علاقة تجاور، ممّا حدا بصاحب كتاب "بنية العقل العربي" إلى القول بأنّه لو انتهى علم الكلام إلى اعتبار العلاقة بين الجزء والجزء سببيّةً لكانت الثورة الصناعيّة انطلقت من بغداد في القرن الرابع الهجري.

 التدافع هو الوجه السياسي لمفهوم مركزي في النظام المعرفي الإسلامي هو "الاختلاف"، وإنّ الصراع هو الوجه السياسي لمفهوم مركزي في النظام المعرفي الغربيّ هو "التناقض"

ومعلوم أنّ ما انتهى إليه درس الفيزياء في القرن السابع عشر من أنّ جزء المادّة الأصغر وهو الذرّة يحمل في داخله تناقضًا كان كافيًا لاعتبار الطبيعة قائمة على التناقض (جدل المادّة)، وانبنت على هذا المعطى العلمي كثيرٌ من علوم الإنسان والطبيعة، فالتناقض مركوز في الطبيعة ولابدّ من بحث له عن صورٍ له في الحركة الاجتماعيّة وتاريخ الإنسان. ولم تكن هذه الصور سوى الصراع الطبقي وصراع الأهواء والمصالح.

وتأسّس هذا المعنى في الفلسفة الكليّة (هيغل) وهي الفلسفة التي يُنعت صاحبها بالمثاليّة وبافتتانها بجمال الفكرة، في حين أنّ هذه الفلسفة قد ألغت بصياغتها الكليّة ما يفصل الجزء عن الكل والمادة عن الفكرة. وقام التناقض أساسًا متينًا في هذه الفلسفة ومنها تسرّب إلى غيرها من الأنساق التي بدت عيالا عليها وفي أحسن الأحوال هي صورة منحطة منها. وتمثّل الماديّة الجدليّة (الفلسفة) والماديّة التاريخيّة (المنهج) إحدى تنويعات فلسفة هيغل الكليّة: بين النقيض ونقيضه صراع تنافٍ يفضي إلى حال ثالث يجاوزهما. وهذا جوهر فلسفة التناقض. ص

وأمّا فلسفة الاختلاف، فإنّها تقوم على أساس أنّ الاختلاف جوهر الوجود، بل هو شرط لهذا الوجود (ولذلك خلقهم)، وأنّ المختلفات لا تتناقض ولا تتقابل وإنّما تتشابه وتتجاور لتتعارف، وأنّ حركتها مشدودة إلى هذه الغاية وهي التعارف، ولا يعني هذا أنّها محكومة بالانسجام أبدًا. إنّها في وضع تدافع والتدافع هو المراوحة بين الائتلاف والاختلاف، وجوهر التعارف.

وإذا كان أساس فلسفة التناقض "إدارة الصراع"(لِتَصارعوا) فإنّ أساس فلسفة الاختلاف هو "إدراة التعارف" (لِتَعارفوا). وإذا كان الصراع هو الصورة السياسيّة الاجتماعيّة لمفهوم التناقض فإنّ "الظاهرة الاستعماريّة" تمثّل الصورة الحضاريّة الأكثر أصالة عن "النصّ الغربي". ووإذا كان التدافع هو الصورة السياسيّة الاجتماعيّة لمفهوم الاختلاف فإنّ "ظاهرة الفتوحات" تمثّل الصورة الحضاريّة الأمثر أصالة عن "النصّ الإسلامي".

بين الفتح والاستعمار

هناك من يجتهد في إظهار ألاّ فروق جوهريّة بين " الظاهرة الاستعماريّة" و"الفتوحات الإسلاميّة". ولا شكّ في أنّ المقارنة الرصينة تستدعي اتجاهًا علميًا رصينًا وأدوات بحث دقيقة وتعاضد اختصاصات شتّى للخروج برأي يُطمأنّ إليه. ونكتفي في هذا الصدد بالإشارة إلى أنّه توجد بعض الفروق المهمّة في تجربة "فكر الفتح" و"فكر الغزو" (الاستعمار) لا في مستوى المتصورات الذهنيّة فقط وإنّما في مستوى أداء الفكرين/القوّتين في علاقة بالشعوب الأخرى التي كانت موضوعًا للفتح أو للاستعمار. وقد كان موضوع كلّ منهما ما يمكن أن نسمّيه "شعوبًا بدائيّة" (تسمية غير معياريّة تشير إلى هوية انتظام سياسي ماقبل الدولة).

