نداء تونس.. من الفائز الأكبر في 2014 إلى الانهيار الكبير في 2019

نداء تونس.. من الفائز الأكبر في 2014 إلى الانهيار الكبير في 2019

سقوط مدوّ لحزب الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

 

بعد ما اُصطلح على وصفه بـ"زلزال" نتائج الدور الأول من الانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها، توقع مراقبون ارتدادات لهذا الزلزال على الانتخابات التشريعية، وهو ما يبدو قد تحقق مع حصول أحزاب التيار الديمقراطي وائتلاف الكرامة وحركة الشعب والحزب الدستوري الحر على عديد المقاعد مقابل هزيمة أحزاب آفاق تونس والبديل التونسي، وسقوط مدوّ للجبهة الشعبية بشقيها، وذلك مع تصدّر حركة النهضة للنتائج بما يزيد عن 55 مقعدًا وفق النتائج التقديرية متقدمًا على حزب "قلب تونس".

ولكن يبقى اللافت للانتباه بشكل بارز هو انهيار حركة نداء تونس، التي أسسها الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي، وقدمت نفسها كاستمرار للمشروع الحداثي البورقيبي، وذلك بتراجعها من القوة السياسية الأولى في انتخابات 2014 حينما تحصّلت على 86 مقعدًا إلى حزب لم يستطع إلا تحصيل 4 مقاعد فقط في انتخابات 2019. وقد بدأت الهزيمة الانتخابية منذ بلديات 2018 حينما حلّ ثانيًا خلف حركة النهضة، ولكن يبقى الانهيار الكبير في تشريعيات 6 أكتوبر/تشرين الأول المنقضي.

 تأسس نداء تونس عام 2012 بعنوان التوازن السياسي في مواجهة النهضة، وهو عنوان يؤكد مراقبون أنه لم يكن كافيًا لتأسيس حزب بقناعات راسخة ومبادئ تضمن له الوقوف في وجه أعاصير خلافاته الداخلية

اقرأ/ي أيضًا: الحداثة في تونس: من يمتلكها؟ وما معنى أن تكون حداثيًا؟

وكان قد تأسس حزب نداء تونس، عام 2012، بعنوان التوازن السياسي في مواجهة حركة النهضة، وهو عنوان يؤكد مراقبون أنه لم يكن كافيًا لتأسيس حزب بقناعات راسخة ومبادئ تضمن له الوقوف في وجه أعاصير خلافاته الداخلية. وقد سعى حينها الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي إلى جمع أكبر عدد ممكن من الوجوه التي توصف بالوسطية والتقدمية من أجل بعث حزب استطاع في وقت وجيز أن يصبح قوة سياسية تُوجت بتصدرها لنتائج تشريعيات 2014.

ولكن بعد تولي الحزب السلطة، في رئاسة الجمهورية والبرلمان ومنه الحكومة، سارعت التصدعات إلى الانتشار في البناء الندائي لتبدأ انشقاقات أفرزت أكثر من 5 أحزاب أسسها قيادات سابقة في نداء تونس.

وليس حزب نداء تونس هو أول حزب ينهار وتتدحرج نتائجه الانتخابية طيلة السنوات الأخيرة، فقد سبقته أحزاب نضالية عريقة أهمها المؤتمر من أجل الجمهورية، والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، والحزب الديمقراطي التقدمي (الحزب الجمهوري اليوم)، التي كانت طرفًا فاعلًا في مرحلة المجلس الوطني التأسيسي بعد انتخابات 2011 قبل أن تنهار في انتخابات 2014 ليتجدّد سقوطها الانتخابي في انتخابات 2019.

حول نداء تونس، يقول برهان بسيّس، المحلل والإعلامي الذي تولى سابقًا إدارة الملف السياسي في نداء تونس، يعتبر أن تغير الاستقطابات الحزبية وامتداداتها في المجتمع وتشتت العائلة السياسية التي كان يمثلها نداء تونس عام 2014 هي سبب الانهيار الكبير لهذا الحزب.

