بعد نتائج الانتخابات التونسية، هل انتهى عهد الأحزاب التقليدية؟

بعد نتائج الانتخابات التونسية، هل انتهى عهد الأحزاب التقليدية؟

أكدت انتخابات 2019 ضعف ثقة التونسيين في الأحزاب الحاكمة والمعارضة على حد السواء (ياسين القايدي/وكالة الأناضول)

الترا تونس - فريق التحرير

 

جاءت نتائج الانتخابات الرئاسية، بتصدّر المرشح المستقل قيس سعيّد للدور الأول وثم فوزه الساحق بنسبة 72.7 في المائة في الدور الثاني، عاصفة بالآلات الحزبية والماكينات المالية وحتى المدارس الأيديولوجية، بفوز أستاذ القانون الدستوري القادم من الجامعة حاملًا في خزانه الانتخابي 90 في المائة من فئة الشباب التي قيل دائمًا إنها عازفة عن الحياة السياسية.

صوّت 2.7 مليون تونسي للأستاذ "النظيف" الذي رفض التمويل العمومي لحملته الانتخابية، ولم يلتق أي تمويل أجنبي، وقاد حملة تطوع فيها مؤيدوه بتمويل ذاتي ليقودوا مرشحًا لم ينتمي يومًا لحزب سياسي إلى قصر قرطاج.

جاءت نتائج الانتخابات الرئاسية، بتصدّر المرشح المستقل قيس سعيّد للدور الأول وثم فوزه الساحق بنسبة 72.7 في المائة في الدور الثاني، عاصفة بالآلات الحزبية والماكينات المالية وحتى المدارس الأيديولوجية

اقرأ/ي أيضًا: هل قوّضت الانتخابات التشريعية والرئاسية نظرية "العروشية"؟

وكانت أحزاب سياسية زلزلها، منذ الدور الأول للرئاسية، ترشح كل من المستقل قيس سعيّد وكذا نبيل القروي باعتبار أن حزبه "قلب تونس" حديث النشأة، إلى الدور الثاني. هو زلزال شمل مختلف الأحزاب الفاعلة في البلاد بدرجة متفاوتة، فحركة النهضة خسر مرشحها في الرئاسيات وتراجعت كتلتها في التشريعية (52 مقعدًا مقابل 69 في انتخابات 2014) وإن تصدرت النتائج البرلمانية.

وفي المقابل، سقطت بعض الأحزاب سقوطًا مدويًا على غرار حزب نداء تونس الذي أسسه الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي الذي نال 3 مقاعد فقط تشريعيًا بعد نيله 86 مقعدًا في انتخابات 2014، كما تراجعت بشكل لافت مقاعد أحزاب "تحيا تونس" و"مشروع تونس" و"آفاق تونس"، فيما تلقت الجبهة الشعبية ضربة قاسية بعدم نيل إلا على مقعد وحيد.

للبحث في خفايا هذا المشهد السياسي الجديد، حاور "ألترا تونس" الكاتب والباحث توفيق المديني، والباحثة صاحبة الدكتوراه في الميديا والاتصال أروى الكعلي.

توفيق المديني (كاتب وباحث): نشأة تيار عقابي جارف

يرى الكاتب والباحث التونسي توفيق المديني أن نتائج انتخابات 2019 تعلن عن "نشأة تيّار عقابيّ جارف ورافض يسائل المنظومات الحاكمة وكذلك المعارضة". وأضاف، في حديثه معنا، أن الناخب التونسي عاقب الطبقة السياسية من خلال صندوق الاقتراع بعد أن قرر إخراجها من دائرة اختياراته، وهو ما سيؤدي إلى إنهاء الحياة السياسية لعدة قيادات حزبية وحل أحزاب، وفق تقديره.

ويعزو أسباب ما يسميها بـ"ثورة صناديق الاقتراع" ضد أحزاب المنظومة القديمة إلى جملة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية لعل أبرزها عجز كل الحكومات المتعاقبة وآخرها حكومة يوسف الشاهد عن حل الأزمات التي تعاني منها تونس على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي لا سيما حل مشكلة البطالة.

توفيق المديني: نتائج الانتخابات التونسية عبرت عن تصدع في جدار الثقة بين المواطنين التونسيين والأحزاب الحاكمة والمعارضة

كما أكد محدثنا أن هذه الحكومات لم تنجح في مقاومة الفساد الذي تغلغل في مفاصل الدولة ولم تستطع أي منها وضع خطة محكمة لمقاومته بالإضافة الى غياب استراتيجية واضحة للحوكمة الرشيدة على حد تعبيره.

وأضاف توفيق المديني، في حديثه لـ"ألترا تونس"، أن هذه النتائج عبرت عن تصدع في جدار الثقة بين المواطنين التونسيين والأحزاب الحاكمة والمعارضة مبينًا أن تونس أمام منعرج مهم قائلًا إن "إسقاط المنظومة القديمة الفاسدة والعاجزة هو نصف الطريق".

