المثقف والثورة التونسية: في انتظار ثورة الفنان

المثقف والثورة التونسية: في انتظار ثورة الفنان

فنانون تونسيون يقصّون هواجسهم وتطلعاتهم في علاقة بالثورة والثقافة في تونس (فتحي بلعيد/ أ ف ب)

 

 

قبل الثورة التونسية، كان الأفق التاريخي للمثقف التونسي -بالمعنى القرامشي للكلمة- واضحًا وهو إحداث فجوة ابستيمية تقطع مع فضاعة السائد السياسي والاجتماعي والثقافي.

فتعددت الخطابات الإيديولوجية والفكرية والفنية وحدث نوع من التضامن الضمني بين مختلف الخطابات التي كان النظام السابق  يخرجها من دائرة فكرة المعارضة ويمعن في حشرها ضمن الفظيع السياسي وهو خانة المناوءة للوطن، وظهرت مشاريع ثقافية قليلة وذكية تختلف في جوهرها وفلسفتها وتصورها تمام الاختلاف مع ما كان يقدّم رسميًا. لكنها كانت مختلفة ومثوّرة وتنبئ بأن نارًا ما تسكن تحت الرماد، وهي تنتظر أولى النسائم وأولى القوادح لتسري في هشيم ما رتبته السلطة طيلة عقود.

يبدو أن المثقف التونسي قد انتهى دوره منذ الأسابيع الأولى لثورة 14 جانفي2011، إذ لم تظهر المشاريع الإصلاحية الكبرى المتعلقة بالآداب والفنون ومختلف أوجه الثقافة

وهو ما رتبته الأقدار وحدث فعلًا منذ حادثة محمد البوعزيزي في سيدي بوزيد في 2010، وتلك الانتفاضة الأولى التي اتسمت بالشجاعة في تالة والقصرين، والتي زرعت الثورة في كيانات التونسيين الذين استبد بهم الخوف لعقود فحررت ألسنتهم وأجسادهم من كل قيد، فنزل العديد من المثقفين والفنانين إلى الشارع وانضمّوا إلى الجماهير المطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية، وقادوا المسيرات في القرى والمدن الداخلية من شمال تونس إلى جنوبها.

لقد حلم المثقف التونسي في تلك الفترة المجيدة بمانيفستو جديد يقطع مع الماضي ويشرّع إلى مراحل جديدة أكثر بلاغة ووضوحًا، وتشكل تلك الثورة الثقافية التي تسند التنمية وترتقي بالذائقة وتحفظ الذاكرة من التلف والزوال.

لكن يبدو أن المثقف التونسي قد انتهى دوره منذ الأسابيع الأولى لثورة 14 جانفي/يناير 2011، إذ لم تظهر المشاريع الإصلاحية الكبرى المتعلقة بالآداب والفنون ومختلف أوجه الثقافة كما لم تتحول لحظة الحرية التي تحصل عليها الشعب التونسي بقوة الحناجر والإراة التواقة لحياة أجمل وأفضل إلى ملاحم فنية وفكرية ترويها الأجيال. لقد خفت صوت المثقف وارتدّ وتعطلت الأحلام من جديد.

اقرأ/ي أيضًا: النخبة التونسية تكسر جدار المنع.. وتحتفي بالكاتب الأرجنتيني ألبارتو مانغويل

ألترا تونس، بمناسبة الذكرى العاشرة للثورة التونسية، التقى عددًا من المثقفين والمفكرين واستعاد معهم تلك اللحظات القريبة البعيدة وتحدث إليهم بخصوص أحلامهم وهواجسهم الثقافية تجاه المجتمع وتجاه أنفسهم، وتوجه إليهم بالسؤال: "ما الذي عطل ثورتكم؟"

المفكر والفيلسوف فتحي التريكي: الثورة التونسية لم تكتمل بعد

يرى الأستاذ فتحي التريكي، صاحب كتاب "الفلاسفة والحرب"، أنّ المقاربات الفكريّة الخاصّة بالثورة عامّة تختلف عن المقاربات السياسية.

