الفساد في الصفقات العمومية.. سرطان ينخر الإدارة في انتظار استئصاله

الفساد في الصفقات العمومية.. سرطان ينخر الإدارة في انتظار استئصاله

1681 مشاهدة
يتسبب الفساد في الصفقات العمومية في إهدار ضخم للمال العام (مريم الناصري/الترا تونس)

لطالما نددت الهياكل الرقابية والمنظمات بالفساد المستشري في قطاع الصفقات العمومية وما يسبّبه من خسائر مالية كبيرة لخزينة الدولة. وقد أكد عبد الرحمان الأدغم الوزير لدى رئيس الحكومة المكلف بالحوكمة ومقاومة الفساد سنة 2012 أن الفساد استفحل بالأساس في قطاع الصفقات العمومية التي تصل مستوى معاملاتها إلى 20 في المائة من الناتج الداخلي الخام.

يستشري الفساد بشكل لافت في قطاع الصفقات العمومية وهو ما يسبّب خسائر مالية كبيرة لخزينة الدولة

ودفع تفشي الفساد في الصفقات العمومية حتى بعد الثورة بعدد من المنظمات والجمعيات التي تعمل في مجال التصدّي ومكافحة الفساد إلى التنبيه لحجم التجاوزات المتواصلة في مجال الصفقات العمومية، والشراء العمومي بصفة عامة. إذ يمثل الشراء العمومي نشاطًا رئيسيًا في تنفيذ الميزانيات العمومية، باعتبار أنّ تسيير المرافق والهياكل العمومية وكذلك تطويرها وتوسيع مجال تدخلها بإنجاز المشاريع العمومية، يمرّ عبر اقتناء مواد أو خدمات أو أشغال أو دراسات.

اقرأ/ي أيضًا: "أنا يقظ": تورّط مهدي بن غربية في ملف فساد يخص الخطوط التونسية

وحسب التقديرات نظرًا لغياب إحصائيات شاملة ودقيقة، وباعتماد أرقام صادرة عن اللجنة العليا للصفقات العمومية، يقدر حجم الشراءات العمومية تقريبًا 18 في المائة من جملة الناتج الداخلي الخام، وعلى هذا الأساس فإن قيمة الشراء العمومي في تونس، خلال سنة 2016، ناهزت 19 مليار دينار، منها حوالي 15 مليار دينار في شكل صفقات عمومية بما في ذلك 6.3 مليار دينار قيمة الصفقات التي أبرمتها الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات المحلية فيما أبرمت البقية المنشآت العمومية.

وقد كشف هذه الأرقام تقرير الهيئة العليا للرقابة الإدارية والمالية، الذي صدر مؤخرًا، والذي عمل على تحديد الأخطاء الأكثر شيوعًا في التصرف في الصفقات العمومية وتقييمه، وذلك بهدف مساعدة المشترين العموميين على تجنبها والتصدي لها وتقليص المخاطر الناتجة عنها، وبالتالي ضمان تحقق النجاعة الكافية لشراءاتهم.

 يقدر حجم الشراءات العمومية تقريبًا 18 في المائة من جملة الناتج الداخلي الخام وناهزت قيمة الشراء العمومي 19 مليار دينار خلال سنة 2016

وقد اعتمدت الهيئة العليا للرقابة الإدارية والمالية في إعداد تقريرها على 6 تقارير سنوية صادرة عن دائرة المحاسبات متمثلة في التقارير عدد 21 و22 و23 و28 و29 و30، إلى جانب تقريري النشاط السنوي للهيئة العامة لمراقبة المصاريف العمومية لسنتي 2015 و2016، وكذلك التقرير العام لنشاط هيئة الرقابة العامة للمصالح العمومية لسنة 2009. وتبعًا لهذا الدراسات، تم استخراج الأخطاء الثلاثة الأكثر شيوعًا في الصفقات العمومية، والمتمثلة أساسًا في عدم إحكام ضبط الحاجيات، وعدم التقيد بإجراءات ومقتضيات المنافسة النزيهة، وضعف متابعة ومراقبة تنفيذ الصفقات. وتمثل هذه الأخطاء مجتمعة 41 في المائة من جملة الأخطاء الواردة بالتقارير المعتمدة كعينة.

