الرئيس والاتصال.. قراءة في الاتصال السياسي لقيس سعيّد

الرئيس والاتصال.. قراءة في الاتصال السياسي لقيس سعيّد

رئيس الجمهورية هو بالضّرورة في حالة اتصال دائم (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

 

تكاثرت الانتقادات وتعدّدت حول السياسة الاتصالية لرئاسة الجمهورية بخصوص نفاذ الصحافة إلى المؤسسة والاتهامات بالتعتيم وبالحدّ من حقّ الصحافة في الحصول على المعلومات الضرورية لتغطية الأنشطة الرئاسية إضافة إلى الأخطاء الإجرائية (تصريحات وتصريحات مضادة). ويحيل هذا الجدل ليس فقط إلى المسائل التقنية حول الأساليب التي تعتمدها الرئاسة للتعامل مع الميديا والصحافة، ولكن أيضًا إلى الخيارات في مستوى الاتصال المؤسسي للرئاسة وكذلك إلى مهنية مصالح الاتصال بشكل عام.

رئيس الجمهورية هو فاعل سياسي أساسي ويخضع كل ما يقوم به وحتى ما لا يقوم به إلى التفسير والتأويل وعلى هذا النحو فهو في حالة اتصال دائم

ولكن لن نهتم هنا بهذا الجدل، فموضوع هذا المقال هو اتصال رئيس الجمهورية قيس سعيّد أي الأسلوب والطرق التي يوظفها لإدارة صورته العامّة، أي بتعبير آخر الصورة التي يريد أن يكون عليها في أذهان التونسيين. وما يهمّنا هنا ليس تقييم الأداء المهني لمصالح الاتصال برئاسة الجمهورية ولكن اتصال الرئيس، فهو فاعل أساسي في الحياة السياسية على الأقل في مجالات السياسة الخارجية والدفاع والأمن القومي، وهو يقوم بأنشطة يومية: يستقبل شخصيات، ويقوم بزيارات ميدانية، ويتكلم في مؤتمرات صحفية أو يخطب في التونسيين، وهي تُعتبر أنشطة اتصالية أي أنها حاملة لمضامين أو رسائل  يتّبع فيها الرئيس أساليب ناتجة عن خيارات مدركة أو غير مدركة.

إن رئيس الجمهورية هو فاعل سياسي أساسي ويخضع كل ما يقوم به وحتى ما لا يقوم به إلى التفسير والتأويل، وعلى هذا النحو فهو في حالة اتصال دائم. وما يهمّنا إذًا ليس التقييم السياسي لأداء قيس سعيد الرّئيس أو الحكم عليه أو له أو إبداء الرأي في قراراته السياسية، فما يهمنا في هذا المقال التحليلي هو النظر في الاتصال السياسي كما يمارسه سعيّد.

اقرأ/ي أيضًا: في أزمة الديمقراطية التونسية المزدوجة: السياسة والميديا

لماذا يجب أن نهتم بالاتصال الرئاسي؟

رئاسة الجمهورية هي مؤسّسة سياسية ورمزية بالغة الأهمية حتى في النظام السياسي التونسي الحالي، نظام الشبه برلماني. فرئيس الجمهورية منتخب انتخابًا مباشرًا من الشعب على عكس رئيس الحكومة والوزراء المعيّنين، وهو بهذا المعنى يمثّل التونسيين ممّا يعطيه قيمة ورمزية لا جدال فيه. وهو كذلك قائد القوات المسلحة المؤتمنة على أمن البلاد. ومن هذا المنظور، إن كلّ ما يصدر عن رئيس الجمهورية هي "مضامين" قابلة للتأويل، فحتى حالة اللاّتواصل (La non communication) غير ممكنة إذ أن الصمت هو علامة ذات دلالة أيضًا. وعلى هذا النحو وفي حالة قيس سعيّد، فإن الاتصال قدر محتوم لا يمكن أن يفلت منه.

يمثل قيس سعّيد حالة تستحق الدرس في الاتصال السياسي لأنه مكمن مفارقات محيرة لا حصر لها إذ فاز في الانتخابات الرئاسية دون أن يقوم بحملة اتصالية بالوسائل والمعايير المتعارف عليها

ويُعًرّف الاتصال الرئاسي على أنه نوع من أنواع الاتصال السياسي الذي يمارسه الفاعلون السياسيون في المجتمعات الديمقراطية للتنافس على السلطة في الانتخابات للحصول على أصوات المقترعين (والتأثير في خياراتهم) أو لإدارة السلطة وللحصول على تأييد المواطنين ورضاهم أو ولاءهم. ويمثل الاتصال الرئاسي موضوعًا هامًا في العلوم السياسية وفي علوم الاتصال يتناول بالدراسة مختلف الإستراتيجيات والأساليب الاتصالية التي يتّبعها رؤساء الدول.