يشير علماء الانثروبولوجيا إلى أنّ أمرين يقضيان على طبيعة هذه المجتمعات البدائيّة هما السلم الشاملة أو الحرب الشاملة، ولذلك كانت الحرب متواترة في كل المجتمعات البدائية بما فيها مجتمع البداوة العربيّة

اقرأ/ي أيضًا: حشّاد نبعُك لم يجفّ.. مدخل إلى المسألة النقابيّة في تونس

نتوقّف عند الشعوب التي احتلّها الغرب المستعمر في ضفّة المتوسط الشرقيّة أو في القارّة الأمريكيّة، وعند الشعوب التي ظهر فيها الدين الخاتم أي البداوة العربيّة أو التي تمدّد إليها باسم الفتح ونشر الرسالة. 

ومن المهمّ الإشارة الموجزة إلى أنّ هذه الشعوب هي من المجتمعات التي سمّاها الغرب "بدائية" في غابات الأمازون أو شعوب البداوة العربيّة التي سمّاها الإسلام "جاهليّة" في شبه الجزيرة العربيّة تشترك في كونها "اجتماعًا جماعيًا غير منقسم"، وأنّ استراتيجيّتها السياسيّة تقوم على مقاومة انقسامها ومن ثمّ منع خروجها عن هويّتها السياسيّة لأنّ خروجها عن هوية انتظامها هو "موتها السياسي" بالمعنى الانتروبولوجي. ولذلك اعتبرت شعوب الأمازون وشعوب البداوة العربيّة مجتمعات مضادّة للدولة، ومن عجيب التقاطع رفض شعوب الأمازون رسالة الغرب الغازي وجوهرها "المسيحيّة والتجارة"، وأبت قبائل الجنوب المرتدّة في شبه الجزيرة العربيّة أن "تُحشر وتُعشر" (الحرب والزكاة أي أبت أن تكون تابعة عسكريًا واقتصاديّة لدولة الإسلام الناشئة). 

ويشير علماء الانثروبولوجيا إلى أنّ أمرين يقضيان على طبيعة هذه المجتمعات البدائيّة هما السلم الشاملة أو الحرب الشاملة، ولذلك كانت الحرب متواترة في كل المجتمعات البدائية بما فيها مجتمع البداوة العربيّة. وكان لتواتر الحرب في هذه المجتمعات وظيفة عظيمة هي منع ظهور الدولة. وكان التقابل الوظيفي في البداوة العربيّة عجيبًا بين "مؤسسة الثأر" و"مؤسسة الأشهر الحرم". فمثلما كان الثأر مانعًا للسلم الدائمة كانت الأشهر الحرم (أربعة أشهر غير متتالية جميعها) تمنع الحرب الشاملة وتضمن السلم على مدى ربع السنة في المكان والزمان (الحرم). وهذا التقابل الوظيفي كان مانعًا للحرب الشاملة والسلم الدائمة، وكان إعلان القرآن عن دخول الجميع في السلم (وادخلوا في السلم كافة) مقدّمة لتقويض أسس مجتمع البداوة العربيّة.

من إدارة الصراع إلى إدارة الاختلاف

انتهى الإسلام والغرب إلى النتيجة نفسها في التعامل الشعوب البدائيّة وهي القضاء على هويّة هذه الشعوب السياسيّة. وإذا كان الغرب قد فرض على شعوب الأمازون (الهنود الحمر) "حربًا شاملة" وإبادة جماعيّة لقبائل بأكملها وحلول الرجل الابيض مكانها، فإنّ أسلوب الإسلام كان "السلم الدائمة" بدعوة مجتمع البداوة إلى الدخول في السلم (وادخلوا في السلم كافّة). 

"الحرب الشاملة" و"السلم الدائمة" قادتا إلى النتيجة نفسها، غير أنّ الفرق الجوهري بين من يصدرون عن النصّ الإسلامي" و"النصّ الغربي"، أنّ "الغرب الغازي" أباد "البدائيين" ليحلّ محلّهم في حين جعل "الإسلام الفاتح" من "الجاهليين" مادّة لمشروعه، وكان يؤمن بأنّ من أصلابهم سيخرج الفاتحون براياته إلى آفاق بعيدة.

الحرب ظاهرة إنسانيّة توجد في "ثقافة الاختلاف" و"ثقافة التناقض"، غير أنّ من يؤمن بالتناقض يحمل في داخله عقيدة "نفي نقيضه"، في حين أنّ من يؤمن بالاختلاف يحمل في داخله عقيدة "مدافعة المختلف"

الحرب ظاهرة إنسانيّة توجد في "ثقافة الاختلاف" و"ثقافة التناقض"، غير أنّ من يؤمن بالتناقض يحمل في داخله عقيدة "نفي نقيضه"، في حين أنّ من يؤمن بالاختلاف يحمل في داخله عقيدة "مدافعة المختلف"، حتّى وإن كان في الحالين قتْل. قد يساعد هذا على تبينّ الفرق بين ظاهرة الفتوحات الإسلاميّة التي تقوم على "الفتح" بما هو "إزالة لعوائق التعارف" والظاهرة الاستعماريّة التي تقوم على "الهيمنة" بما هي "فرض لنتائج الصراع".