وأكد، في هذا الجانب، أن النجاح الحقيقي، برأيه، يُقاس بـ"مدى قدرة الشباب والنساء والفئات الفقيرة والمهمشة والقوى الوطنية الديمقراطية من الطبقة الوسطى على بناء كتلة تاريخية شعبية جديدة تستوعب الدرس من نتائج الانتخابات وتقدم أجوبة واقعية وعقلانية في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية التي تواجهها تونس".

أروى الكعلي (باحثة في الميديا والاتصال): تراجع الثقة في المنطق الحزبي ككل في تونس

واعتبرت، من جهتها، الباحثة في الميديا والاتصال أروى الكعلي أن أداء كل الأحزاب السياسية التونسية طوال ثماني سنوات لم ينته فقط إلى تراجع الثقة في هذه الأحزاب بعينها أو في قيادييها "بل في سقوط كامل للمنطق الحزبي إلى حد أصبح فيه التنظيم في إطار حزب أمرًا ذا طابع سلبي" مشيرة مثلًا لشعار حملة "عيش تونسي" وهو "ماتخافوش أحنا ماناش حزب".

وهو ما تعتبره الباحثة أمرًا طبيعيًا على اعتبار ان العقل البشري يميل إلى التعميم من أجل الاستفادة من المعارف المخزنة في اتخاذ القرارات اللاحقة. وانطلاقًا من هذا التعميم، يأتي استبطان بأن المشكل هو في الأساس في الحزب كهيكل وطريقة تنظم وليس في هؤلاء القادمة أو السياسيين.

أروى الكعلي: الملفت في الديمقراطية التونسية الناشئة أنها تواجه التحديات التي تواجهها حاليا ديمقراطيات عريقة

وترى الكعلي، في حديثها لـ"ألترا تونس"، أن هذا الأمر ليس بخصوصية تونسية لكن الملفت في الديمقراطية التونسية الناشئة أنها تواجه التحديات التي تواجهها حاليا ديمقراطيات عريقة مثل الديمقراطية الفرنسية على سبيل المثال، التي خبرت تداول الأحزاب على السلطة لعقود واهترأت فيها الأحزاب إلى درجة باتت تبحث فيه منذ سنوات عن بديل للتنظم الحزبي التقليدي على اليمين وعلى اليسار.

اقرأ/ي أيضًا: مع إعادة النبش في العلاقات مع فرنسا.. عودة مصطلح "الصبايحية" إلى الواجهة

ولكن هذا لا ينفي الخلل في المنظومة الحزبية في تونس، على حد تعبيرها، ويظهر هذا الخلل من خلال عرضين أساسيين الأول هو ما اصطلح على تسميته بـ"السياحة الحزبية" أو هذا الانتقال من حزب لآخر لا على أساس القناعات والمواقف بل على أساس المصالح التي تكون في أحيان ضيقة لا تتجاوز مصلحة الشخص نفسه. وذكرت أن بعض القيادات انتقلت من اليسار إلى الوسط (مثال ذلك أمين عام حزب المسار سابقًا سمير بالطيب) وقيادات أخرى كثيرة تنقلت من حزب إلى آخر حسب تقديراتها لأسهم كل حزب (الإقبال على الانضمام لحزب تحيا تونس).

اما العرض الثاني، حسب محدثتنا، يتعلق بتقديم الفوز في الانتخابات على الحكم فالأمر الوحيد الذي نجحت الأحزاب في القيام به برأيها هو العمل على الفوز في الانتخابات.

وتضيف في هذا الجانب :"هنا لا يجب أن ننسى أن الحزب في تعريفه البسيط هو مجموعة من الأشخاص تجمعهم نفس الأيديولوجيا أو المواقف السياسية، وهؤلاء الأشخاص يحاولون الوصول إلى السلطة وتطبيق أجندتهم عبر الانتخابات لذا فإن البحث عن الفوز في الانتخابات هو ما وجدت الأحزاب من أجله ولكنها تفوز لتحكم ولتطبق مبادئها وبرنامجها لا أن تبقى في الحكم فقط".

وتقول إن الأحزاب التونسية بات الفوز في الانتخابات الغاية في حد ذاتها بدل أن يكون الوسيلة، وذلك إلى جانب أعراض أخرى مثل نوعية الخطاب السياسي وأسلوب اتصال السياسيين ببعضهم البعض وغيرها.