فالأولى تبحث عن حقيقة الثورة وأهدافها القريبة والبعيدة، كما تتحقّق من أبعادها الإيديولوجيّة ومستتبعاتها الاجتماعيّة. بينما تسلّط المقاربات السياسيّة عن كيفيّة استغلال الثورة لتكون ناجعة لبرامج الفاعلين السياسيين واستراتجياتهم.

ويضيف مؤلف كتاب "فلاسفة قرطاج" أنّ المقاربات الفكريّة والفلسفيّة والفنّية والإبداعيّة للثورة التونسية حاولت من أوّل وهلة أن ترعاها وتقدّم عنها صورة حقيقيّة وتصونها، وكان ذلك بواسطة الرسوم الفنية الحائطيّة الكثيرة والتلقائيّة التي صاحبت مسار الثورة والتدخّلات الإبداعيّة في التصوير الفوتوغرافي  وفي الفن التشكيلي وفي السينما والموسيقى والمسرح والكوريغرافيا وفي غيرها من الفنون.


المفكر والفيلسوف فتحي التريكي

أمّا على مستوى الفكر والفلسفة فإنّ أفضل طريقة لصيانة الثورة التونسيّة، تتمثّل في العمليّة التوضيحية والنقديّة لمبادئها ومسارها وأهدافها. فهناك مثلًا من المفكّرين والفلاسفة التونسيين والأجانب من رأى من خلال تحاليله أنّها مجرّد انتفاضة ومنهم من أكّد أنّها تستجيب كما يجب لمقاييس الثورة عامّة.

وأشار التريكي إلى أن المفكّر والفيلسوف يقوم أيضًا بوضع كلّ الأحداث التي تقع في مسارها على محكّ النقد والتوضيح والتشخيص، بينما يقلّصها السياسي في مجموعة من الأفكار التي تخدم أهدافه.

وشدد الفيلسوف التونسي على أن الفكر الفلسفي  قام بتفحّص طبيعة هذه الثورة ومفاهيمها وتصوّراتها وإشكالياتها ومرجعياتها من خلال وقائعها واستنادًا إلى منهجيات تحليلية أفرزها تاريخ الفكر البشري. وقد كتبت الأقلام في ذلك ولا زالت  بينما السياسي لا يهتمّ مطلقًا بطبيعتها ولا بمفاهيمها وأقصى ما يقوم به هو استغلال تلك المفاهيم للوصول إلى غايته الحينية. مع العلم أنّ الثورة التونسية لم تكتمل بعد ومازلنا نعيش مسارها مدًّا وجزرًا.

فتحي التريكي: كان لابدّ على المثقّف النزيه الذي لا يلبس ثوب السياسي أن يضع في المحك وقائع الثورة وأحداثها بنجاحاتها وفشلها وأن يتدخّل بآلياته ومفاهيمه ومناهجه للنضال ضد إمكانية انتكاس هذا المسار الثوري

وبخصوص دور المثقف في مسار الثورة، أوضح  الأستاذ التريكي أنه كان لابدّ على المثقّف النزيه الذي لا يلبس ثوب السياسي أن يضع في المحك وقائع الثورة وأحداثها بنجاحاتها وفشلها وأن يتدخّل بآلياته ومفاهيمه ومناهجه للنضال ضد إمكانية انتكاس هذا المسار الثوري.

وختم التريكي بأن الثورة في عيون المفكرين والفلاسفة هي إمكانية لإسعاد التونسيين.

وهي في عيون الكثير من السياسين فرصة للوصول إلى السلطة، وعند بعضهم غنيمة حرب يتقاسمونها. صيانتها تكون دائمًا وأبدًا من قبل المبدعين والمثقفين والمفكّرين الأحرار، المفكّر المبدع يصون الثورة والسياسي يستغلّها.