الصراع مفهوم حداثي، على معنى أنّ الحداثة يأسٌ مطلق من الديّن وأمل لا حدود له في العقل. وفي سياق "ما بعد الحداثة" بما هي شكّ في العقل ومبادئه، ظهر مفهوم الاختلاف، ولكن لم يكن له الأثر المطلوب على النتائج السياسيّة لفلسفة الحداثة ومنها الظاهرة الاستعماريّة وتداعياتها التاريخيّة. وبقيت الدعوة إلى الاختلاف جملا فلسفيّة لم تجد لها صورة سياسيّة اجتماعيّة. وظلّت فلسفة الاختلاف مشروعًا فلسفيًا بعيدًا عن أن يكون حقيقة سياسيّة.

ويساعد أكثر على تبيّن الفروق بين التأسيس والانتقال الديمقراطي في المشهد السياسي بتونس بعد تسع سنوات من الثورة. فيكون التأسيس أقرب إلى روح الصراع في حين يبدو الانتقال الديمقراطي أقرب إلى روح التدافع مع تسجيل مفارقة مهمّة تكشف ضعف الفكر السياسي في مشهدنا قوامها أنّ مصطلح التدافع من مقترحات دعاة التأسيس، في حين يصدر من أصرّ من قوى القديم وحلفائه على إجهاض التأسيس وتحويله إلى انتقال ديمقراطي عن مفهوم الصراع بما هو نفي للمخالف.           

إنّ ما نشهده اليوم من عنف منهجي (الاستعمار) وإرهاب مُعولم (الجماعات التكفيريّة) هو في حقيقته سليل "مفهوم التناقض" سواء اتخذ له عنوان "إدارة الصراع" (إجرام باسم الخطاب الحداثي) أو "إدارة التوحّش" (إجرام باسم الخطاب الشريعي). ولقد مثّلت ثورة المجال العربي المنطلقة من تونس محاولة لتنزيل مفهوم الاختلاف سياسيًا وفتح أفق لإدارة الصراع نحو "إدارة التعارف"، أي من "جدل المادّة" (التناقض) إلى "جدل الإنسان (الاختلاف).

 مثّلت ثورة المجال العربي المنطلقة من تونس محاولة لتنزيل مفهوم الاختلاف سياسيًا وفتح أفق لإدارة الصراع نحو "إدارة التعارف"، أي من "جدل المادّة" (التناقض) إلى "جدل الإنسان (الاختلاف)

وقد كان لمفكِّريْن كبيريْن فضل في هذا الباب، كان للأوّل سبق افتراع المفهوم (جدل الإنسان)، وهو آية الله العظمى محمد باقر الصدر في كتابه "التفسير الموضوعي للقرآن" وقد سبق الحوزة العلميّة في النجف وقم إلى نقد الفكر المادّي التاريخي، وكان للثاني وهو المفكر عصمت سيف الدولة فضل شرح المفهوم والسعي إلى تأسيسه في كتابه "نظريّة الثورة العربيّة" في سياق ردّه على النظريّة الماركسيّة وتطبيقاتها الاجتماعيّة. 

الجدل في الطبيعة لا في الإنسان: مدخل إلى تأسيس جديد لمفهوم الاختلاف/ جدل الإنسان، وتمثّل السنوات التسع سنوات التي مرّت بنا حقلًا خصبًا لتأسيس جديد، وربما لفتح جديد ليس فتحًا عسكريًا سياسيًا بقدرما هو "فتح معرفي" جديد يحتاجه عالمنا القديم.

لم نشك يومًا في أنّ ثورة 17 ديسمبر منطلق لثورة الألفيّة الثالثة وأملها في تأسيس ديمقراطيّة مشروطة بالحريّة وهذا جوهر الكرامة، وهي المنوال الذي لم يُنتَبه إليه ولا تلوح مقدّمات جديّة إلى تأسيسه. فقد ننتبه بعد قرن أو قرنين ونقول: الكرامة محرّك التاريخ الجامع في نسخه الاثنيّة والدينيّة والاقتصاديّة والعولميّة إلخ.

 

اقرأ/ي أيضًا:

في عوائق استكمال البناء الديمقراطي في تونس

الثورة الثقافيّة مُنجَزٌ أم مشروع للإنجاز؟