21-يناير-2020

سيكون تشكيل الحكومة امتحانًا عسيرًا لرئيس الحكومة المكلّف

 

كلّف رئيس الجمهورية قيس سعيّد، إلياس الفخفاخ بتشكيل الحكومة في ظرف شهر مثلما يضبطه الفصل 89 من الدستور. وكان الفخفاخ من بين مجموعة من المرشّحين تقدّمت بهم الأحزاب إلى رئيس الجمهوريّة ليتولّى اختيار "الأقدر"، ومن بينهم منجي مرزوق وفاضل عبد الكافي ورضا بن مصباح وحكيم بن حمّودة. والفخفاخ، إلى جانب منجي مرزوق، مرشّح حزب "تحيا تونس" وحزب التيار الديمقراطي. وقد شغل وزيرًا للماليّة في حكومة الترويكا، وينحدر من حزب التكتل الديمقراطي للعمل والحريّات ذي التوجّه الديمقراطي الاجتماعي وعضو الاشتراكية الدولية.

اقرأ/ي أيضًا: التونسيّون ولحظة الهروب الجماعيّ من المسؤوليّة

حكومة الإصلاحات الكبرى

لا خلاف أنّ لهذا التكليف أكثر من دلالة وأكثر من رسالة، ولعلّ أهمها هو أنّ اختيار رئيس الجمهوريّة لـ"الأقدر" جاء منسجمًا مع "المزاج العام" لانتخابات 2019 التشريعيّة وميل كفّتها لصالح ما يُسمّى بالصف الثوري، فضلًا عن استجابته للهبّة الشعبيّة التي عرفتها الانتخابات الرئاسيّة ولعنوان الانتصار للقيم والأخلاق التي طبعتها. ويُعتبر هذا التكليف أوّل اختبار جدّي للرئيس قيس سعيّد ولعلاقته بجملة المثل والقيم السياسيّة التي يصدر عنها.

لا خلاف أنّ لهذا التكليف أكثر من دلالة وأكثر من رسالة، ولعلّ أهمها هو أنّ اختيار رئيس الجمهوريّة لـ"الأقدر" جاء منسجمًا مع "المزاج العام" لانتخابات 2019 التشريعيّة وميل كفّتها لصالح ما يُسمّى بالصف الثوري

ومن دلالات هذا التكليف أنّه يعطي فرصة جديدة لفكرة "حكومة الصف الثوري" التي تمّ إجهاضها مع المرحلة الأولى من تشكيل حكومة الحبيب الجملي، غير أنّ تصريحات سيف الدين مخلوف الناطق الرسمي باسم ائتلاف الكرامة تخالف هذا التوجّه وقد عبّر عن استغرابه من تكليف إلياس الفخفاخ بتشكيل الحكومة فهو عنده ليس "الأقدر" ولا يمثّل "احترامًا لإرادة الناخبين" مثلما ورد في بلاغ رئاسة الجمهوريّة، دليلُه في ذلك نتائج إلياس الفخفاخ الهزيلة في الانتخابات الرئاسيّة وعدم تمثيليّة حزبه في البرلمان ولو بنائب واحد.

في حين عبّرت حركة النهضة عن أنّه لا اعتراض لها على تكليف الفخفاخ، وأنّ الموقف الرسمي سيصدر عن مؤسسات الحركة، ولم تصرّح حركة الشعب بعد بموقف من نتيجة التكليف.

وفي أوّل تصريح له، شدّد إلياس الفخفاخ على أنّه سيبذل كلّ ما في وسعه لتشكيل حكومة تكون في مستوى انتظارات الشعب التونسي، وأنّها ستكون من فريق مصغّر منسجم وجدّي يجمع بين الكفاءة والإرادة السياسيّة القويّة والوفاء للثوابت الوطنيّة ولإهداف الثورة. وكان رئيس الجمهوريّة توجّه إلى رئيس الحكومة المكلّف بقوله: "قاوموا كلّ من عاث في هذا الوطن فسادا وسنقاوم معًا".

ولعلّ أهمّ دلالات التكليف هو مجاوزة منهج "التوافق" مع المنظومة القديمة الذي حكم التجارب الحكوميّة بقيادة النهضة منذ 2014، وأنّه توجّه لم يعد مناسبًا في مواجهة أزمة ماليّة اقتصاديّة هيكليّة وفي ضرورة المرور إلى إصلاحات كبرى في الاقتصاد والماليّة والجباية والإدارة والرقمنة وسوق الشغيل. ولعلّ أهمّ الدلالات في أنّه تكليف لا أثر فيه للوبيات المنظومة القديمة ومراكز القوى الماليّة التابعة لها.