الروائي والكاتب أبو بكر العيادي: المثقف لم يتخلص بعد من تبعيته للسياسي

الكاتب التونسي المقيم بباريس تساءل في البداية عن مفهوم المثقف أو "من هو المثقف؟"، مشيرًا إلى أننا قد تعودنا إضفاء هذه الصفة على حامل الشهادات والمتعلم وكاتب القصة والرواية والشاعر.

وهي بالنسبة إليه تعريفات مغلوطة لأن المثقف الحق هو الفاعل بالفكر الحر والممارسة الخلاقة المغيّرة، وهو الذي يواجه مشكلات مجتمعه وقضاياه بالفن والثقافة وإنارة العقول، وينتج أفكارًا وتصورات جديدة، وينقد ما هو سائد و رثّ ومتخلف، ويكون فاعلًا حقيقيًا في الحقل الثقافي والاجتماعي والسياسي.

ويوضح الأستاذ العيادي أنه لو طبقنا هذا التحديد وهذا المفهوم على المجتمع التونسي  لما وجدنا إلا النزر القليل الذي يؤمن فعلًا بواجباته الأخلاقية في الدفاع عن قيم الحق والعدالة والمساواة والكرامة.

أبو بكر العيادي: رغم الثورة التي قام بها الشعب التونسي منذ عشر سنوات لم يغادر المثقف تبعيته للسياسي، فأغلب الذين ينشطون اليوم هاجسُهم نيلُ نصيبٍ من كعكة الثورة

وأوضح الروائي أبو بكر العيادي أن هذه القلة، من المثقفين الغرامشيين، تناضل فيما يتوافر لديها من مساحات إعلامية من أجل إثبات وجودها وتقديم مشاريعها وبدائلها، ولكن صوتها أحيانًا لا يبلغ مداه المنشود، لأسباب تاريخية عميقة بدأت منذ دولة الاستقلال، حيث عُدّ كل معارض للنظام البورقيبي القائم خطرًا ينبغي تحجيمه. ثم تكرس نفس الأمر وبأشكال فظيعة  في دولة العهد الجديد، حين اعتُبر كل مناهض للسياسة النوفمبرية خائنًا ينبغي مقاومته وسجنه ونفيه.

اقرأ/ي أيضًا: مسرحية "السنترا".. سجينات يحكين آلامهن على خشبة المسرح

وبين الكاتب أبوبكر العيادي أنه رغم الثورة التي قام بها الشعب التونسي منذ عشر سنوات لم يغادر المثقف تبعيته للسياسي، فأغلب الذين ينشطون اليوم هاجسُهم نيلُ نصيبٍ من كعكة الثورة. أما الأصوات الشابة من مختلف القطاعات الثقافية والتي كانت محمولة على أجنحة الحلم بالتغيير فإنها ضاعت في الأثناء.


الروائي والكاتب أبو بكر العيادي

وأضاف أن الخطاب الثقافي السائد الآن في تونس هو خطاب لم يرقَ بعد إلى المستوى الرمزي للثورة وأن المادة الفنية والفكرية والإبداعية المقدمة للمواطن التونسي منها ما هو مرسكل من السنوات السابقة ومنها ما هو على هامش ما يطلبه المجتمع. وجدت تونس نفسها، بعد عشر سنوات من ثورتها التي باركها العالم  تعيش من جديد في بيئة من التسلط والفساد والانحطاط القيمي، مع ارتفاع لنسب الفقر والجوع وانسداد الأفق وانعدام الأمن.

وختم العيادي تدخله متسائلًا: كيف للمثقف التونسي أن يساهم في تحقيق مطالب أبناء الشعب من المعطلين والمفقرين والمهمّشين والمنسيين في أقاصي البلاد لا سيّما بعد تحالف الإسلام السياسي مع المال الفاسد، ووصول الإرهابيين والمهربين وأصحاب السوابق العدلية إلى مواقع القرار؟

الشاعر المنصف المزغنّي: الثقافة تبقى دومًا روحًا عصية على التثوير والتأطير الحزبي

بادر الشاعر المنصف المزغني بالقول إن الثورة الثقافية التي نطمح إليها تُصنع مع تغيّرات يجب أن تحصل في أروقة المجتمع وتشمل الاقتصادي والتربوي والبنية التحتية والفلاحة...