وقد اهتمت العديد من البحوث بدراسة تحولات الاتصال الرئاسي (أنظر هذه الدراسة عن تحولات الاتصال الرئاسي في فرنسا)  باعتباره وسيلة من وسائل إدارة وظيفة الرئيس وصورته و أسلوبًا للتأثير في إدراك المواطنين لأداء الرئيس....ولعل أسلوب الخطابة  والبلاغة (La Rhétorique) هي من أكثر المسائل التي يهتم بها اختصاص الاتصال الرئاسي (أنظر مثلًا هذا المؤلف عن الاتصال الرئاسي في الولايات المتحدة بعنوان "الرؤساء في الثقافة: معنى الاتصال الرئاسي").

رئيس بلا اتصال؟

يمثل قيس سعّيد حالة تستحق الدرس في الاتصال السياسي لأنه مكمن مفارقات محيرة لا حصر له. إذ فاز في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية دون أن يقوم بحملة اتصالية بالوسائل والمعايير المتعارف عليها، خاصة وأنه رفض القيام بهذه الحملة في الدور الثاني ومنافسه في السجن. لكن حملته في الدور الأول كانت أيضًا غير تقليدية عبر رفض التمتع بالمال العام لتمويل حملته وهو أكد أنه لا يخوض حملة أصلاً ولم يكن له ناطقًا رسميًا. لم يشارك قيس سعيّد بشكل كبير في البرامج الحوارية بل لم يبحث أصلًا عن الحضور فيها. لم يكن له فريق من الاتصاليين يلهثون وراء الصحفيين، على عكس أغلب المترشحين، وقد يكون ذلك رفضًا منه أن يكون هؤلاء وسطاء بينهم وبين التونسيين، وهو الذي يطرح نفسه امتدادًا للشعب وناطقًا باسمه ومعبّرًا عمّا يريد (شعار حملته الانتخابية: "الشعب يريد").

يشمل الاتصال اللغة (الكلام) ولكن أيضًا الجسد وتعبيراته وحتى الامتناع عن الكلام والصمت وبذلك مارس قيس سعيّد اتصالًا ذكيًا بشكل مدرك وواع أو غير مدرك وغير واع

لم يستخدم قيس سعيّد المترشح اللاّفتات الاشهارية العملاقة لإظهار صورته في الشوارع الكبرى في المدن التونسية، ولم يستثمر في الميديا الاجتماعية التي تقدم على أنها المفتاح السحري للاتصال السياسي. كانت حملة سعيّد درسًا قاسيًا لمهنيي الاتصال الذين شيدوا نفوذهم على قدرتهم على صناعة السياسيين، وقد انتصر في الانتخابات أمام مترشحين استثمروا موارد مالية ضخمة مجنّدة بفضل شبكات اقتصادية وسياسية متعددة. وساهمت عمومًا هذه الحملة في تحويل قيس سعيد لظاهرة فريدة يحتفي بها المواطنون والصحافة والميديا في العالم العربي وخاصة في الدول التي يخضع فيها المواطنون إلى سلطة سياسية قهرية.

لكن السؤال الذي يجب طرحه: هل امتنع قيس سعيد حقًا عن الاتصال؟ لقد تمخضت الأدبيات البحثية في علوم الاتصال على أن اللااتصال حالة غير ممكنة. لماذا؟ لأن الاتصال لا يمكن اختزاله في اللغّة أو في ما يُسمّى "الاتصال اللغوي"، فهو سلوك دال يمكن فهمه وتأويله. والاتصال، على هذا النحو، يشمل اللغة (الكلام) ولكن أيضًا الجسد وتعبيراته وحتى الامتناع عن الكلام والصمت. بذلك، مارس قيس سعيّد اتصالًا ذكيًا بشكل مدرك وواع أو غير مدرك وغير واع.