قاعدة للحكم المستقرّ

رئيس الحكومة المكلّف إلياس الفخفاخ من مواليد باب الخضراء بتونس العاصمة (1972)، ولكنّه أصيل مدينة صفاقس عاصمة الجنوب التونسي كما يطلق عليها. ويحدث هذا لأوّل مرّة بعد أكثر من ستّين سنة من الاستقلال، والأمر لا يتعلّق بمقاربة جهويّة وإنّما بمحاولة رصد تحولات السلطة وقاعدتها الاجتماعية والجهوية المتحوّلة.

صار هذا ممكنًا بعد الثورة، وإنّ أهمّ ما يشدّنا إلى المشهد السياسي التونسي بعد 2011 هو توزّع السلطة وسيلانها، وكانت أولى الخطوات في هذا الاتجاه هو النظام السياسي شبه البرلماني، ومعه كان الخروج من النظام الرئاسوي الذي حكم تونس مع دولة الاستقلال. وقد كان من نتيجة النظام البرلماني أن وزّع السلطة بين رئاسات ثلاث: رئاسة البرلمان ورئاسة الجمهوريّة ورئاسة الحكومة.

رئيس الحكومة المكلّف إلياس الفخفاخ من مواليد باب الخضراء بتونس العاصمة (1972)، ولكنّه أصيل مدينة صفاقس عاصمة الجنوب التونسي كما يطلق عليها، ويحدث هذا لأوّل مرّة بعد أكثر من ستّين سنة من الاستقلال

ومع عودة المنظومة القديمة إلى الحكم في 2014 كان النظام السياسي، إلى جانب عوامل أخرى متصلة بميزان القوى السياسي وبتحولات الحياة الحزبيّة، مانعًا من عودة الاستبداد ومركزيّة السلطة الحادّة. ولم يدّخر الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي جهدًا، حسب متابعين، من أجل تغيير النظام السياسي، ولكن لم تجتمع بين يديه الشروط الضروريّة رغم نزوعه الزعاماتيّ وشخصيّته الكاريزماتيّة. ومع ذلك مال النظام السياسي إجرائيّا، وفق ما يقدّر البعض، إلى أن يكون نظامًا رئاسويًا تركّزت فيها السلطة في قرطاج لأكثر من سنتين من عهدته قبل تمرّد يوسف الشاهد عليه.

اقرأ/ي أيضًا: هل أوقعت هذه العناصر حركة النهضة في المحظور؟

هذه النقلة التي تشهدها قاعدة الحكم وأسس الدولة عرفتها البلاد مع الاستقلال، فقد كان "البَلْديّة" (أعيان الحاضرة) قاعدةَ الحكم والدولة في عهد البايات الحسينيين. وكان العمل الفذّ الذي أتاه الحبيب بورقيبة هو بناء قاعدة جديدة للحكم بـ"الساحل السياسي" (المنستير، سوسة، المهديّة)، دون إقصاء لـ"البلديّة" وإرضائهم بمشاركات رمزيّة في الحكم. واستمرّ هذا طوال العهدين البورقيبي والنوفمبري. وهذا ما طبع الدولة بـ"الجهويّة" رغم إصرارها على الصفة الوطنيّة. كان بورقيبة خلدونيًا يدرك أنّ السلطة تكون في نصيب العصبيّة الأقوى، وكان دوره القيادي في الحركة الوطنيّة ومكانة الساحل فيها وعلاقة التعاون مع فرنسا من الأسباب التي ساعدت على بناء هذا "النصيب الأوفر" خارج الحاضرة.  

صفاقس المدينة البوصلة

لصفاقس خصوصيّة بين المدن التونسيّة فقد كانت وسطًا في كل شيء، فهي عاصمة الجنوب وبوّابة إلى شمال البلاد. عرفت بطبيعتها الحرفية والصناعية وعلاقة أهلها الوثيقة بالعلم والعمل والتجارة ومراكمة الثروة. ويَعتبر أهل الاختصاص في الحضارة والعمران البشري أنّها مدينة محافظة متّجهة إلى الشرق، وأنّها الوجه الشرقي لتونس الحداثيّة. ورغم ذلك لم تُعرف بأنّها معقل لهذا التوجّه السياسي أو ذاك، وإنْ عُرفت بتصويتها القوي للتوجّه الثوري، فقد صوّتت بكثافة للقوى الجديدة في انتخابات 2011 التأسيسيّ وللمنصف المرزوقي في انتخابات 2014 الرئاسيّة. وفي نفس الوقت، مثلت مجتمعًا لنخبة محدودة ماليّة وفكريّة (التيار الماركسي) كان لها تأثيرها في الحياة الاقتصاديّة والفكريّة.

