مع إعادة النبش في العلاقات مع فرنسا.. عودة مصطلح

مع إعادة النبش في العلاقات مع فرنسا.. عودة مصطلح "الصبايحية" إلى الواجهة

يُطلق لفظ "صبايحي" قبل الاستقلال على العميل المحلي الذي يعمل لحساب الفرنسيين (صورة أرشيفية/Getty)

 

"ماكينة الصبايحية "، و"أحفاد الصبايحية" و"مازال الصبايحية في تونس"، هي عبارات تتكرّر اليوم في إطار الحملات الانتخابية، سواء في الانتخابات الرئاسية وكذا التشريعية. ولكن كيف عاد هذا النعت الذي خلنا أنّه ولى منذ الاستقلال؟ ولما يتجدد خلال كلّ حملة انتخابية تُذكر فيها فرنسا كعدو أو كحليف مهم لتونس؟ ومن هم "الصبايحية"؟ وأي عار يُلحق بهذا الوصم الذي يستهدف كل متهم بالولاء لفرنسا؟

اقرأ/ي أيضًا: فرنسا مطالبة بالاعتذار والتعويض عن جرائمها بحق التونسيين.. هل ترضخ؟

من هو "الصبايحي"؟

لفظ "صبايحي" (sipâhi)، بداية، أصلها تركي وتعني الجندي، وهي مأخوذة من اللفظ الفارسي "سپاهي" وانتقلت إلى اللغة الفرنسية ( Spahi)، وهو الشخص الذي يتوسّط بين الاحتلال الفرنسي والسكان المحليين في البلدان المستعمرة. وبذلك باتت "الصبايحية" نعتًا يطلق على فرق عسكرية خيالة، وتسمى في الجزائر بـ"السبايسية" و"الزواف"، أسستها فرنسا في معسكراتها الاستعمارية شمال أفريقيا في تونس والجزائر كجيش عميل لها، بعد اقتناص الفكرة من الكتائب العثمانية.

إذ ظهرت هذه الكتائب لأول مرة في القرن السابع عشر في فترة حكم حمودة باشا الحسيني في تونس، وفي عهد علي خوجة باي حاكم قسنطينة. ولم تكن فيلقًا حربيًا حينها، بل كانت فريقًا من المشاة تعمل على حراسة المناطق المنتجة للحبوب والطرق المؤدية إلى الحدود الجزائرية، وتحرس الباي وترافقه في تنقلاته داخل البلاد والخروج مع المحلة. ثمّ بعد الاحتلال الفرنسي للجزائر قام الجنرال كلوزيل في 31 مارس/آذار 1831 بإعادة تشكيلها وتأهيلها حربيًا ونفسيًا وتدريب عناصرها المنتدبين من بين السكان المحليين على عقيدة الولاء التام لفرنسا.

يُطلق لفظ "الصبايحي" على الشخص العميل التي يتوسّط بين الاحتلال الفرنسي والسكان المحليين في البلدان المستعمرة لاستهداف المقاومين

كانت وظيفتهم خلال الحكم العثماني هي الوساطة بين الدايات والأهالي، ولكن تطورت بعد الاحتلال الفرنسي لتصبح الولاء للمستعمر عبر تجنيد الشباب للانخراط في الجيش الفرنسي لمحاربة أعداء فرنسا من المقاومين. وكان المنخرطون في السابق في "فيلق الصبايحية" من عامة الناس إلى أن أصبح الانخراط محصورًا نوعًا ما في أبناء الأعيان والشيوخ. كما أنّ لباس الصباحية يرمز إلى علم فرنسا فكان هناك برنوسان واحد أبيض والثاني أحمر، أما السروال فكان أزرقًا، أما السلاح فكان ممثلا في سيف وبندقية.

ومن شروط الالتحاق بهذا الفيلق العسكري هو بلوغ سن السادسة عشر إلى غاية الأربعين. وامتلاك الراغب في الانخراط لحصان يصلح للحرب، وأن يكون قويّ البنية الجسدية. وعلى المترشح أن يجهر علنًا بانخراطه أمام الضابط المقتصد وأحد نوابه من المحليين على أن يكون هناك شاهدان على ذلك. كما أنّ المترشح يقسم على القرآن بولائه لفرنسا، لذا كان "الصبايحية" في دول المغرب نموذجًا للخيانة والعمالة، يمقتهم الشعب.

لم تختف التسمية من تونس بعد الاستقلال، بل أطلقت على بعض المناطق في جهات بتونس على غرار "دوار الصبايحية" من معتمدية سببية بولاية القصرين ومنطقة "وادي الصبايحية" بولاية زغوان ومنطقة الصبايحية ببوحجلة بولاية القيروان دون معرفة سبب التسمية في هذه المناطق بالذات على الرغم من الوصم السيء للكلمة.

ومازالت تطلق التسمية أيضًا على العديد من الأشخاص لوصفهم بالخيانة أو العمالة لجهة ما. لكنّها لم تكن دارجة كثيرًا قبل الثورة خاصة في سياق استبدادي يمنع النقد العلني للعلاقات التونسية الفرنسية، ولم يكن موضوع الولاء لفرنسا من المسموح طرحه في النقاش العام.

"صبايحية" النظام السابق  

بعد أن كان النعت يوجه لكلّ عميل لفرنسا أو داعم لها، أصبح لفظ "الصبايحية" بعد الثورة يطلق على كلّ من هو ضدّ الثورة أو لا يزال مواليًا للنظام السابق.