الرئيس-الشعب

انشغل قيس سعيّد طيلة السنوات الأخيرة ببناء هوية أو صورة سياسية متمايزة عن النخب السياسية مقدمًا نفسه على أنه رجل بلا حزب أو ماكينات، ومتحرر من كل المصالح والشبكات التي ازدهرت في عالم السياسة. ويقدم نفسه على أنه رجل حر ذو كلمة حرة، ومتصل بالشعب ومتواصل معه بلا وسائط. ويبدو أنه بلغ ما يريد إليه بما أنه طور قدرة بالغة على التقمص (L’incarnation)، وهي قدرة فائقة الأهمية في الاتصال السياسي.

من المشروع تصنيف سعيّد ضمن فئة السياسيين الشعبوبيين، والشعبوية ليست من منظورنا شتيمة أو قدحًا بل هي توصيف موضوعي لأسلوب سعيّد المرشح ثم رئيس الدولة من جهة مضامين خطابه السياسي

اقرأ/ي أيضًا: خطاب قيس سعيّد بعد آداء اليمين رئيسًا لتونس.. حماسة وتحديات كبرى منتظرة

يعتبر سعيّد حالة يمكن أن نتبيّن من خلالها تحوّل مبدأ التمثيل السياسي في الديمقراطية التونسية، فهو يقدم نفسه على أنه سياسي غير نمطي تجاوز مبدأ التمثيل (la représentation) بمعناه التقليدي لأنه لا يريد أن يمثل طبقة اجتماعية ما (الفقراء مثلًا أو الشغالين) ما أو حزب ما أو أيديولوجيا (الحداثة أو الهوية العربية الإسلامية) أو مصالح أو تيار فكري أو حقبة زمنية ما (الماضي مثلًا). يريد سعيّد أن يكون عابرًا لكل التيارات والمذاهب والمصالح والطبقات في حالة انصهار كامل مع الشعب، بل هو يكاد يكون من منظوره "الشعب مجسدّا" (le peuple incarné) أو "تجسيدّا للشعب".

يقول قيس سعيّد في خطابه الذي توجه به إلى التونسيين بمناسبة السنة الإدارية الجديدة 2020: "لقد فتح شعبنا العظيم مرحلة جديدة في التاريخ وليس لأحد الحق في أن يخيب آماله وتطلعاته"، ولا شكّ أن سعيّد يعني بهذه المرحلة التاريخية الجديدة انتخابه رئيسّا للجمهورية الذي يرى فيه تجسيدًا مباشرًا لإرادة الشعب، كل الشعب.

كلمة قيس سعيّد بمناسبة السنة الإدارية الجديدة 2020

هكذا يصبح من المشروع تصنيف قيس سعيّد ضمن فئة السياسيين الشعبويين، والشعبوية ليست من منظورنا شتيمة أو قدح بل هي توصيف موضوعي لأسلوب سعيّد السياسي المرشح ثم رئيس الدولة من جهة مضامين خطابه السياسي، ومن جهة أسلوبه (style) في ممارسة السياسة. إن الشعبوية ليست شتيمة أو استنقاصًا أو تجريحا حتى أن أغلب الباحثين يمتنعون عن إدانة الشعبوية أو الاحتفاء بها، بل يرى بضعهم أن الشعبوية يمكن في أن تعزز الاهتمام بقضايا مغيّبة من طرف النخب (السياسية والصحفية) المسيطرة على المجال العمومي في الوقت ذاته التي يمكن أن تؤدي فيه إلى تفكيك الفضاء السياسي وإعاقة التوافق السياسي وتهديد مؤسسات الديمقراطية (أنظر هذه الدراسة بعنوان "الشعوبية كتعبير عن محتوى الاتصال السياسي وأسلوبه: منظور جديد").  

لقد أولت العلوم السياسية اهتمامًا كبيرًا في السنوات الأخيرة  لدراسة الشعوبية، ثم جاء الاهتمام بالاتصال السياسي الشعبوي أو بممارسة الشعبويين للاتصال السياسي، وتشير الدراسات التي اهتمت بالشعبويّة في علاقتها في الميديا والاتصال إلى أنها تتخذ أشكالًا ومظاهر مختلفة وفق المجتمعات والثقافات. ووضع الباحثون مؤشرات لتوصيف الأسلوب الشعبوي ولقياسه منها الاستناد في الخطاب إلى اتخاذ الشعب كمرجعية، واستبعاد جماعات بعينها ومناهضة النخب (Antiélitisme)، وتوظّف "الشعبوية الشاملة" هذه العناصر الثلاثة كلها.