صفاقس كانت بوصلة في تاريخ تونس، حيث مالت تميل البلاد، فهي التي حسمت الصراع اليوسفي البورقيبي لصالح الحبيب بورقيبة في مؤتمر الحزب بصفاقس في 1955 بدعم قوي من الاتحاد العام التونسي للشغل (الحبيب عاشور)، وصفاقس هي التي رجّحت الكفّة لصالح الثورة في 12 جانفي/كانون الثاني 2011.

وتُذكر صفاقس من زاوية مسيرة الدولة/السلطة والبحث المستمرّ عن قاعدة مستقرّة للحكم، وهذه زاوية مهمّة لكل متابع لمآلات التجربة الديمقراطيّة في تونس، والوقوف على تحوّل السلطة من الصلابة إلى السيولة. فلئن استقرّ الحكم ورموزه منذ الاستقلال بين الساحل والحاضرة، مع استثناءات قليلة بأن يكون وزيرٌ من هذه المدينة النائية أو تلك، فإنّه لم تُستثنَ مدينة من أن يكون منها وزير أو كاتب دولة. بل إنّ رئاسة الوزراء كانت من ورغمّة (الجنوب الشرقي/الساحل الجغرافي) في 2012، وكانت رئاسة الجمهوريّة من نفزاوة في 2011 (الجنوب الغربي). وهذا من عجيب الثورة التونسيّة، وفق مراقبين.

تُذكر صفاقس من زاوية مسيرة الدولة/السلطة والبحث المستمرّ عن قاعدة مستقرّة للحكم، وهذه زاوية مهمّة لكل متابع لمآلات التجربة الديمقراطيّة في تونس، والوقوف على تحوّل السلطة من الصلابة إلى السيولة

 ولكنّ الرسالة الأهمّ هو أنّ الدولة تجري إلى مستقرّ لها بالبحث عن قاعدة حكم صلبة تُقيم المشروع الوطني الجديد وتوحّد البلاد اجتماعيًا بتنمية شاملة مستدامة ترأب الصدع الاجتماعي المزمن. والنظام السياسي الجديد، وتوزّع السلطة على إيجابياته بدا، إلى جانب عوامل أخرى، من أسباب تعطّل الحياة والعجز عن إنفاذ إصلاحات في مواجهة الأزمة الماليّة الاقتصاديّة المتفاقمة.

كثير من الساسة في الحكم يشيرون في تشخيصهم للمشهد السياسي والاجتماعي إلى أنّ البلاد قد حقّقت "انتقالًا سياسيّا" ولكنّها لم تنجح في مصاحبته بـ"انتقال اقتصادي اجتماعي". وهذا التشخيص يبدو لنا قاصرًا، فالانتقال السياسي لم يبلغ غايته، سواء من خلال عدم استكمال بناء المؤسسات (المحكمة الدستوريّة) أوتوزّع السلطة وتذرّرها وغياب مشترك سياسي جامع. وهو ما يسمح بالقول بغياب قاعدة سياسيّة اجتماعيّة للحكم واسعة تسمح بتوفّر نصيب السلطة الضروري للحكم وإنفاذ السياسات. وهذا ما جعل كل الحكومات المتعاقبة منذ 2011 "حكومات تصريف أعمال".

إذا استمرّت هذه الشروط، فإنّ حكومة إلياس الفخفاخ لن تكون أكثر من حكومة تصريف أعمال، فالانتقال الاقتصادي الاجتماعي مشروط بانتهاء الانتقال السياسي وتوفير قاعدة حكم واسعة. لذلك فإنّ المشكل ليس في النظام الانتخابي على علاته ولا بالنظام السياسي. فالأمر لا يتعلّق بشرعيّة انتخابيّة وإنّما بشرعيّة سياسيّة اجتماعيّة تتخطّى التجاذبات نحو مناخ سياسي سليم وهدنة اجتماعيّة (موقف اتحاد الشغل) ضرورين للشروع في بناء البلد المهدّم.

سيكون تشكيل الحكومة امتحانًا عسيرًا لرئيس الحكومة المكلّف، إذا تخطّاه بنجاح خطا خطوة مهمّة نحو استكمال الانتقال السياسي، وأمّا الانتقال الاقتصادي الاجتماعي فإنّه ليس مأمولًا في الشروط الحاليّة، وليس أكثر من "معالجة الأزمة" ومنع الانهيار.        

 

اقرأ/ي أيضًا:

الأحزاب التونسية والأزمة الليبية.. اختلافات حد التناقض

السياحة الحزبية.. مواقف حربائيّة وقنّاصة جدد