وتتعلق هذه الأخطاء بالمرحلة التحضيرية للصفقات العمومية ومرحلة الإبرام ومرحلة التنفيذ، وذلك بسبب ارتفاع العروض المالية المقدمة من طرف العارضين جراء سوء فهمهم للمطلوب، وهو ما يؤدي إلى الترفيع في الأثمان لتلافي مواجهة شروط إضافية أو تكاليف غير محتسبة من طرفهم بسبب عدم دقة ضبط المشتري العمومي لحاجياته. وفي هذ الإطار، يتأتى كذلك عدم تساوي الحظوظ في المنافسة بعدم فهم المشاركين بنفس الطريقة لطلبات المشتري العمومي، ممّا ينعكس سلبًا على الأثمان والمنافسة، وذلك إضافة إلى تعطّل إنجاز الصفقة في انتظار فض الاشكاليات التي تبرز من جراء التحديد غير الكافي للحاجيات بما في ذلك مراجعة الدراسات والحصول على المصادقات اللازمة.

ماذا عن غياب شروط المنافسة النزيهة؟

تمثل المنافسة أحد المبادئ الرئيسية في إبرام الصفقات العمومية باعتبارها تمكن من الحصول على أفضل الأثمان أو الحد من تكاليف الشراء. وتتجسد المنافسة في مشاركة عدد كاف من المزودين المحتملين في طلبات العروض بما يؤكد أنّ العرض المالي الفائز هو من أفضل ما يتوفر في السوق، وبالتالي يتمكن المشتري العمومي من التحكم في كلفة الشراءات.

تمثل المنافسة أحد المبادئ الرئيسية في إبرام الصفقات العمومية باعتبارها تمكن من الحصول على أفضل الأثمان أو الحد من تكاليف الشراء

وتقوم المنافسة الصحيحة بتوفر المساواة وتكافؤ الفرص والشفافية وتعدد المشاركات، والتي تتطلب بالأساس التحديد الكافي والدقيق للحاجيات، بالإضافة إلى حسن صياغة وثائق لإجراءات المنافسة واعتماد البرمجة المسبقة وإشهارها. كما يجب توفير الآجال الكافية للمشاركة، وكذلك التقييم النزيه للعروض وغيرها من الشروط التي من شأنها أن تحفّز المشاركة وتجعل الطلب العمومي يسند إلى الطرف الأجدر وفقا للمنهجية الواردة ضمن كراسات.

اقرأ/ي أيضًا: تقارير الهيئات الرقابية في تونس.. أي مصير؟

وأورد التقرير الآثار الناجمة عن عدم التقيّد بإجراءات ومقتضيات المنافسة النزيهة، وهي الشراء بكلفة إضافية، وهو ما قد يرقى الى مرتبة خطأ تصرف ويشكل خطأ جزائيًا إذا ما ثبت توفر الركن القصدي والتسبب في إهدار المال العام وسوء استغلال الموارد المحدودة. كما يؤدي عدم احترام مستلزمات المنافسة النزيهة إلى نفور العارضين المحتملين من المشاركة مستقبلاً مما قد يضعف المنافسة ويحد منها في طلبات العروض.

عدم متابعة تنفيذ الصفقات.. باب خلفي للفساد

يعتبر تنفيذ الصفقة نشاطًا معقًّدا يشارك فيه عديد المتدخلين مما يؤدي إلى صعوبة حصر المسؤوليات التي قد تتداخل وتتقاطع طوال فترة الإنجاز. وللتقليص من المخاطر المتعلقة بمرحلة التنفيذ وضمان القدرة على التدخل في الإبان لفض الإشكاليات والتصدي للإخلالات، يتوجّب على المشتري العمومي إرساء آليات لمتابعة ومراقبة إنجاز وتنفيذ الصفقات العمومية.

وتتمثل أهداف متابعة ومراقبة تنفيذ الصفقات في ضمان التزام صاحب الصفقة بالشروط التعاقدية الإدارية والفنية، وضمان تنفيذ الصفقة في أفضل الآجال، وكذلك احترام وتحقق الجودة الفنية المطلوبة والكافية. فيما تتحقق متابعة الإنجاز والرقابة عليه من طرف المشتري العمومي عن طريق إرساء نظام متابعة ومراقبة وتكليف مسؤول عن متابعة التنفيذ، إلى جانب التدخل العاجل عند الاقتضاء.

