انتخابات 2019.. حتّى يبلغ الفرز مداه

انتخابات 2019.. حتّى يبلغ الفرز مداه

كانت ثورة الصندوق وتحت سقف الدستور (ياسين القايدي/وكالة الأناضول)

 

الحديث عن الفرز في المشهد السياسي في تونس يستدعي استحضار القوى التي مثّلت مكوّنات هذا الفرز وقاعدته. ومن المهمّ التنصيص على أنّ هذين البعدين، أي الفرز وقاعدته، عرفا أطوارًا، مثلما عرفت القوى الفاعلة في المشهد تحولات في المواقع والمواقف في سياق سياسي متحوّل بنسق سريع. وما كان للفرز أن يتواصل لولا سقف الحريّة العالي الذي لم يتأثّر كثيرًا رغم الهزّات الكبرى التي عرفها المسار.

ويمثّل الاستحقاق الانتخابي الأخير في الرئاسيّة والتشريعيّة وما أفصح من نتائج حدثًا نوعيًا في مسار بناء الديمقراطيّة وتونس الجديدة قد يفسّر ما قبله ويضيء ملامح مما سيكون بعده.

اقرأ/ي أيضًا: فكرة الحكم المحلي من جمنة إلى قرطاج.. ملاحظات عن الدور الأول من الرئاسيات

من التأسيس إلى الانتقال الديمقراطي

"الشعب يريد إسقاط النظام" كان الشعار المركزي في الثورة، وقد عرَف انبثاقه صبيحة 14 جانفي/كانون الثاني 2011 يوم الهروب الكبير. ولئن تطوّر الوعي بهذا الشعار مع الوقت ليطول البعد الرمزي للنظام (بنية تتظافر فيها الثقافة ونظام الخطاب ومرجعيّات السياسة) فإنّ بعده المادي ( قوّة أمنيّة وفاعلون في أعلى مؤسسات الدولة وحزب حاكم) كان هو المعنى المباشر عند قوى الثورة. وهو ما يسمح بالقول إنّ الفرز كان على قاعدة الموقف من النظام، لذلك كان هناك إجماع شعبي والتقاء بين قوى المعارضة الديمقراطيّة على هذه المهمّة.

كان عنوان "إسقاط النظام" يبحث له عن ترجمة سياسية فكان التأسيس، غير أنّ من جمعتهم مناهضة الاستبداد والرغبة في تجاوز القديم فرّقتهم الحريّة مع نتائج أول اختيار انتخابي حر في تاريخ تونس

كان عنوان "إسقاط النظام" يبحث له عن ترجمة سياسية فكان التأسيس، غير أنّ من جمعتهم مناهضة الاستبداد والرغبة في تجاوز القديم فرّقتهم الحريّة مع نتائج أول اختيار انتخابي حر في تاريخ تونس. ومثّل اختلافهم وعودة وساوسهم الإيديولوجيّة سببًا في تغيّر العلاقة مع القديم ومدخلًا إلى عودته. فأصبح منافسًا سياسيًا بعد أن كان موضوعًا للمحاسبة على قاعدة العدالة الانتقاليّة.

وتجلّت الهوّة في أولى جلسات المجلس الوطني التأسيسي، فتعطّلت مهمّته في كتابة الدستور وبناء المؤسسات الأولى للنظام الجديد وتسيير الحياة اليوميّة ومواجهة المطلبيّة المتفاقمة. وضاعفت الاغتيالات السياسيّة من الهوّة، وواجهت التجربة تهديدًا حقيقيًا، فكان الحوار الوطني بملابساته المعروفة خروجًا من التأسيس إلى مرحلة انتقال ديمقراطي بلا أفق إلا ملامح من عودة القديم بعد أن بنى واجهته االسياسيّة "نداء تونس" التي مكنته من أن يقود "المعارضة".

لم يعد المجلس الوطني التأسيسي سيّد نفسه وصار مجرّد إطار للمصادقة على ما يتقرّر خارجه باسم الحوار الوطني والرغبة في الوصول إلى وفاق. فكان الدستور وكانت حكومة التكنوقراط وتكليفها بإنجاز الانتخابات والخروج من "المؤقّت" إلى "الدائم".

انتخابات 2014.. النتائج والرسائل والمالات

حقّق حزب النداء، في ظل استقطاب هووي مع الإسلام السياسي ممثلًا في حركة النهضة، انتصارًا كبيرًا في هذا الاستحقاق الانتخابي مكّنه من الرئاسات الثلاث. وإذا كانت الانتخابات التأسيسية قد جرت بشروط القديم فإنّ انتخابات 2014 كانت تحت تأثير واضح للمال السياسي الفاسد، إلى جانب السياق الإقليمي بتأثيراته القوية ومضاددته المعلنة للربيع وبناء الديمقراطيّة في في بلادنا والمجال العربي.