برهان بسيّس لـ"ألترا تونس": أزمة حركة نداء تونس ليست أزمة الحركة لوحدها بل أزمة الديمقراطيين والحداثيين بأكملهم

ويضيف، في حديثه لـ"ألترا تونس" أن انهيار نداء تونس "يؤشر لهشاشة الحالة الحزبية في تونس التي لم يبق فيها صامدًا غير حزب الإسلام السياسي بالرغم من تراجعاته محافظًا على عدم اقترابه من الحدود الدراماتكية". ويرى محدثنا أن الحزب عرف "حربا أهلية"، وفق تعبيره، بدأت بفوزه في الانتخابات التشريعية سنة 2014 ثم ساهمت في تراجعه شيئًا فشيئًا.

اقرأ/ي أيضًا: عن تسمية الأحزاب.. أو مانيفاستو استغلال "تونس"

وكان قد دخل حزب نداء تونس في توافق للحكم مع حركة النهضة بعد انتخابات 2014، وهو الأمر الذي تسبب في نشوب صراعات طويلة انتهت دائمًا بانشقاقات قيادات مؤسسة وتأسيس أحزاب جديدة منها "مشروع تونس"، و"بني وطني" و"حزب الأمل" وأيضًا "قلب تونس" الذي يقوده نبيل القروي القيادي السابق في حزب النداء.

نزار الزغدودي: انهيار نداء تونس حمل رسائل أهمها أن العمل الحزبي ليس تنظمًا من أجل هدف معين أو من أجل تدمير طرف ما بل هو تجذر للمبادئ والأهداف التي يقوم عليها لضمان استمرار الحزب

ويعتبر الصحفي نزار الزغدودي، في حديثه لـ"ألترا تونس" أن أسباب انهيار نداء تونس "أعمق بكثير" من مسألة التشتت، مشيرًا إلى الحزب بُني على قيادة معينة باختفاءها انهار الحزب.

ويضيف قائلًا "عاش النداء أزمة مرتين، الأولى عندما غادر الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي موقعه في الحزب إلى قصر قرطاج ليعيش الحزب أزمة في القيادة حيث أن شخصية نجله حافظ قائد السبسي كانت مرفوضة، والثانية عندما توفي الرئيس الراحل بما أثر على حظوظ الحزب وتكاد تكون حملته في التشريعيات منعدمة".

من جهته، يرى برهان بسيس أن أزمة حزب نداء تونس ليس أزمة خاصة به بل هي "أزمة الديمقراطيين والحداثيين بأكملهم" في تونس.

ويفسّر الزغدودي، إجمالًا، أزمات الأحزاب السياسية بضعف هيكلتها مؤكدًا أن الهيكلة المحوكمة تعتبر الضامن الأساسي للديقراطية، معتبرًا أن نداء تونس هو مثال يقدم رسائل عديدة للطبقة السياسية أهمها أن "العمل الحزبي ليس تنظمًا من أجل هدف معين أو من أجل تدمير طرف ما بل هو تجذر للمبادئ والأهداف التي يقوم عليها لضمان استمرار الحزب".

يمكن القول خلاصة أن نداء تونس انهار غير أنه ورفقة الأحزاب المنشقة عنه حقق ما يتجاوز 20 مقعدًا مبدئيًا، والحديث عن "تحيا تونس" و"مشروع تونس" خصوصًا وذلك دون احتساب مقاعد "قلب تونس". ويظل السؤال نهاية، هل سيتمكن نداء تونس من جمع شتاته خلال الفترة المقبلة بتوحيد الأحزاب المنشقة عنه تحت عنوان "النداء التاريخي" كما تدعو البعض من القيادات السابقة للحزب؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

العزوف الانتخابي.. صدى الأصوات الغاضبة من "السيستام"؟

"بيزنس" الانتخابات.. مهن وخدمات تنتعش في المواسم الانتخابية