المدني والأهلي في الاحتجاجات الاجتماعية في تونس

المدني والأهلي في الاحتجاجات الاجتماعية في تونس

هناك من يصل مطلبه بمسار بناء الديمقراطيّة وهناك من يجعل من المطلب الاجتماعي مدخلاً للطعن في المسار وإبطاله (صورة أرشيفية/محمد مدلة/وكالة الأناضول)

 

كتبنا عن الدولة وعن علاقتها بهامشها وقدرتها على الإنصات إلى مطالبه الاجتماعيّة. وهل بإمكانها أن تتبيّن بذلك مجالها السياسي وأن تنتبه إلى حقيقة الانقسام الاجتماعي، وأن رأبه وثيق الصلة بتجاوزها مركزيّتها  الموروثة إلى تنمية مستدامة تقطع مع منوال الرعاية والإحسان. وهي تنمية لن تكون إلا نتيجة شراكة حقيقيّة بين مكوّنات المجال السياسي الاجتماعي كلّها في ظلّ دولة المواطنيّة. 

اقرأ/ي أيضًا: عندما تُصغي الدولة إلى هامشها

احتجاج موسمي وسياق سياسي جديد

ممّا بقي في الذاكرة، زمن الحركة الطلابيّة في ثمانينيّات القرن الماضي، أنّ إعلام السلطة في العهد البورقيبي كان يتحدّث عن "حُمّى فيفري" التي تصيب الحركة الطلابيّة موسميًّا. وهو يشير بذلك إلى ما تعرفه الساحة الطلابيّة من تصعيد في التحرّكات تفاعلاً مع الحركة الشعبيّة في مطالبها الاجتماعيّة المحفوفة بدلالات سياسيّة قويّة تخشاها السلطة. 

ومعلوم منذ السبعينيّات أهميّة نهاية سنة وبداية سنة جديدة في برامج الدولة التنمويّة ويرافقها من مناقشة الميزانيّة في برلمان الحزب الواحد والرئيس مدى الحياة. وتبدأ الساحة الاجتماعيّة في التفاعل، ولا يصل شهرا جانفي/ يناير وفيفري/ شباط من السنة الجديدة حتّى يبلُغ الاحتجاج الاجتماعي ذروته. وفي الغالب يتمّ ردع التحرّكات إذا توسّعت وحصلت خشية من "تسييسها". وكان من تقاليد النظام أن ينزل الوزراء إلى الجهات لتوضيح مخطّط الحكومة وبرامجها التنمويّة في مواجهة مطالب تنموية حقيقيّة. وكثيرًا ما كانت سياسة "الاتصال المباشر" تؤتي أكلها في التخفيف من حدّة الاحتجاج بوعود جديدة سرعان ما ينساها الواعد قبل الموعود. 

الانتفاض المواطني كان يشير، قبل الثورة وبعدها، إلى ضرورة خروج الدولة من مركزيّتها وجهويّتها لتكون دولة الجميع

وكان الإعلام ووزارته صوتَ الحكومة ونظام الحزب الواحد، في غياب شبه تام لإعلام معارض. ومثّلت أحداث 26 جانفي 1978 وأحداث الخبز في 3 جانفي 1984 صورة عن الاحتجاج الاجتماعي الذي كانت تعرفه البلاد، مع اختلاف نوعي بين الحدثين. 

كانت أحداث 78 تشير إلى أزمة داخل أجنحة السلطة انعكست على علاقة الاتحاد العام التونسي للشغل بالنظام السياسي وهو جزء منه. إلى جانب ما عرفه العمل النقابي من تسييس بتأثير من اليسار النقابي داخل منظّمة الشغيلة. في حين كانت أحداث 1984 ردّة فعل شعبيّة عميقة بعد الزيادة في سعر الخبز، وانتفاضًا اجتماعيًّا انطلق من مدينة قبلّي بأقصى الجنوب التونسي ليتوسّع تدريجيّا ويعمّ كامل البلاد. وهو انتفاض من جنس الانتفاض المواطني الذي أطاح بنظام بن علي رغم المساندة المطلقة من قبل المركزيّة النقابيّة وجانب من منظّمات المجتمع المدني، واصطفافها وراء "صانع التغيير" وتزكيتها سياسة المناولة المذلّة وسكوتها عن اقتصاد الريع والحكم العائلي المافيوزي المتمدّد.   

ويمكن، مع قليل انتباهٍ، أن نجد أثرًا لهذين الرافدين (النقابات، والانتفاض المواطني) في كلّ ما عرفته البلاد من احتجاجات اجتماعيّة منذ 2011. وفي كلّ ما تعرفه هذه الأيّام بعد توقيع اتفاق الكامور مع حكومة هشام المشيشي. 