كان لنتائج الانتخابات رسالة واحدة قويّة: قدرة القديم على التجدّد وعجز الجديد عن التواصل. غير أنّ عدم حصول حزب النداء على الأغلبيّة المطلقة ألجأ زعيمه الباجي قائد السبسي إلى التحالف مع "غريمه" حركة النهضة.

عرفت انتخابات 2014 تأثيرًا واضحًا للمال السياسي الفاسد، إلى جانب السياق الإقليمي بتأثيراته القوية ومضاددته المعلنة للربيع وبناء الديمقراطيّة في في بلادنا والمجال العربي

أفرزت الانتخابات التشريعيّة وتشكيل الحكومة من النهضة والنداء وحزبين صغيرين قريبين منه وضعا مزدوجًا في الحكم وفي المعارضة، فكان نظامان ومعارضتان: نظام النهضة ونظام النداء، رغم سيطرة النداء على الرئاسات الثلاث واكتفاء النهضة، في الحكومة الأولى، بوزارة واحد وببعض كتابات دولة. ولئن مثّلت النهضة "وعودًا ديمقراطيّة" من خلال تأكيدها على استكمال المسار الديمقراطي فإنّ النداء لم يكن أكثر من "وعود استبداد" تجلّت في رغبة قويّة عند الرئيس السبسي في تغيير النظام السياسي. وقد عمد عمليًا إلى تغييره، فعادت مركزيّة السلطة إلى قرطاج، بعد أن كانت في تجربة الترويكا موزّعة بين باردو والقصبة وقرطاج مثلما تقرّر في الدستور. وأصبح رئيس الحكومة وزيرًا أوّلَ.

اقرأ/ي أيضًا: نتائج الدور الأول للرئاسية والتشريعية.. قراءة تحليلية للمشهد الانتخابي التونسي

وكذاك كانت المعارضة معارضتين معارضة وظيفيّة (الجبهة) ومعارضة عضويّة (المكوّن الديمقراطي الاجتماعي). وظهر هذا في سلوك المعارضتين رغم مناهضتهما الظاهرة لـ"منظومة الحكم". ومنظومة الحكم تسمية جديدة هي أقرب إلى أن تكون منزلة بين المعارضة والمنظومة القديمة (السيستام). فالمعارضة الوظيفيّة وهي تستهدف منظومة الحكم تركّز في استهدافها على النهضة في حين تركّز المعارضة العضويّة (الحراك خاصّة) في استهدافها النداء. وقد يكون موقف التيار الديمقراطي أقرب إلى الموقف الثالث فقد بنى تميّزه على استهداف النهضة والنداء معًا.

وضع انقسام المنتسبين إلى الثورة بين الحكم والمعارضة، رغم اختلافهم حدّ التناقض، المشهدَ أمام احتمالين: لجم النهضة للنداء واحتواء المعارضة العضويّة للمعارضة للمعارضة الوظيفيّة بتوسعها وقدرتها على بناء التوازن المطلوب. فقد أخلّ تجاور النهضة والنداء في الحكم بالتوازن المطلوب في الديمقراطيّة.

انتخابات 2019، هل بلغ الفرز مداه؟

أفضت ازدواجيّة الحكم إلى حالة هجينة، ويعود الأمر إلى ضعف المعارضة عموما وعجز "المعارضة العضويّة" عن الامتداد وإحداث التوازن رغم ارتفاع صوتها في البرلمان ونجاحها في التصدّي إلى كثير من مشاريع القوانين، وتركيزها على محاربة الفساد.

وفي مستوى منظومة الحكم كان لانقسام النداء المبكّر أثر كبير على الدولة ومؤسساتها ومثّل في أكثر من سياق شللا للعمل الحكومي. وصارت الأزمة مضاعفة: أزمة حكم وأزمة ماليّة اقتصاديّة. وقد جرى الصراع بين شقوق النداء داخل مؤسسات الدولة وبأدواتها. وكان لهذا الصراع دور في ترذيل السياسة وتعزّز النفور منها في صفوف الشباب  خاصّة، وانتشرت ثقافة تتفيه العمل الحزبي وكانت عبارة الفشل أكثر العبارات دورانًا في الخطاب السياسي.

