النخبة التونسية تكسر جدار المنع.. وتحتفي بالكاتب الأرجنتيني ألبارتو مانغويل

النخبة التونسية تكسر جدار المنع.. وتحتفي بالكاتب الأرجنتيني ألبارتو مانغويل

أجري اللقاء مع ألبارتو مانغويل مساء السّبت 22 فيفري 2020 بالمكتبة الوطنية

 

"إرادة القارئ لا تقهر" (ألبارتو مانغويل)

في لحظة ما من التّاريخ، كانت تونس ستبذل ماء وجهها أمام العالم بعد أن ألغى وزير الشؤون الثقافية اللّقاء مع الكاتب الأرجنتيني الكبير "ألبارتو مانغويل" الذي برمجه بيت الرواية التونسي، وأعلن عنه ضمن مواعيده العالميّة وظلّ يرّتب دقائق أموره مع الوكالة الأدبية للكاتب الأمريكي اللاّتيني الشهير منذ ما يقارب السنة، لولا تلك الصيحة الجريئة التي أطلقها الكاتب والرّوائي كمال الرياحي مدير بيت الرواية وخروجه عن واجب التحفظ ضمن ندوة صحفيّة التأمت بمدينة الثقافة وكشف خلالها تفاصيل الحرب الباردة منذ سنوات بينه وبين وزير الثقافة والدّسائس التي كانت تحاك ضدّ "بيت الرّواية" ومحاولة إخراجه من مقرّه الحالي بالمدينة إلى فضاء "القصر السّعيد" بضاحية باردو.

دخل مانغويل إلى قاعة الطاهر الحدّاد بالمكتبة الوطنية التونسية محفوفًا بالكتّاب التونسيين ووسط هالة من التصفيق تقديرًا "وانتصارًا لإرادة القارئ"

كما أوضح الرياحي أنّ التعطيل الفجئي لمقدم الضّيف الأرجنتيني قبل أيام قليلة من موعد قدومه إلى تونس ودون تفسير واضح لذلك يتنزّل هو الآخر ضمن هذا الإطار الدسائسي الذي أضرّ بصورة تونس في اللحظة التي نعمت فيها بالحرّية.

وهو الأمر الذي حدا بمجموعة من الكتّاب والجامعيين والإعلاميين والمثقفين التونسيين بالتكفّل برحلة الضّيف بدل وزارة الشؤون الثقافية وإنجاز اللقاء في موعده المقرّر مع تغيير المكان من مدينة الثقافة إلى رحاب دار الكتب الوطنية التونسية التي تديرها الجامعية رجاء بن سلامة، والتي انشقّت هي الأخرى "كمثقّفة غرامشيّة " وفتحت الفضاء العمومي المهيب للمكتبة الوطنية في لقطة رمزية تضامنية مع بيت الرواية ومع الساحة الثقافية التونسية التي تداولت هذه الحادثة بين مساند ومحايد. وأجري اللقاء مع ألبارتو مانغويل "الرّجل المكتبة"، مساء السّبت 22 فيفري/ شباط 2020، وسط حضور كثيف من التونسيين والعرب الذين تنقلوا خصيصًا لملاقاة ألبارتو مانغويل.

اقرأ/ي أيضًا: مسرحية "السنترا".. سجينات يحكين آلامهن على خشبة المسرح


تم إنجاز اللقاء مع الكاتب الأرجنتيني في المكتبة الوطنية عوضًا عن مدينة الثقافة

دخل مانغويل إلى قاعة الطاهر الحدّاد بالمكتبة الوطنية التونسية محفوفًا بالكتّاب التونسيين ووسط هالة من التصفيق تقديرًا "وانتصارًا لإرادة القارئ" ولإرادة شعب مازال أمامه الكثير من القيود التي يجب كسرها. في أقصى يسار القاعة، كان تمثال المفكّر الطاهر الحدّاد ينتصب مزهوًّا وهو يرى أحفاده من المثقفين وهم يقتفون خطاه الشجاعة بكسرهم لحواجز السلطة التي تروم دوما الهيمنة على الثقافة وتوظيفها.

ألبارتو مانغويل تحدّث بشجاعة نادرة عن القضيّة الفلسطينية

الضّيف الأرجنتيني المرموق حاوره وتنافذ معه فكريًّا وأدبيًا وحضاريًا الشاعر والمترجم التونسي آدم فتحي، وذلك انطلاقًا من مفاهيم فلسفية كلاسيكية كان ألبارتو مانغويل يتفاعل معها بأسلوب مخصوص ومتجدد في رواياته ومحاضراته.

ألبارتو مانغويل تحدّث بشجاعة نادرة عن القضيّة الفلسطينية وذكر حرفيًّا "ولكي تحل هذه الأزمة، لا بدّ من عودة الأرض للفلسطينيين". وأضاف أنه التقى الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش وتحدّث معه عن ضرورة بعث المكتبة الوطنية الفلسطينية إيمانًا منه بأن صون الذاكرة يحمي المستقبل ويحرر الشعوب من المنافي، مشيرًا في هذا الصدد إلى "أننا جميع أتينا من هناك.. من المنافي". وأكّد مانغويل للتونسيين أنّه حان الوقت لإنجاز هذه المكتبة الفلسطينية ولو افتراضيًا.