أما "الشعبوية الإقصائية"، فتتضمّن الاستناد إلى الشعب وإقصاء جماعة ما في حين تكتفي الشعبوية الدنيا باعتماد "الشعب" كمرجعية. ويمكن أن نصنّف قيس سعيّد في الصنف الثالث لأن خطابه يقوم أساسًا على الاحتفاء بالشعب واتخاذه (في الخطاب) معيارًا ومقياسًا لكل شيء، وإدانة النخب السياسية أحيانًا كما فعل في خطابه في سيدي بوزيد عندما قال بوضوح إن "المجتمع تقدم على النخب السياسية المهووسة بالسلطة والمنشغلة بالمؤامرات".

خطاب سيدي بوزيد

في هذا الإطار، يمكن أن نفهم إصرار قيس سعيّد على رفض السكن في قصر قرطاج، مقر الرئاسة، مكتفيًا أو محافظًا على سكنه العائلي الذي يعود إليه يوميًا، وهي رسالة قوية يسعى من خلالها إلى المحافظة على قدرته على تقمص أدوار السياسي القريب من الشعب أو ابن الشعب الذي يعود في آخر اليوم إلى أحضان شعبه.

 وجد قيس سعيّد نفسه أمام امتحان عسير بعد صعوده إلى قرطاج: الانتقال من حالة السياسي "المتفرد" والرومانسي و"المتمايز" عن السياسي التقليدي إلى حالة المسؤول السياسي المندمج في المؤسسات

وهو يستقبل المسيرات الشبابية (من القصرين مثلًا) التي تأتي على الأقدام  للاتصال به بلا وسطاء وليستمع إليهم، ويذكّرهم سعيّد ببعض أطوار حملته الانتخابية التي يرويها وكأنها ملحمة عندما كان يحضر الاجتماعات التي يديرها الشباب بنفسه كما يقول. كما يكرّر فكرته الأساسية أي الحكم المحلّي لأن الشعب "يعرف ما يريد" لكنه في الوقت ذاته يستمع إليهم. وتبدو الجلسة مع شباب القصرين وكأنها تجسيد حيّ لأسلوب الاتصال الشعبوي الذي يحرّر العلاقة بين الرئيس والشعب من الوسائط: يتحدّث الرئيس ويقاطعه أحد المشاركين  فتبدو الجلسة وكأنها تفاعلية (أو بالأحرى تقدم كذلك) في إطار علاقة أفقية.

هكذا تمثل إدارة وسائط الخطاب مسألة مهمة لتحليل الاتصال السياسي الرئاسي في الفترة المقبلة: فهل سيعتمد قيس سعيّد مثلًا على آلية المؤتمر الصحفي أو المقابلات الصحفية التلفزيونية على وجه الخصوص لمخاطبة التونسيين أم سيكتفي بالخطاب المباشر دون وسائط الصحافة والميديا؟

التطبيع مع المؤسسة

باعتلائه سدة الحكم الرئاسي، وجد قيس سعيّد نفسه أمام امتحان عسير: الانتقال من حالة السياسي "المتفرد" والرومانسي و"المتمايز" عن السياسي التقليدي إلى حالة المسؤول السياسي المندمج في المؤسسات. يشهد الاتصال لدى سعيّد إذًا بصعوده إلى الرئاسة نقلة تعبر عن امتحان التطبيع مع نظام المؤسسات. وتتمثل النقلة في الانتقال من "العفوية" إلى "المهنية" أو من الاتصال المباشر إلى الاتصال بالوسائط.

هكذا تمثل إدارة وسائط الخطاب مسألة مهمة لتحليل الاتصال السياسي الرئاسي في الفترة المقبلة: فهل سيعتمد قيس سعيّد مثلًا على آلية المؤتمر الصحفي أو المقابلات الصحفية التلفزيونية على وجه الخصوص لمخاطبة التونسيين أم سيكتفي بالخطاب المباشر دون وسائط الصحافة والميديا؟

اقرأ/ي أيضًا: الثورة الثقافيّة مُنجَزٌ أم مشروع للإنجاز؟

عندما أنتقل إلى قصر قرطاج كان لا بد له من مصلحة خاصة بالاتصال تردّد في إحداثها في الأسابيع الأولى، وأصبح بإنشائها لقيس سعيّد مهنيون يديرون الاتصال الرئاسي: يتحدثون باسمه أحيانًا أو بالأحرى يفسرون ما يريد أن يقوله. لكن سعيّد لم يعيّن على عكس سابقيه ناطقًا رسميًا باسمه أو باسم مؤسسة الرئاسة، وهو يمثل نوعًا من الاستمرارية فيما أراد أن يتمايز به السياسيين الآخرين واستمرارًا في تجسيد هذه العلاقة المباشرة وبين الشعب أو بالأحرى في إستراتيجية تقديم نفسه على أنه في حالة اتصال مباشر مع الشعب.