 وأضاف أنه لا يمكن إنجاز ذلك بشكل قسري، فالثورة الثقافية ليست عضوًا قابلًا للزراعة أو التلقيح.


 الشاعر المنصف المزغني 

وبيّن المزغني أن الثورة الثقافية يجب أن تصل المجتمع بتراثه، وهو ما لم يحصل في تونس مع بعض المحاولات التي بدت بلاستيكية وغير منسجمة مع شخصية المجتمع التونسي.

وختم المزغني حديثه قائلًا إن الثقافة تبقى دومًا روحًا عصية على التثوير أو التأطير الحزبي، وإنها نهر عميق يصعب تحويل مجراه بقرار فوقي.

الفنان التشكيلي والجامعي سامي بن عامر: لا ثورة دون ثورة ثقّافية تنير الطّريق

 أكد الفنان التشكيلي والجامعي سامي بن عامر أن هذا التّراجع لحضور المثقّف في مجتمعنا هو فعلًا واقع وحقيقة، إلا أنه وضع نقطة استفهام أمام فرضية القبول بأن الثورة قد وفّرت له حقًّا الحرّية المنشودة.

وأضاف بن عامر أن مكسب الحرية يبدو أنه حصر في حرّية التّعبير التي لمسناها حسب قوله في تجليات وسائل الإعلام، لا سيما المرئية منها التي  باتت حكرًا على بعض الإعلاميين المتقمصين  لدور المثقّف والسّياسي والخبير الاقتصادي والفنان... لتصبح أصواتهم هي المسموعة والنّافذة. أو تمظهرت في  برامج ترفيهية سمجة ورديئة تتغذّى من "البوز" بتشريك شخصيات يُراد منها أن تكون مثيرة أو مهرجة وأحيانًا متخاصمة أو برامج تنبش في مآسي الناس وفي أحزانهم وآلامهم  من أجل دغدغة مشاعر الجمهور فتقوي بذلك درجة المشاهدة لمصالح تجارية.


الفنان التشكيلي والجامعي سامي بن عامر

وبين الأستاذ بن عامر أننا مع الثورة عرفنا حرية التّعبير فعلًا إلا أن هذه الحرية طيلة العشر سنوات الماضية كانت ولا تزال مَرَضية ومتعفّنة جراء الخذلان الذي تعرض له المواطن وخاصة  المثقف، مضيفًا: "لقد أصبحنا نتنفَّس من خلال ما تتيحه لنا وسائل الإعلام من ممكنات محدودة تُغذي الابتذال وتُنمي السطحية، إعلامٌ يَغيب فيه المثقّف، بل يُغيّب".

وأكد الفنان التشكيلي سامي بن عامر أنه إذا كانت الحرية المقصودة تشمل ما يمكن أن تكون الثورة قد قدّمته للمبدع والفنان والمثقف عمومًا من ظروف ملائمة للإبداع فإن ذلك يبقى من قبيل الخيال. لقد سمعنا مطوّلًا الخطابات والوعود حول القانون الأساسي للفنان وحول المجلس الأعلى للثقافة وحول حضور الفنان في السّاحات العمومية وحول متحف الفن الحديث والمعاصر، وحول الكثير من مثل هذه المشاريع الأساسية التي من خلالها ينهل المبدع حريته وينتعش إبداعه.

اقرأ/ي أيضًا: "الحديقة المحرّمة": عن خيبات كبرى لذات تبحث عن منبت

وأضاف أن كل "هذه الخطابات تلاشت واندثرت وأصبحت سرابًا، لقد أغرق السياسيون خلال هذه العشرية رجالات الثّقافة في الوهم والتّخيل، فازدادت همومهم وانكسرت طموحاتهم".