مانغويل كان فيلسوفًا هادئًا وهو يخوض في "مستحيلية القراءة "

اقرأ/ي أيضًا: مسرحية "سكون" لنعمان حمدة.. عندما يتحوّل التّسآل إلى ضمّيدة

مانغويل كان فيلسوفًا هادئًا وهو يخوض في "مستحيلية القراءة " أمام اعتقاد اللغة بحسمها منذ الأقدم لتسمية العالم " آدم تعلّم الأسماء كلّها منذ اللحظة الأولى" ليستفيض في قدرة الأدب على منح القارئ تلك الأدوات التخييلية التي بها يكسر تلك السجنية والشمولية التي تحاول اللغة بسطها. ويلخّص مانغويل ذلك في كلمة بسيطة وعميقة وهي "إرادة القارئ".

الكاتب الأرجنتيني لم يتخلّ عن لكنته الإسبانية وهو يتحدّث بفرنسية بسيطة، حيث قدّم نظرة متجددّة لمفاهيم خلنا أن الفلسفة على مرّ تاريخها قد حسمت أمرها في تعريفها، فالفشل حسب اعتقاده ليس شقاء مرًّا، فهو مع الأدب والشعر يمكن أن يتحوّل إلى نجاح، تمامًا كما كان يفعل سيزيف مع صخرته التي يعود إليها كلما فشل.

أمّا بخصوص مفهوم الاستشراق، والذي يقدّم على أنه دراسة كافة البنى الثقافية للشّرق من وجهة نظر غربية، فإنّ مانغويل يرى أن ذلك هو نوع من الانحياز وبالتالي ضرورة التخلي عن ذلك وترك المسألة أمام إرادة القارئ ليشقّ طريقه مع التجارب الحضارية والأدبية والتراجيديات الكبرى كيفما شاء. ووصف التعريفات القديمة للاستشراق بأنها نوعا من البغاء الثقافي.   

ألبارتو مانغويل: المواطن لا يكون مواطنًا إلا بالقراءة

وعن صداقته وعلاقته العميقة بأحد أعظم كتّاب القرن العشرين، وهو مواطنه الشاعر الأرجنتيني خورخي بورخيس، الذي خلفه على رأس المكتبة الوطنية الأرجنتينية بعد رحيله سنة 1986، أكّد أنه "كاتب علّمته الحياة ما لم نتعلّم بعد ونحن الآن نمتح من تجربته ومدوّنته الأدبية". هذا المعلّم حدّثنا عن الكتاب بأنه الأكثر دهشة بين كل الأدوات التي اخترعها الانسان طوال تاريخه، إنّه امتداد للذاكرة والمخيّلة، أمّا بقية الأدوات فهي امتداد للجسد. وأضاف مانغويل متحدثًا عن بورخيس "الأدب بالنسبة إليه لا جنسيّة له، إنه أمّ الإنسانية... الشعوب ترحل والأدب يبقى، إنّ الأدب عند بورخيس هو وطن الأوطان".

وتحدّث ضيف تونس ألبارتو مانغول عن "مجتمع الكتابة " في مواجهة "البؤس الثقافي"، فهو يرى أن المواطن لا يكون مواطنًا إلا بالقراءة، فهي التي تمكّنه من أن يصبح شريكًا للكاتب في تأويله للعالم في محاولة إعادة تسميته على طريقة "آدم"، "القراءة تعلّمنا الحريّة والحريّة تعلمنا الإرادة". ويذهب مانغويل في هذا الخصوص إلى أن المدرسة يجب أن تلعب دورها الحقيقي في تنمية الخيال لدى الناشئة حتى نخلق قرّاء لأدبنا الذي يحوّل الماضي إلى حاضر.

اللقاء مع الكاتب الأرجنتيني الكبير تحققه يشبه إجابة اللاعب دياغو مارادونا على إثر تسجيله لهدف بيده في مباراة بلده الأرجنتين ضد إنكلترا في كأس العالم سنة 1986 عندما قال " إنّها يد الإله"، نعم إنها استجابة القدر لإرادة القارئ التونسي رغم ما رافق هذا اللقاء من "قصص كابوسيّة " على حدّ عبارة الروائي كمال الرياحي مدير بيت الرواية التونسي.

إنّ تحقق هذا اللقاء كان اختبارًا لعافية نخبة تونسية لا تلين بل أثبتت أنها قويّة وقادرة على الذهاب بتونس وانتقالها الديمقراطي الهش إلى ذرى الحرّية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

صوت فلسطين الحرّة.. حينما يُلقي الثلاثي جبران قلوبهم على الركح

عمار بلغيث.. رسام حوّل أحد كهوف جبال الكاف إلى فضاء للفن