وقد طوّر سعيّد نوعًا من الاتصال العفوي يقوم على إلغاء الوسائط التكنولوجية أو الإنسانية التي يبدو أنه لا يطيقها، وكأنه يبحث عن إبراز هذه العلاقة المباشرة الانصهارية بينه وبين "الشعب التونسي العظيم" كما يردده في خطابه.

"الجسد الرئاسي"

أولى الباحثون مكانة هامة لدراسة "الجسد" في الاتصال السياسي، فرئيس الجمهورية (والسياسي بشكل عام) ليس خطابًا مجردًا، فهو ليس "عقلًا" يخاطب "العقول" بل هو أيضا ملمح، وصوت، وملبس، وحركات يدين أي جسد مادي وجسد رمزي: جسد مزدوج يستخدم في الاتصال السياسي كمكمن قوة ويوظف بالقوة ذاتها التي يوظف بها البرنامج السياسي بل أكثر منه أحيانًا عديدة (انظر هذه الدراسة عن الجسد في الاتصال الرئاسي في الانتخابات الفرنسية 2007).

حافظ قيس سعيّد على نفس الملبس الصارم وهذا أمر طبيعي لأن وظيفة رئاسة الجمهورية تقتضي صرامة الملبس، البدلة ذات اللون الداكن وربطة العنق، لكن الرئيس الجديد ليس دائمًا صارمًا وباردًا بل يمكن أن يجعل مشاعره تفيض عندما يلتقي الشباب الذي يأتون لملاقاته. عندئذ يصبح الرئيس كائنًا شعوريًا فيعانق زائريه عناقًا شديدًا تعبيرًا عن الشعور الباطني لديه بأن الشعب كامن فيه. وعلى هذا النحو، يتحرّر جسد الرئيس الخاضع إلى "كود" (code) صارم من قيوده في "حضرة الشعب".

من العلامات التي تعرّف قيس سعيد الرئيس بما أنه فاعل سياسي متمايز عن الآخرين والتي تصنع هويته أيضًا هو صوته ونبراته وطريقة الإلقاء التي تحولت إلى "معرّف" له

ومن العلامات الأخرى التي تعرّف قيس سعيد الرئيس بما أنه فاعل سياسي متمايز عن الآخرين والتي تصنع هويته أيضًا، هو صوته ونبراته وطريقة الإلقاء التي تحولت إلى "معرّف" له. ويحتل الصوت مكانة هامة في الاتصال الرئاسي بشكل عام، فرئيس الدولة يخاطب الشعب باستمرار في خطب رسمية في مناسبات معلومة (الأعياد الوطنية مثلًا)، كما أن الخطاب الرئاسي ليس نصًا يتلوه الرئيس بل هو أيضًا اتصال.

نظريًا، لا يتكلم رئيس الجمهورية لإيصال معلومات ما إلى الشعب بل يتكلم لإبلاغ رسائل مخصوصة عنه كرئيس (حالته الصحية مثلًا)، وعن مؤسسة الرئاسة (سياساتها)، وعن علاقته بالشعب (ما يمكن أن يعد به المواطنون) وعن حالة البلاد. يواصل قيس سعيد الرئيس في استغلال الكفاءة في الإلقاء كعنصر من عناصر منظومته البلاغية و آلية من آليات التأثير، وهو هنا صوت يُسمع قبل أن يكون وجه يُرى أو خطاب يُفهم. ولعنصر السماع هنا أهمية بالغة في بيئة ثقافية أولت للصوت أهمية بالغة في ترتيل القرآن أو في صوت الآذان، وقد يكون الاعتناء بالإلقاء لدى سعيًد تكتيكًا لتركيز سلطته الرمزية. 

