تونس واللغة العربية.. لا تقدّم لمجتمع بغير لغته الوطنيّة

تونس واللغة العربية.. لا تقدّم لمجتمع بغير لغته الوطنيّة

رسالة التكليف من قيس سعيّد إلى رئيس الحكومة المكلّف باستعمال الخط المغربي المبسوط

 

تمثّل اللغة أحد أهمّ المداخل إلى عوالم الإنسان المثيرة، فالمرء بأصغريه قلبه ولسانه، ولولا اللسان لبقيت المكنونات في الصدور. وكما نتكلّم بالفكر فنقدّم معنى ورسالة لمن نتوجّه إليه بالكلام فإنّنا نفكّر باللغة، لذلك لم تكن الجملة مجرّد صيغ تعبيريّة بقدر ما هي منوال تفكير وطريقة في بناء العالم حتّى كاد يكون لكلّ لسان منطقه ولكلّ أمة عقلها. وبهذا المعنى يكون العلم بالشيء قولًا فيه، فتتعدّد المعارف بتعدّد اللغات رغم تقاطعها فيما هو كلّي. وإذا لم تقل عالمك بلغتك واستعرت لغة أخرى فإنّك في حقيقة الأمر تقول غير عالمك، وتستعير عقلًا غير عقلك. وليس في هذا نزعة صفويّة تنغلق على اللغة الأم بقدرما هو تأكيد على أنّ لكلّ لغة عالمها الخاص. من خلال هذه المعارف اللسانيّة بدأ الاهتمام بدور اللغة في نهضة المجتمع وتقدّمه بإدخال عنصر المعرفة في الاقتصاد، حتّى غدت من أهمّ شروط التنمية والتقدّم.

إذا لم تقل عالمك بلغتك واستعرت لغة أخرى فإنّك في حقيقة الأمر تقول غير عالمك وتستعير عقلًا غير عقلك

اقرأ/ي أيضًا: الدولة التونسية واللغة العربية.. خيانة وخرق للدستور

الانتباه إلى أهميّة العربيّة

لم يكن هذا الانتباه إلى أهميّة العربيّة جديدًا، في تونس وفي تاريخ التعليم والمدرسة، ولكنه بدا هذه المرّة رسالة سياسيّة واضحة ومعطى مهمّا في رسم ملامح المشروع الوطني المأمول في السياق الجديد الذي تعرفه بلادنا. فقد جاء "خطاب التكليف" من رئيس الجمهورية قيس سعيّد الموّجّه إلى رئيس الحكومة المكلّف الحبيب الجملي، وهو رسالة مكتوبة بالخطّ المغربي المعروف بالمبسوط، أثرًا فنيًا بخطّ رئيس الجمهوريّة ورسالة سياسيّة مضمونة الوصول أدخلت على الجمهور الواسع معنى جميلًا في حياة سياسيّة صاخبة، وتوجيها لطيفًا إلى المنزلة التي تراها أعلى مؤسسات الدولة للعربيّة. وهي منزلة لم تكن لها في العقود الستّة الماضية حيث كان للفرنسيّة المكانة الأولى في مؤسسات السيادة وتقديمها لغةَ للتخاطب والحوار في مجالس الوزراء والقرار. ويجد من لا يتقن الفرنسيّة من وزراء الحبيب بورقيبة ورجال الدولة عنتًا مشوبًا بنوع من شعور بالاغتراب.  

شدّ قيس سعيّد الأنظار إليه باستعماله العربيّة الفصحى حتّى غدت ميزة لخطابه وملمحًا من صورته في الانتخابات الرئاسيّة، وقد عُرف بها أستاذًا للقانون الدستوري ومشاركًا في الحياة السياسيّة

وقبل رسالة التكليف، شدّ قيس سعيّد الأنظار إليه باستعماله العربيّة الفصحى حتّى غدت ميزة لخطابه وملمحًا من صورته في الانتخابات الرئاسيّة، وقد عُرف بها أستاذًا للقانون الدستوري ومشاركًا في الحياة السياسيّة. قد يرى البعض في هذا المنحى مستوى مما عاشته البلاد من تجاذب هووي عاشته وتعيشه بلادنا غير أنّ السياق يعطيها معنى إيجابيًا مداره على ما تمثّله العربيّة حولها من إجماع جعل منها مشتركًا وطنيًا في سياق انتقال ديمقراطي متعثّر قلّت فيه المشتركات.

وقبل هذا، كان اهتمام بالعربيّة من قبل رئيس الجمهوريّة الأسبق محمد المنصف المرزوقي، فبادر إلى بعث "محراب اللغة العربيّة"، وأتاح الفرصة لثلة من اللسانيين وعلماء العربية العربية ومنظمات وجامعات من أقطار عربيّة متعدّدة ليجتمعوا على تبيّن وضع العربيّة وتأسيس منزلتها وتبيّن دورها في عمليّة التأسيس التي شهدتها تونس مع الثورة. غير أنّ عدم دسترة هذه المؤسسة، وضعف ثقاغة تواصل الدولة بعد انتخابات 2014 همّش التجربة ولم يجعل منها جهدًا يُبنى عليه.