أروى الكعلي: البحث عن الفوز في الانتخابات هو ما وجدت الأحزاب من أجله ولكنها تفوز لتحكم ولتطبق مبادئها وبرنامجها لا أن تبقى في الحكم فقط

وكل ذلك حسب الباحثة في الميديا والاتصال مهّد الطريق أمام صعود قيس سعّيد البعيد عن أحزاب الحكم والمعارضة، وهو ما يفسر أيضًا صعود شخصيات وأخرى وإن لم تحظ بمراتب متقدمة مثل رئيس حزب الاتحاد الشعبي الجمهوري محمد لطفي المرايحي أو الكاتب الصحفي الصافي سعيد المدعوم من حركة الشعب، وقد انتخب الناس هذين السياسيين لشخصيهما وليس للأحزاب داعمة لهما، وفق تقديرها.

وتعتبر محدثتنا أن تفسير فوز قيس سعيّد في الانتخابات "مسألة معقدة لأن ذلك مرتبط بوقوفه على النقيض من منطق الحزب تماما فهو لا يعتمد أي شكل من أشكال التنظيم بل يصور لك نفسه على أنه بمثابة المغناطيس الذي جذب إليه مجموعة من الشباب الذين قادوا هم حملته" وفق تعبيرها، مضيفة أن ذلك ما يجعله "مناقضًا تمامًا لمنطق الحزب والأحزاب في تونس".

والأمر الثاني المناقض الذي يطرحه سعيّد هو أنه لا يطرح مشروعًا أو قائمة طويلة من النقاط التي يتشابه فيها كل المرشحين بل يقدم مقترحات مناهضة تمامًا للمنظومة، ويردد أنه ليس لديه برنامج بل إن برنامجه سيضعه الشباب، وتعتبره الكعلي هنا أنه "مغرق في المثالية على عكس الأحزاب التي تدور حولها شبهات الفساد والمحسوبية وعلوية المصالح الشخصية وغيرها".

وعلى عكس الأحزاب التونسية التي بدت كائنات متحولة تتسع وتتقلص تغادرها شخصيات وتنضم لها شخصيات بما في ذلك حركة النهضة، تقول محدثتنا إن قيس سعيّد "هو شخص واحد يقدم أفكارًا واضحة طوال سنوات لم تتغير وهو غير براغماتي على عكس غالبية الأحزاب المغرقة في البراغماتية حتى أحزاب تأنى بنفسها عن الحسابات كانت براغماتية وكان لها حساباتها مثل التيار الديمقراطي في مواقف مختلفة مثل موقف التيار من تعديل القانون الانتخابي أو من الحرب على الفساد".

أروى الكعلي: نجاح "قلب تونس"  لا يعود للحزب في حد ذاته بل لأمرين أساسيين هما تقديم المساعدات الخيرية مباشرة إلى المواطنين وتأمين سهرات المواطنين من خلال مسلسلات تركية مدبلجة 

أما في الانتخابات التشريعية، تقول الباحثة في الميديا والاتصال لـ"ألترا تونس": "يبدو للوهلة الأولى أن الأحزاب قد استعادت عافيتها ونجحت في أن تحتل المراتب الأولى وتحصد أكبر عدد من المقاعد ولكن هذا الانطباع الأول يستوجب منا التوقف عند مؤشرات عدة أولا هنالك أحزاب انتهت تمامًا مثال ذلك نداء تونس وأحزاب فقدت نصف مؤيديها مثل النهضة وأخيرًا قلب تونس الذي لا يمكن أن نصنفه على أنه حزب من وجهة نظرنا".

وتذهب الباحثة الى أن نجاح "قلب تونس" ونبيل القروي لا يعود للحزب في حد ذاته بل لأمرين أساسيين هما تقديم المساعدات الخيرية مباشرة إلى المواطنين، وتأمين سهرات المواطنين من خلال مسلسلات تركية مدبلجة إلى اللهجة التونسية قائلة "وليس تقديم المساعدات العينية وضمان الأمسيات الترفيهية من مهام الأحزاب أو من أسباب تشكلها فقلب تونس ليس بحزب بقدر ما هو غطاء حزبي لنبيل القروي ومن التفوا حوله" وفق تعبيرها.

وتختم أروى الكعلي حديثها معنا، بالإشارة إلى أن حركة النهضة وإن كانت حزبًا مكتمل الملامح، فهو لم يخض حملته على أنه حزب بقدر ما خاضها بشكل هلامي مقدمًا وعودًا متعلقة بتحالفاته المستقبلية وبهويته أكثر منها ببرامج واضحة ومحددة، حسب تقديرها.

بالنهاية، أفرزت انتخابات 2019، رئاسيات وتشريعيات، مشهدًا سياسيًا جديدًا سيؤسس لخمس سنوات قادمة يأمل صانعوه من المنتخبين أن يكون كما يحلمون مع وعد المنتصرين بتغيير جذري وسط انتظارات واسعة لنتيجة هذا المخاض العسير.

 

اقرأ/ي أيضًا:

قراءة تفسيرية في الاستراتيجيات الاتصالية لقيس سعيّد ونبيل القروي

العزوف الانتخابي.. صدى الأصوات الغاضبة من "السيستام"؟