الجديد اليوم ليس هذين الرافدين وإنّما هو السياق الذي ألَمَّ بهما. كان سياق الاستبداد ونظام الحزب الواحد. غير أنّ الانتفاض المواطني في 2011 رفع سقفًا للحريّة عاليًا تجري في ظلّه اليوم عمليّة انتقال إلى الديمقراطيّة صعبة وهي اليوم المرجعيّة التي على قاعدتها تُفرَز المواقف وهي مرجعيّة الدولة والحكومة وكلّ القوى التي ترى نفسها ضمن شروط بناء الديمقراطيّة والدولة الحديثة.

الانتفاض المواطني في 2011 رفع سقفًا للحريّة عاليًا تجري في ظلّه اليوم عمليّة انتقال إلى الديمقراطية صعبة وهي اليوم المرجعيّة التي على قاعدتها تُفرَز المواقف

مرجعيّة الديمقراطيّة ومسار انتقالها صارت علامة تقاس عليها مواقف كلّ الطيف السياسي والنقابي، وكلّ الفاعلين في الإعلام وصناع الرأي ومستقبل البلاد السياسي والاقتصادي. وهي قاعدة فرز دقيقة أمام عجز ثنائيات القديم/الجديد والثورة/الثورة المضادّة عن تغطية كلّ مفردات المشهد السياسي وتبيّن اتجاهاتها.

وإذا كان رافد النقابات والمجتمع المدني لا يخرج عن تحوّلات النظام السياسي (في العهدين البورقيبي والنوفمبري) وأزماته وسعيه إلى تجاوزها للحفاظ على الحكم والسلطة وامتيازاتهما باسم الدولة فإنّ رافد الانتفاض المواطني كان يشير، قبل الثورة وبعدها، إلى ضرورة خروج الدولة من مركزيّتها وجهويّتها لتكون دولة الجميع.

اقرأ/ي أيضًا: بين السياسي والاجتماعي.. أي دور اليوم للاتحاد العام التونسي للشغل في تونس؟

بين المجتمع المدني والمجتمع الأهلي  

المجتمع المدني، من وجهة نظرنا، كان صنيعة الدولة والعصا التي هشّت بها على قوى المجتمع الأخرى التي لم تغطّها. وهي التي نسمّيها تارة المجتمع الأهلي الذي تركته الدولة للعراء وطورًا الهامش أو الداخل. وإذا كان مشروع حشّاد، وهو نواة المشروع الوطني، مثلما أشرنا في أكثر من مناسبة، وأساسه دمج المدني والأهلي في "النقابي"، وأنّ اغتياله كان اغتيالاً لهذا المشروع. فإنّ جوهر المشروع الوطني اليوم يتمثّل في محاولة دمج المدني والأهلي أو المركز والهامش في "الديمقراطي". ومنهما يكون المجتمع التونسي الجديد الموحّد. ويتجسّد الدمج عمليّا في رأب الصدعيْن الهووي (مشترك وطني) والاجتماعي (تنمية مستدامة). ولكنّ الذي يعنينا بدرجة أولى هو مصداقيّة هذه الثنائيّة (مدني/أهلي) التفسيريّة ودورها في فهم توجّهات الاحتجاجات الاجتماعيّة المتأجّجة في الجهات واتجاهاتها وطبيعة القوى الفاعلة فيها وعلاقتها بمرجعيّة الديمقراطيّة ومسارها الانتقالي.

ولتتوضّح الصورة نُفرد ثلاث بؤر للتوتّر الاجتماعي هي الحوض المنجمي وجمنة والكامور بالتركيز. ونقدّر أنّها من الحالات الاجتماعيّة الأكثر تعبيرًا عن أداء كلّ من المدني والأهلي، بعد الثورة. ولقد كان الحوض المنجمي، قبل 2008 وبعدها، قاعدة احتجاج مواطني عميقة الجذور في الكدح العمّالي وظروف العمل الشاقّة، وسياسات التمييز في حظوظ التنمية في دولة الاستبداد الجهويّة ومظالمها الاجتماعيّة.

إن جوهر المشروع الوطني اليوم يتمثّل في محاولة دمج المدني والأهلي أو المركز والهامش في "الديمقراطي" ومنهما يكون المجتمع التونسي الجديد الموحّد

ولا تخرج أحداث الحوض المنجمي في 2008 عمّا أشرنا إليه من علاقة المدني الأهلي. فالذي تحمّل أعباء التحرّكات هي العائلات ونسائها وشبابها. وقد أفصحت بعض شهادات مناضلي الحوض المنجمي، في جلسات الاستماع، في هيئة الحقيقة والكرامة، عن قيادات نسويّة أهليّة فذّة واجهت ببسالة قمع السلطة وأجبرتها على التراجع. 