لم تكن المنافسة بين سعيّد والقروي بين فكرتين ومقترحين، بقدر ما كانت بين خُلقيْن وهذا ما يفسّر الفارق الشاسع في الأصوات بينهما

استقرّت انقسامات المنظومة القديمة عند ثلاث مكونات رئيسيّة: مكّوّن سياسي يبني شرعيّته على الاعتراف بالثورة دمقرطة البورقيبيّة والاقتراب من العائلة الديمقراطيّة الواسعة يمثّله "تحيا تونس"، ومكوّن سياسي يبني شرعيّته على مناهضة الثورة ومحاربة الإسلام السياسي بمرجعيّة تجمّعيّة تؤلف بين بورقيبة وبن علي يمثّله الدستوري الحر. ومكوّن تحيط بمؤسسه شبهات تبييض الأموال والتهرّب الضريبي والعلاقة بجهات صهيونيّة، وهذا المكوّن صار الممثل الأقوى للمنظومة القديمة رغم تأكيده على أنّه "أنتي ـ سيستام" (ضد المنظومة).

تنزّلت الانتخابات الرئاسيّة والتشريعيّة في هذا السياق الدقيق من تحوّلات المشهد السياسي، وكان تخلّل الانتخابات الرئاسيّة للانتخابات التشريعيّة أثر بالغ. وهو ما يسمح باعتبار الانتخابات التشريعيّة "عمليّة إنقاذ" للديمقراطيّة. فقد كانت فيها الكلمة للقوى المنتسبة إلى الثورة، ولم يتمكّن حزب قلب تونس المتمفيز من الفوز بالمركز الأوّل وأحقيّة التكليف بتشكيل الحكومة. في حين مثّلت الانتخابات الرئاسيّة في دورها الثاني "عمليّة عبور" من الانتقال الديمقراطي إلى شروط قريبة من التأسيس.

اعتبرنا الانتخابات الرئاسيّة بصعود قيس سعيّد ونبيل القروي في دورها "ثأر الهامش" في بعديه السياسي الأخلاقي الذي تنكّرت له النهضة والاجتماعي المعيشي الذي تنكّر له اليسار. فكان الدور الثاني في ظاهره دعوة إلى اختيار بين الأخلاقي السياسي (قيس سعيّد) والاجتماعي المعيشي (نبيل القروي). غير أنّ التوجّه الشعبي العام كان لا يفصل بين المستويين فالمعيشي والسياسي لابدّ أن يتأسسا على الأخلاق. فكما أنّه الكرامة قبل الخبز فإنّه لا سياسة بلا أخلاق.

كان الفرز في حقيقته على قاعدة الأخلاق، لذلك لم يكن، في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسيّة، ممكنًا المفاضلة بين الفضيلة ونقيضها. ولم تكن المنافسة بين فكرتين ومقترحين، بقدر ما كانت بين خُلقيْن، وهذا ما يفسّر الفارق الشاسع في الأصوات بين المترشّحين.

هل وصل الفرز مداه مع الانتخابات الرئاسيّة؟

لا خلاف في كون الفرز بلغ مدى مهمّا، فهو فرز بين أخلقة السياسية ومفْيزتها، فكان الاختيار الشعبي قاطعًا فاصلًا. يمكن أن نقول إنّ المسار الديمقراطي حقّق إنقاذًا وعبورًا في آن. وإنّ هذا الانتصار التاريخي للأستاذ قيس سعيّد بقدر ما يمثّل عبورًا بالتجربة إلى وضع جديد بنفس جديد، فإنّه يطرح على التجربة تحدّيات كبيرة من أهمّها مسألة النظام السياسي. إذ يبدو التقابل حادًا بين صلاحيات رئيس الجمهوريّة المحدودة وهذه الشرعيّة غير المسبوقة (نحو ثلاثة ملايين صوت).

ثورة 17 ديسمبر الشبابيّة كانت على النظام، وثورة 13 أكتوبر كانت ثورة الشباب نفسه، غير أنّها كانت ثورة الصندوق وتحت سقف الدستور

من الصعب تغيير النظام السياسي في الشروط الحاليّة وأنّ الحال مرشّح ليستمرّ كل هذه العهدة، غير أنّ هذه الشرعيّة المدويّة قد تكون سببًا في تيسير تشكيل الحكومة، فضلًا عن أنّ شخصيّة الأستاذ سعيّد تمثّل نقطة يلتقي عندها الجميع، إلى حدّ الأن على الأقل. وهذا ما كان يغيب عن التجربة في مراحلها السابقة فقد كان الجميع معنيًا بالصراع وطرفًا فيه.

ثورة 17 ديسمبر الشبابيّة كانت على النظام، وثورة 13 أكتوبر كانت ثورة الشباب نفسه، غير أنّها كانت ثورة الصندوق وتحت سقف الدستور، وهذه خطوة عملاقة على طريق البناء الجديد.      

 

اقرأ/ي أيضًا:

زلزال الانتخابات في تونس من منظور أسئلة الأخلاق والسياسة والدّولة

الانتخابات التونسية.. مدخل للاستقرار أم للعجز عن الحكم؟