 وشدد بن عامر على أنه في خضمِّ هذا كلِّه، لا غرابة أن نستمع اليوم إلى الخطاب الظلامي في أعلى لهجته تحت قبّة البرلمان، مضيفًا أن الظلامية والتّطرف يتغذّيان من حالة التصحّر الثّقافي والعطالة الفكرية في أروقة المجتمع. إنها نتيجة حتمية لما نحن عليه.

سامي بن عامر: السّؤال الحقيقي والاستراتيجي، هو كيف يمكن أن نحقق ثورة ثقافية حقيقية تمكننا من حرية التعبير التي تفتح مجال البناء والتأسيس التربوي والثقافي، تنهض بالفكر النقدي وتُعلي الخطاب الإبداعي وتكون منطلقًا فاتحًا لمجال التّنمية الشّاملة؟

وحسب الفنان التشكيلي والجامعي سامي بن عامر، إن السّؤال الحقيقي والاستراتيجي، هو كيف يمكن أن نحقق ثورة ثقافية حقيقية تمكننا من حرية التعبير التي تفتح مجال البناء والتأسيس التربوي والثقافي، تنهض بالفكر النقدي وتُعلي الخطاب الإبداعي وتكون منطلقًا فاتحًا لمجال التّنمية الشّاملة؟

وختم محدثنا بالقول إن "من الواضح أن لا ثورة حقيقية دون ثورة ثقّافية تنير الطريق".

المخرج والمؤلف المسرحي وليد الدغسني: نحن إزاء أزمة معنى ساهم فيها الجميع بما في ذلك المثقف نفسه

منذ البداية، أشار المخرج المسرحي وليد الدغسني إلى أنه كان منتظرًا أن تسند ثورة الشارع ثورة فكرية، لكن ذلك لم يحدث أبدًا، وخابت الأحلام، مضيفًا: "الأسباب نعلمها جميعًا، وذلك بعد أن استحوذت القوي المضادة على كل ما ينتجه العقل التونسي من علم وثقافة وفن تحت شعار (نكبتنا في نخبتنا)".

وأوضح أن هذه العداوة المرتبة والمفتعلة، أنتجت عديد النكبات على مر العشر سنوات الماضية على غرار حادثة العبدلية وفيلم برسيبوليس وسينما الأفريكا وغزوة "المنقالة" من مجاميع سلفية متطرفة في اليوم العالمي للمسرح، وإيقاف عدة مهرجانات وعروض فنية.

وبين الدغسني أنه لا يجب إنكار مسؤولية المثقف فيما حصل في السنوات السابقة وما وصلناه من بؤس ثقافي، إذ تخلي البعض عن دورهم في النقد والتثوير وتنوير العقول وقد يكون ذلك خوفًا أو توددًا لأصحاب القرار الجدد، ورغم الجهود القليلة من مسرحيين وسينمائيين وغيرهم. إلا أن الوضع الثقافي بقي منكوبًا، وعمقت الدولة ذلك بإضعاف وزارة الثقافة وتحويل المهرجانات الكبرى إلى مرتع لكل من هب ودب على حساب الفن الجاد والمثمر.


المخرج والمؤلف المسرحي وليد الدغسني

وأوضح المؤلف المسرحي وليد الدغسني أنه عندما نكتشف حجم ميزانية وزارة الثقافة يصيبنا الخوف حتمًا على مصير البلد وهو يسير دون عقل.  دون أن ننسى السلطة الجديدة وهي سلطة النقابات التي حادت عن أدوارها المرسومة واكتسحت كل الميادين الثقافية وتدخّلت بشكل مباشر في التعيينات في وزارة الثقافة وما جاورها، مما عزّز المحسوبيّة وتهميش الكفاءات.

اقرأ/ي أيضًا: "بوسعدية".. رقصة الحرّية على أنغام الأغلال

وتابع القول: "لقد تمّ كلّ ذلك عبر الضغط المتواصل وتهديد وزراء الثقافة المتعاقبين الذين أذعنوا لأجندات الأحزاب ورغبات النقابات، ولم يسمح ذلك بإنشاء استراتيجيا ثقافية واضحة، بل على العكس من ذلك فقد أصبحت تونس بلا بوصلة فكرية، لا في السياسة ولا في الاقتصاد ولا في التعليم ولا في أيّ ميدان آخر".