وحتّى القيادات النقابيّة الجهويّة لم تكن تخضع لسلطة المركزيّة النقابيّة المنخرطة في تزكية سياسة بن علي الاجتماعيّة والأمنيّة الظالمة. وقد غلب على هذه القيادات المحليّة التزامها الأهلي على ثقاقتها المدنيّة وانتماءها النقابي. بل إنّها ترى في انخراطها المحلّي المقاوم وعيًا نقابيًا أصيلاً.    

مع الثورة، تغيّر المشهد وعاد المطلق الإيديولوجي، بعد انتخابات 2011 التأسيسيّة. وإنّ من اجتمعوا على مناهضة الاستبداد اختلفوا، بعد سقوطه، حول العلاقة بمكوّناته في الدولة العميقة. فكان هذا الاختلاف الثغرة التي عاد منها القديم. وانعكس هذا الخلل في الأولويات عند القوى المحسوبة على الثورة على المشهد. فأجهض مسار التأسيس الذي انتهى انتقالاً ديمقراطيًا. وكانت النتيجة أنّ القوى المحليّة التي كانت تواجه عنف النظام وظلمه في الحوض المنجمي صار جزءٌ منها سببًا في تعثّر نسق الإنتاج وعلى علاقة بمافيا الفسفاط إنتاجًا ونقلاً. 

في جمنة والكامور يختلف الأمر تمامًا. فالتحرّكات أهليّة صرف. رغم ما بين جمنة والكامور من اختلاف في طبيعة الحركة ومداها. فجمنة تجربة في التنمية المحليّة والاقتصاد التضامني مجاله جزء من واحات جمنة تمّ تحريرها، بعد مسار من استغلالها من قبل المستعمر بواسطة حكَمَة القهر. ثم من قبل من خلفه في دولة الاستقلال بواسطة المراكنة. ولقد ضمّت تركيبة جمعيّة واحات جمنة كلّ طيف المشهد السياسي المحسوب على الثورة مثل حزب العمّال والنهضة وحزب المؤتمر وحركة الشعب. وهو طيف فشل في بناء مشترك يحتاجه بناء الديمقراطيّة وتأسيس الحريّة في المركز. غير أنّ من فرّقتهم الدولة جمعتهم الواحة. أو لنقل إنّ من فرّقهم "المدني" جمعهم "الأهلي". 

القوى المحليّة التي كانت تواجه عنف النظام وظلمه في الحوض المنجمي صار جزءٌ منها سببًا في تعثّر نسق الإنتاج وعلى علاقة بمافيا الفسفاط إنتاجًا ونقلاً

اقرأ/ي أيضًا: بعد الأعمال التخريبية الأخيرة.. متى يقع حلّ أزمة نقل فسفاط قفصة؟

الدولة وضرورة وحدة السياسة والموقف

السرديّة الغالبة على الاحتجاج الاجتماعي هو أنّ اتفاق الكامور كان الشرارة التي أطلقت مارد المطلبيّة الاجتماعيّة من قمقمها. وهو مهدّد لوحدة الدولة وعلاقتها بمجالها. وهذه السرديّة تجد بعض المصداقيّة في توسّع الاحتجاج وتهديد بعض الحاجيات الضروريّة مثل غاز المنزل والماء. ويلاحظ أيضًا أنّ مواقف الفاعلين في المشهد ـ بمن فيهم الأكاديميون ـ لم تكن ثابتة إلاّ في القليل النادر. وتوتّر الجميع بين موقف يرى في هذا التوسع المطلبي تهديدًا للدولة ووحدتها، وموقف يرى فيه ملفّا لم يعد قابلاً للتأجيل. وأنّ المتوجّسين إمّا أنهم أصحاب مصالح من النظام المركزي القديم ولوبيّاته وحلفائه، أو أنّهم ممّن طال بهم عهد المركزيّة وحكمها، فلم تعد لهم القدرة على تخيّل تجربة سياسيّة خارجها.

لم تجرؤ الدولة بحكوماتها المتعاقبة منذ 2011 على التنزيل المتدرّج لباب الحكم المحلّي المثبت بالدستور ودعوته إلى تشريك فعليّ للجهات وتحميلها المسؤوليّة كاملة في تجويد عيشها من خلال مواردها المحليّة، ومغادرة حالة الانتظار التي رسّختها الثقافة المركزيّة حتّى صارت عادات مُسْتَحكمة.  