جهود متلاحقة

ولا يمكن أن ننسى في هذا السياق جهود أساتذة أجلاّء كنّا نسميهم "شيوخ الحداثة"، فقد كان لهم دور ريادي في تأسيس العربيّة وإيلائها المنزلة التي هي بها جديرة في المدرسة والجامعة. وأغلب هذا الجيل المؤسس هم من خرّيجي جامعة السربون والجامعات الفرنسية الفرنسيّة العريقة، وأمكن لهم بالانفتاح على علوم اللسان الحديثة وعلوم الأدب المتطورة في أوروبا من أن يورون جدّة القديم من ثقافة البيان وعلوم العربيّة. وكانت الثمانينيات مرحلة خصبة تناغمت فيها السلطة مع اتجاه التعريب الذي كان مطلبًا. والتعريب من أصعب المشاغل وأدقّها فهو ليس مجرد ترجمة جملة من العلوم إلى العربيّة بقدرما هو الوصول بالعربية إلى أن تصبح اللغة التي بها ينتج العلم وتبنى المعرفة.

التعريب من أصعب المشاغل وأدقّها فهو ليس مجرد ترجمة جملة من العلوم إلى العربيّة بقدرما هو الوصول بالعربية إلى أن تصبح اللغة التي بها ينتج العلم وتبنى المعرفة

وفي المستوى العربي، تعدّ مؤسسة "معجم الدوحة التاريخي للغة العربية" وهو إلى جانب الجهود المبذولة في هذا المستوى منذ عصر النهضة العربيّة من مجامع لغويّة وتجارب معجميّة، يعد نقلة علميّة نوعيّة في المعجميّة العربيّة وفي تطوّر الاستعمال في تاريخيّته وما يثبته من تحوّلات في الدلالة الحاملة للمعرفة، فيكون في الآن نفسه تاريخ للعبارة والذاكرة وتاريخ لمسيرة اللغة في تجربة الحياة الحيّة وتاريخًا للمعرفة. وتجعل الانطلاقة العلميّة المؤسسة لهذا المعجم من هذا المشروع عملًا علميًا متواصلًا قد يمتدّ إلى أجيال وأجيال.

اقرأ/ي أيضًا: الكتابة السردية بـ"الدارجة".. جدل قديم متجدد

وللمعجم دور بالغ في تاريخ الشعوب، فقد مثّل في بعض التجارب منطلقًا، ومثّل المعجم في تاريخنا العلمي والثقافي العربي بداية ونشأة، فثقافتنا العلميّة وما حوته من تأليف في العربيّة وعلومها من فقه وفلسفة وكلام وتصوّف وأخلاق كان منطلقها كتاب "العين" للخليل بن أحمد الفراهيدي (تـ 170 هـ)، فكما نشأت الأمة من كتاب نبتت ثقافتها العالمة من معجم. وكان هذا المعجم بمثابة "بداية كاملة" وأصل البدايات ألاّ تكون كاملة. فما قبل الخليل مازال يثير كثيرًا من الأسئلة عنه، أسئلة عن نشأة العلم في العربيّة وعن أصالة هذه النشأة ولا سيما علم النحو. فبعض المستشرقين تمسّكوا بأنّ النحو العربي لم يكن أكثر من صدى للنحو اليوناني، رغم أن أبنية العربيّة من اسم مكان واسم زمان وصفة وإضافة لا تسعف رأيهم.

 كتاب "العين" أصّل الثقافة العربيّة وقد بناه الخليل بعقله الرياضي الفذّ على نظام التقليبات، ولا يختلف ضبطه لمخارج الحروف ودرجة نطقها إلا قليلًا عمّا ضبطته الآلات الدقيقة في عصرنا. وعن الخليل يقول سفيان الثوري: "من أراد أن ينظر إلى رجل خلق من الذهب والمسك فلينظر إلى الخليل بن أحمد".

أهميّة السياسات اللغوية في إنتاج المعرفة وبناء الاقتصاد

ممّا ترويه كتب الأخبار أنّ أعرابيًا دخل إلى السوق، فوجد الناس يلحنون، واللحن هو الخطأ في نطق العربيّة على قواعدها، وقد فشا اللحن عندما دخلت أمم من غير العرب في الإسلام ، فكان تقعيد العربيّة ضرورة. لمّا لا حظ الأعرابي هذا اللحن المنتشر بين الناس في السوق، والسوق مجال للتبادل الاقتصادي، قال متعجّبًا مستنكرًا: "أيلحنون ويربحون؟" فهو يعجب من هؤلاء وكيف لهم أن يتواصلوا ويتفاهموا مع هذه الأخطاء الكثيرة في الكلام وإنتاج المعنى. وبلغة معاصرة يمكن أن نجمل كلام الأعرابي في أنّ الخطأ اللغوي هو خطأ اقتصادي.