وختم وليد الدغسني حديثه بالقول إننا إزاء أزمة معنى عميقة ساهم فيها الجميع بما في ذلك المثقف نفسه.

الدكتور وأستاذ الفلسفة كريم الطرابلسي: لم تطمح الثورة لأن يلتزم المثقف بقضاياها

أوضح كريم الطرابلسي أستاذ الفلسفة أنه عندما اندلعت أحداث الثورة التونسية كانت ملامحها تحيل على أنّها واقعة اجتماعيّة وتاريخيّة قائمة على صراع بين الدّولة كجهاز للقمع والشعب كذات ثوريّة تطمح لاستعادة الكرامة بدلالاتها المختلفة.

وأضاف أن منطقها كان يجمع بين كونها غير منظّمة أو فوضويّة وفي نفس الوقت هي  حراك منظّم، وفي ذلك تأكيد لدور المثقّف وهو ما ثبت فيما بعد. لكن المهمّ هو منطق البدايات، إذ لم يكن المثقّف التّونسي مع انطلاق الثورة صاحب مشروع تحكمه إيديولوجيا واضحة قادرة على مواجهة الدّولة كجهاز إيديولوجي ما جعله متأخّرًا عن سيرورة الأحداث فكان أثر ذلك واضحًا بعد سقوط النّظام.

كريم الطرابلسي: لم نعد نعلم من نكون ولكنّنا نمتلك أحلامًا لا يمكن أن تجسّدها إلاّ إيدولوجيا جديدة هي إيديولوجيا الفنّ الّذي لا يخضع لمشاريع الهيمنة وإنّما يقاوم حتّى تبقى الحرّيّة مغزى الثّورة التّونسيّة

وبين كريم الطرابلسي لـ"الترا تونس" أن الفلسفة المعاصرة قدّمت قراءة جديدة للمثقّف يقطع مع القول بالمثقّف الكوني الذي يمتلك الحقيقة من جهة، لكنّه يضفي المعنى على الحياة فنجده يعبّر عن طموحات المجتمع في الحرية والعدالة، لتضعه في إحداثيّات "المثقّف المتخصّص"، على حدّ عبارة ميشال فوكو، الذي بقي حضوره تقنيًا ومنهجيًا يهتمّ بالجزئي  دون اعتبار لمنزلته.

ويضيف الطرابلسي أن ذلك هو حال المثقّف التونسي الذي كانت إنتاجاته في مجال الكتابة والصّورة مجرّد يوتوبيا يحكمها خيال جامح وعاطفة ملتبسة منساقة نحو المستحيل فسقطت في الهوّة بين حدود العقل والجنون.

وذهب الطرابلسي إلى أن الذّات الثّوريّة التونسية لم تطمح لأن يكون المثقّف ملتزمًا بقضاياها فيترك أثرًا يكون في شكل كوميديا سوداء أو مسرح ملحمي تزول فيه الحدود بين الإستطيقي والسياسي داخل إطار تمثيل يدفع إلى التّفكير بعمق، ولم تطمح لأن تكون السّينما ذات تقنيات متطوّرة ترسم صورة "هيجان الحركة الحرّة للأجساد" فتكون مناسبة "للتّشكيل الرّمزي للأسطورة الجماعيّة".

ويشير محدثنا إلى أن الشّعب التّونسي يعلم علم اليقين أنّ ذات المثقّف، في زمن النظام السابق، قد تشكّلت داخل حديقة الإيديولوجيا المهيمنة التي جعلت من الرقابة والأغلال طريقة تفكير ونمط عيش فحوّلته إلى ذات بلا عمق ولا أفق وسلبت منه روح الإنسان الثّوري.