وقد أنشأ نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي عدّة صفحات تحت مسمى "الصبايحية" أو "الصبايحي" لنقد كلّ من يُعتبر مواليًا لفرنسا أو مواليًا للنظام السابق ولـ"فضح" والسخرية من فئة تصنّف ضمن خائني الثورة وإرادة الشعب.

 أصبح لفظ "الصبايحية" بعد الثورة يطلق على كلّ من هو ضدّ الثورة أو مازال مواليًا للنظام السابق

وانخرط حتى بعض السياسيين والإعلاميين والنشطاء السياسيين ضمن موجة النقد، باستعمال هذا اللفظ لوصف كلّ من يرون أنّه ضدّ الثورة أو مدافعًا عن فرنسا ومصالحها في تونس. ففي ماي/آيار 2017، كتبت الناشطة السياسية أم زياد في تدوينة لها منتقدة خطاب رئيس الجمهورية الراحل الباجي قائد السبسي حول أحداث الكامور قائلة "الصبايحية لا يصنعون وحدة وطنية، ماناش ملي يذلو، الرخ لا".

فيما نشر النائب ياسين العياري تدوينة في سبتمبر/أيلول 2016 لتعريف الصبايحي بأنّه "ابن بلد ممن يضطهدهم المستعمر، وينجح المستعمر في ترويضه، إما عبر الإغراء بفتات أو بإقناع التعامل مع القوي حكم، وميزان القوى". وتابع أنّ "المطلوب من الصبايحية، أن يعوا أنهم فقط صبايحية، كلاب حراسة وأنهم من المفروض أبناء بلد دورهم مقاومة المستعمر، لا مقاومة من يقاوم المستعمر فمكانهم في بناء الوطن محفوظ والمقاومون يريدون إيلام المستعمر، لكنهم من يتصدر الصفوف ليحميه".

اقرأ/ي أيضًا: الجرائم الفرنسية ضدّ التونسيين والثأر غير المنسي

الانتخابات ونعت "الصبايحي"

لم يسلم بعض المترشحين من النقد والاتهام بالولاء لفرنسا خاصة ممن حملوا أو مازالوا يحملون الجنسية الفرنسية على غرار يوسف الشاهد ومهدي جمعة وياسين إبراهيم، أو أولئك القادمين من فرنسا للترشح في الانتخابات التشريعية، أو من لم يُخفوا مواقفهم في دعم يُعتبر "مشبوهًا" لفرنسا.

كما بات ينعت بعض الإعلاميين والمعلقين الصحفيين (الكرونيكور) بـ"الصبايحية" أيضًا لما اُعتبر ترذيلهم لدعوات بعض المترشحين لكشف حساب العلاقات الفرنسية التونسية.

وكان في السياق الانتخابي، قد دعا سيف الدين مخلوف رئيس "ائتلاف الكرامة" فرنسا للاعتراف بجرائمها زمن احتلالها لتونس والاعتذار عنها إضافة إلى مراجعات ما يصفها بالاتفاقيات الاستعمارية الممضاة بين البلدين.

تدخل فرنسي في الانتخابات؟

ويبدو أنّ مؤشرات على تدخل فرنسي في الانتخابات الرئاسية في تونس كانت دافعًا أيضا لعودة وصم البعض بـ"الصبايحية"، وهو يُوجه خصوصًا لمن لم ينتقد هذا التدخل الذي اُعتبر واضحًا في قضية المترشح نبيل القروي.

وكان قد صرّح وزير الخارجية الفرنسية، بتاريخ 8 سبتمبر/أيلول 2019، أن بلده مهتمة بأن تدور الانتخابات الرئاسية التونسية في أفضل الظروف وفي كنف الديمقراطية، وذلك في معرض تعليقه على استمرار إيقاف نبيل القروي. كما دعا عدد من النواب الفرنسيين، في بيان لهم، بتاريخ 23 سبتمبر/ أيلول 2019، السلطات التونسية إلى إطلاق سراح القروي "حتى يتمكن من القيام بحملته الانتخابية والدفاع عن أفكاره، وذلك تجسيدًا لمبدإ المساواة".

يبدو أنّ مؤشرات على تدخل فرنسي في الانتخابات الرئاسية في تونس كانت دافعًا أيضا لعودة وصم البعض بـ"الصبايحية"

وفي ذات الإطار، أكد الأكاديمي ومدير الديوان الرئاسي الأسبق عدنان منصر أن وكالة الاتصال "ESL Publics" تملي على الحكومة الفرنسية مواقفها عن طريق الديبلوماسي الفرنسي دافيد لوفيت. وبيّن أن الوكالة المذكورة تقف وراء المقال الصادر في صحيفة "Le Monde" الفرنسية الداعم لزوجة نبيل القروي وكذلك المقال المنشور في مجلة "Jeune Afrique" حيث يظهر في غلاف العدد نبيل القروي بالألوان في مقدمة الصورة في حين يظهر المترشح المستقل قيس سعيّد من الخلف باللونين الأبيض والأسود.

وهذا التدخل الفرنسي أثار حفيظة سياسيين ونشطاء، إذ قال رئيس مركز دراسة الإسلام والديمقراطية رضوان المصمودي إن بيان النواب الفرنسيين هو "تدخل في شأن داخلي وسيادي ولا يحق لأي طرف خارجي أن يتدخل فيه". وكان قد تحدث، من جهته، المترشح للرئاسيات الصافي سعيد عن وجود صراع فرنسي إيطالي في تونس وهو أمر مدمّر للتجربة الديمقراطية التونسية وفق قوله.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الفرنكفونيون في تونس..."أيتام فرنسا"؟ (2/1)

الفرنكفونيون في تونس..."أيتام فرنسا"؟ (2/2)