تكشف دراسة للبنك العالمي عن أنّ اللغة العلميّة تعادل المال اقتصاديًا ومن ثمّ فإنّ النمو يكون في رفع منسوب المعرفة وليس في المساعدات الإنسانيّة

في هذا السياق، تأتي أطروحة الدكتور محمد فوزي المراياتي أستاذ تكنولوجيا المعلومات وقد قدّمها محاضرة في ندوة "محراب اللغة العربيّة" في 2014، وهي أطروحة عن التنمية المستدامة ومجتمع المعرفة يشدّد فيها على دور اللغة في الاقتصاد.  

من تعريفات الاقتصاد أنه النشاط الجماعي الإنتاجي المستند إلى معرفة، ويستدعي هذا التعريف ثنائيّة مهمّة كثيرة الدوران في الخطاب السياسي حين يكون موضوعه التنمية هي ثنائيّة مجتمع المعرفة/اقتصاد المعرفة. فالمجتمع الذي ينتج معرفة وينشرها ويستثمرها في تجويد الحياة ورفع مستوى المعيشة يسمّى مجتمع المعرفة. ويسمّى الاقتصاد الذي تكون فيه المعرفة العامل الرئيسي للإنتاجيّة والنموّ اقتصادَ معرفة. ويذهب الاقتصاديّون إلى أنّ الحالة المثلى تكون بوجود توازن بين المعرفة والاقتصاد، لأنّه قد يحصل التقدّم الاقتصادي دون أن يرافقه تقدّم اجتماعي. وهذا ما أدركه الكوريون الذين يملكون العدد الأكبر من براءات الاختراع ولكنّ إغفالهم البعد القيمي والثقافي والاجتماعي أحدث خللا في النموّ.

والمحصّلة هي أنّ لعنصر المعرفة تأثيرًا واضحًا على نسبة النمو. وتكشف دراسة للبنك العالمي عن أنّ اللغة العلميّة تعادل المال اقتصاديًا ومن ثمّ فإنّ ما النمو يكون في رفع منسوب المعرفة وليس في المساعدات الإنسانيّة. ويتأكّد هذا الأمر في المبادلات الاقتصاديّة فالسلعة المعروضة تتكوّن من المواد التي استهلكت في صنعها ومما وضع فيها من معرفة، وغالبًا يكون ثمن المعرفة أرفع بكثير من ثمن مادّة.

 نكتشف في مشاريع إصلاح التعليم في بلادنا وسائر بلدان المغرب العربي أنّها تصرّ على أن تجعل اللغات الأجنبيّة كالفرنسيّة أو الأنقليزيّة لغة للمعرفة

وتعتبر اللغة في اقتصاد المعرفة كالمال، ولكليهما (اللغة والمال) وظيفة تواصليّة تبادليّة، فالمال ييسّر انتقال السلع في حين تيسّر اللغة انتقال المعرفة. ولهذا التصورّ تأثير حقيقي في تعريف الاقتصاديين للثروة، فهي عندهم مادية ورمزيّة معرفيّة. فإذا كانت اللغة المستعملة في العلم والمعرفة أجنبيّة فإنّ شللًا يصيب الأداة الناقلة. وبهذا المعنى يجب أن تدرك اللغة على أنّها شأن اقتصاديّ فضلًا عن أنّ كثيرًا من قوانين النقد وسياساته تنطبق تمامًا على قوانين اللغة وسياساتها، وهذا ما يجعل التنمية الاقتصاديّة تتناسب طردًا مع تراكم رأس المال المادّي وتراكم رأس المال اللغوي. ومثلما توجد عملة موحّدة يجب أن تكون هناك لغة موحّدة هي اللغة الوطنية، وليس شرطًا أن تكون لغة المدرسة هي لغة الأم (البيت) فاللهجة الدارجة ظاهرة تعرفها كلّ اللغات، نجدها في الفرنسيّة والأنقليزيّة وغيرهما، كما هو في العربيّة.  

من خلال هذا التصوّر لعلاقة المعرفة بالاقتصاد، يمكن بناء سياسات لغويّة مثل الدول التي حقّقت نموًا بواسطة لغاتها الوطنيّة كان لها معاهد مختصّة في سياسات اللغة. في حين نكتشف في مشاريع إصلاح التعليم في بلادنا وسائر بلدان المغرب العربي أنّها تصرّ على أن تجعل اللغات الأجنبيّة كالفرنسيّة أو الأنقليزيّة لغة للمعرفة والعلم. حتّى أنّ ما قام من "تعريب العلوم" كالطب والرياضيات وغيرهما لم يكن مستندًا إلى سياسة لغويّة تدرك ما بين المعرفة والاقتصاد من وشائج، فكان التعريب عائقًا أخر في سبيل نقل المعرفة أو نقلها مشوّهة. وقد يكون هذا الانتباه إلى أهميّة اللغة في سياقنا السياسي الجديد ولو في مستوى "عامّي" مقدّمة لإدراكه في مستوى "عالم".                           

          

اقرأ/ي أيضًا:

الفرنكفونيون في تونس..."أيتام فرنسا"؟ (2/1)

الفرنكفونيون في تونس..."أيتام فرنسا"؟ (2/2)