سجّل تقرير الهيئة العليا للرقابة الإدارية والمالية أخطاء في مراقبة إنجاز الصفقات العمومية من بينها غياب أدلة إجراءات ومنظومة معلوماتية تسمح بمتابعة التنفيذ

لكن أفاد التقرير تسجيل جملة من الأخطاء المتعلقة بمراقبة إنجاز الصفقات العمومية بسبب التقصير في إرساء نظام متابعة فعّال يمكّن من التفطّن إلى الإخلالات والنقائص في الإبان أثناء التنفيذ والتدخل لفضها وتجاوزها. كما تم تسجيل غياب دليل إجراءات ينظم تفاصيل المتابعة والمراقبة ويستعرض التقنيات الممكن اعتمادها، ويقيّس الوثائق المعتمدة بما في ذلك لوحات القيادة وجداول البيانات، إلى جانب غياب منظومة معلوماتية تسمح بمتابعة التنفيذ بدقة، والتفطن لكل تأخير. كما تحدث عن عدم اعتماد الإدارات والمصالح المعنية على جداول قيادية وغياب متابعة خارجية للمصالح المعنية تضمن التفطن لكل تقصير في الإشراف على مشاريع وتنفيذ الصفقات.

اقرأ/ي أيضًا: كيف تفضح شهادة الطرابلسي منظومة الفساد في تونس؟

وتؤدي كل هذه النقائص وفق الهيئة العليا للرقابة الإدارية والمالية إلى تعريض الإنجاز لمخاطر عدّة منها التعطل، أو عدم احترام الشروط الفنية أو الإدارية، أو عدم القدرة على إثبات ما أنجز بالنسبة للمنشآت التي ستوضع تحت الأرض أو ستوضع عليها منشآت أخرى. كما يمكن أن يؤدي ضعف المتابعة لعدم التفطن لتجاوز الكميات وعدم كفاية الاعتمادات وعدم احترام صاحب الصفقة لالتزاماته، وغير ذلك من المخاطر التي تتسبب في المس من حسن إنجاز الصفقة.

تؤدي الإخلالات في تنفيذ الصفقات العمومية إلى مخاطر منها تعطل الإنجاز وعدم احترام الشروط الفنية أو الإدارية

وأشار شوقي الطبيب رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد أنّ الدولة تنفق بمختلف وزاراتها وإداراتها حوالي 10 آلاف مليون دينار سنويًا بعنوان شراءات في إطار صفقات عمومية، تفقد منها على الأقل 25 في المائة نتيجة غياب آليات الرقابة والمتابعة أي ما يناهز 2000 مليون دينار خسارة من المال العام.

وقد أكد شوقي الطبيب لـ"الترا تونس" أنّ المنظومة ككل تحتاج إلى مراجعة وإصلاح شامل من حيث طلب العروض والتقديم للشراءات العمومية والتنفيذ وحتى بعد التنفيذ، لا سيما وأنّ أغلب الشراءات يقومون بها أناس غير مختصين، وليس لديهم التكوين الكافي في مجال إبرام الصفقات العمومية، وفق تصريحه. كما أكد في حديثه معنا على ضعف الرقابة على الشراء العمومي، وغياب الرقابة خلال وبعد تنفيذ الصفقات العمومية.

شوقي الطبيب لـ"الترا تونس": منظومة الصفقات العمومية تحتاج إلى مراجعة وإصلاح شامل والفساد فيها يؤدي إلى إهدار كبير لموارد الدولة

على صعيد آخر، أكد محدّثنا على وجود نقص كبير في آليات الرقابة وفي الموارد البشرية التي تتولى الرقابة والتدقيق، مشيرًا أنّ الفساد في الصفقات العمومية يؤدي إلى إهدار كبير لموارد الدولة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تفاصيل الاعتداء على فريق رقابي أثناء إنجاز مهامه.. واتهامات لنقابة AFH

المسار لا يزال طويلًا!.. تونس في المرتبة 74 في مؤشّر مدركات الفساد