وتعدّ أيضًا الكتابة من العلامات الجديدة التي أضافها رئيس الجمهورية إلى منظومته الاتصالية، وهي عنصر إضافي وتكميلي إلى الصوت واستخدام اللغة العربية. ويكتب الرئيس الجيد رسالة تكليف رئيس الحكومة بخط اليد مستخدمًا الريشة ساعيًا هكذا على تعزيز صورته باعتباره "كائنًا فريدًا حقًا": يجيد الحديث باللغة العربية، يتكلمها بإتقان ويكتبها كالقدامى. وقد تكون لهذه العناصر وقعًا على الكثيرين في مجتمع تراجعت فيه الكفاءة اللغوية كتابة وحديثًا.

خطاب تكليف رئيس الجمهورية لرئيس الحكومة المكلّف الحبيب الجملي

الخلاصة: الاقتصاد في الاتصال ومخاطره

يتعرض الاتصال الرئاسي إلى انتقادات عديدة كما أشرنا إلى ذلك في مطلع المقال، بعضها من صحفيين يريدون أن تكون قنوات الاتصال مع رئاسة الجمهورية مفتوحة على الدوام، إضافة لانتقادات هيئة الاتصال السمعي البصري (الهايكا) لتعطيل حق الصحفيين في النفاذ إلى المعلومة لتغطية الأنشطة الرئاسية وإدانة النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين لـ"سياسة التعتيم" في رئاسة الجمهورية. وقد تكون هذه الهنات والنقائص التي تشير إليها هذه الانتقادات تعبيرًا عن التوجس من الاتصال ومن الوسطاء، السمة البارزة لقيس سعيّد في الحملة الانتخابية، وهذا التوجس هو بذاته تعبير عن إرادة رئيس الجمهورية الجديد في السيطرة على صورته.

التوجس في الاتصال أو بالأحرى الاقتصاد في الاتصال الذي كان عنصر قوة في حملة سعيّد هو الآن قد يكون بصدد التحول إلى عنصر ضعف وتهديد

لكن هذا التوجس في الاتصال أو بالأحرى الاقتصاد في الاتصال الذي كان عنصر قوة في حملة قيس سعيّد هو الآن قد يكون بصدد التحول إلى عنصر ضعف وتهديد، لأن السياق تغير خاصة وأن سعيّد الرئيس أصبح موضوعًا ينظر إليه الجميع في حين كان في الحملة الانتخابية منزوًيا عن أضواء الميديا.

وإضافة إلى تكتيك الاقتصاد في الاتصال، تتواصل إستراتيجية قيس سعيّد (الإرادية او العفوية) فيما يمكن أن نسمّيه "الاتصال الاستعراضي" أو "المشهدي" بواسطة الصوت، ومؤثرات الإلقاء، والكتابة بالريشة، وإلقاء الخطب الحماسية واستقبال شباب الجهات والاحتفاء بهم. في المقابل، إن الوظيفة الرئاسية بما أنها وظيفة قيادية تفترض أن يكون الرئيس قادر على الجمع في الاتصال بين الشكل المضمون مما يعني اتخاذ المواقف الصريحة في سياقات مضطربة يحتاج فيه الناس إلى رسم معالم الطريق، ومن يشير إلى الوجهة التي يجب أن تسير فيها البلاد.

لم تتضمّن حملة قيس سعيّد أفكارًا عن رؤيته للسياسة الخارجية رغم أنها مجال اختصاص حصري لرئاسة الجمهورية لأنه كان يعتقد أنه يمكن أن يستعيض عن البرنامج بما "يريده الشعب". ويبدو أن رئيس الجمهورية الجديد أمام امتحان حقيقي الآن: هل يواصل في اعتماد أسلوب المترشح الذي أوصله إلى الرئاسة (الاقتصاد في الاتصال واعتماد الأسلوب الاستعراضي والتعبيري والشكلي) أم أنه سيواجه امتحان المضمون السياسي أي المواقف الصريحة التي يجب أن يعلن عنها بكل وضوح وهي مسألة أساسية لوظيفة الرئاسة بما أنها وظيفة قيادية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ملف: مستقبل الصحافة التونسية بعد انتخابات 2019 - الحوار مع الجمهور (3/1)

ملف: مستقبل الصحافة التونسية بعد انتخابات 2019 - مجلس الصحافة (3/2)

ملف: مستقبل الصحافة التونسية بعد انتخابات 2019 - سطوة "الكرونيكور" (3/3)