اقرأ/ي أيضًا: المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر.. عندما تنتصر إرادة الشعب للذاكرة الثقافية

وتابع القول: "لذلك لم تكن الإنتاجات السينمائية المرتبطة بسينما المؤلّف أو "الكاميرا قلم"  لتقدّم لنا شيئًا عن المثال الثّوري للإنسان الجديد ولم نجد ثورة شكليّة لفنّ من الفنون قادرة على التّعبير عن الأجناس الأدبية الرومنطيقيّة لشعب أراد العيش في فضاء الممكن السعيد".


الدكتور وأستاذ الفلسفة كريم الطرابلسي

وأضاف: "أراد الشّعب التّونسي أن تكون له يوتوبيا خاصّة به تفتح مسارات للخيال دون أن تسقط في المستحيل ولكن خانته الإيديولوجيا بشكل أو بآخر".

أستاذ الفلسفة كريم الطرابلسي يرى فيما يرى حول الثورة في ذكراها وعلاقة المثقف بذلك أن الإيديولوجيا المهيمنة التّشكّل ضمن المشاريع الجديدة تخفي كلّيّة شرسة جعلت من "البراديغم الديمقراطي" أسلوبها الجديد في تفكيك الرّوابط الحيويّة بين المثقّف والواقع فحوّلت الاستقلاليّة إلى مجرّد ترف فكري وبضاعة نستهلكها كلّما كانت الرّغبة حاضرة لتنتهي بصورة ظرفيّة وتعيد الظّهور وفق تخطيط مسبق.

وختم حديثه بالقول: "لم نعد نعلم من نكون ولكنّنا نمتلك أحلامًا لا يمكن أن تجسّدها إلاّ إيدولوجيا جديدة هي إيديولوجيا الفنّ الّذي لا يخضع لمشاريع الهيمنة وإنّما يقاوم حتّى تبقى الحرّيّة مغزى الثّورة التّونسيّة".

الشاعر ورئيس لجنة حفظ الذاكرة بهيئة الحقيقة والكرامة عادل معيزي: مازال المثقف يدور في أفلاك السلطة

تحدث الشاعر عادل معيزي منذ البداية عن فكرة حلم وهي إنشاء مؤتمر وطني للثقافة والإبداع تتم فيه دعوة كل الهياكل الثقافية والإبداعية والشخصيات الرمزية، والجلوس معًا للتفكير حول ما حدث  وخاصة الإكراهات التي اعترضت المثقف في العشر سنوات الماضية والذهاب إلى حلول منها صيانة الثورة وتحويلها إلى نسق ملهم للأجيال.

وتطرق الشاعر عادل معيزي إلى غياب دور المثقف رغم هامش الحرية الذي حازه مستعرضًا بعض الأسباب الحائلة ومنها أن غالبية المثقفين يدورون في فلك السلطة.

وأوضح معيزي أن المثقف هنا ليس خادمًا للسلطة أو مساندًا لها فحسب، بل هو ذاك الذي يسعى للوصول للسلطة ولنا أمثلة عديدة في تونس أساءت لصورة المثقف.


الشاعر ورئيس لجنة حفظ الذاكرة بهيئة الحقيقة والكرامة عادل معيزي

وبين معيزي أن المثقف المستقل الذي يفكر ضمن إطار مفهومي يتعلق بالوطن وليس بمفهوم السلطة والنظام القائم يُغيّب تقريبًا عن المشهد التونسي وهو في اعتقاده من أسباب القطيعة التي حصلت بين المثقف والثورة.

وختم عادل معيزي تدخله بالقول إنه لا يمكن أن نتحدث عن هامش الحرية في مناخ من التكفير والترهيب والإرهاب، موضحًا أن "المثقف فيما مضى كان يخشى الدخول إلى السجن بسبب تفكيره الحر، أما اليوم فقد أصبح يخشى على حياته ضمن ما يشبه الإطار العام من الحرية التي يروج لها أعداء الحرية".

 

اقرأ/ي أيضًا:

حصاد الثقافة في تونس سنة 2020: كورونا تقسو على قطاعات وتنعش أخرى

شريط "فتح الله تي في".. ملحمة جيل على صفيح الموسيقى والسياسة وأشياء أخرى