وفي سياق هذا الاحتجاج، كانت ردّة فعل لافتة من بلديّة الڤطار من ولاية ڤفصة، فقد مَنعت مرور شاحنات نقل الفسفاط من وسط المدينة الصغيرة لما تسبّبه من تلويث للبيئة، وما تخلّفه من دمار للطرقات الهشّة. ووراء كلّ هذا حقيقة مسكوت عنها هي أنّ الفسفاط كان يُشحن على متن قطار السكك الحديدية التابع للدولة وبأقلّ كلفة، ولكنّه صار ينقل بواسطة شاحنات على ملك لوبياّت جهويّة/مركزيّة افتكّت تدريجيّا هذا الامتياز في ضُعْف الدولة وغفلة. وكلّ من حاول تحريك الملفّ لتصحيح الوضع جُوبِه من قبل إعلام هذه اللوبيات وصفحاتها في التواصل الاجتماعي. وهذا ما حصل لبلديّة مدينة الڤطار ورئيسها. فقد اتّهمته هذه اللوبيات بالتمرّد ونيّة تأسيس "إمارة الڤطار". وقد انساق بعض الإعلاميّين وراء عمليّة التضليل هذه.

ومن جهة أخرى، فإنّه إلى جانب الاحتجاج الاجتماعي، كان هناك في الأسبوعين الماضيين أداء مثير في أعلى مؤسسات الدولة. ومنه ما صرّح به وزيرا الداخليّة والدفاع. واعتُبِر أنّ في كلامهما خروجاً عن تقاليد التحفّظ فيما يتّصل بأسرار الدولة ومؤسسات السياديّة. وإنْ كان الوجه الآخر لحديثهما عن حالات فساد تخترق المؤسّستين الأمنيّة والعسكريّة هو أنّ الدولة تتّجه إلى أن تنفض عنها ما يكبّل إرادتها تدشين إصلاحات ضروريّة. وفي السياق نفسه، كانت المواجهة بين وكيل الجمهوريّة والرئيس الأوّل لمحكمة التعقيب. بالإضافة إلى ما ألمح إليه محافظ البنك المركزي من امتناع البنك عن تمويل الحكومة فيما تحتاجه من نقص في ميزانيّتها العامّة.

توتّر الجميع بين موقف يرى في هذا التوسع المطلبي تهديدًا للدولة ووحدتها، وموقف يرى فيه ملفّا لم يعد قابلاً للتأجيل

هذه المواقف، وهذا الخروج غير المألوف، وهذه المواجهات غير المسبوقة مضافة إلى الاحتجاج الاجتماعي الذي كاد يتحوّل إلى سياسة ليّ ذراع بين الجهات فيما صار يعرف بـ"غلق الفانات" (وليس أمام أيّ جهة إلا أن تكتشف "فانتها" أو حنفيّة ثروتها) صارت تمثّل مصدر خوف على وحدة الدولة واستمرارها. وكان أكثر "الخائفين" هم دعاة "البيان الأوّل" الذين لم يستطيعوا كتم رغبتهم في دفن المسار الانتقالي وطيّ صفحة مشروع بناء الديمقراطيّة. وجلّ هؤلاء من النظام القديم ومنهم وزراء سابقون لبسوا "السفساري". ومنهم من أكاديميا التسوّل في النظام القديم ومنهم المستكتبون عنده من مرتزقة الجامعة. ومثلما ناشد هؤلاء بن علي ونصروا منظومة تعذيبه واضطهاده للمعارضة الوطنيّة وتنكيله بالشعب يناشدون اليوم الرئيس قيس سعيّد لكي يقرأ البيان الأوّل. ولقد كان لأحدهم الجرأة بأن دعا إلى الدَّوْس على كلّ "شرعيّة انتخابيّة" لتحلّ محلّها "شرعيّة أخلاقيّة قيميّة" تحتّمها أولويّة الإنقاذ والنخوة الوطنيّة. 

إنّ المزعج هذه المنازلات الشاملة في مؤسسات الدولة السياديّة، ولا في الاحتجاج الاجتماعي الواسع وإنّما في اختلاف الأرضيّة التي يتمّ عليها كلّ هذا. وهي ليست أرضيّة موحّدة. فهناك من يصل مطلبه بمسار بناء الديمقراطيّة. وهناك من يجعل من المطلب الاجتماعي مدخلاً للطعن في المسار الديمقراطي وإبطاله. فالصراع العميق الذي ينظم كلّ هذه المنازلات في القضاء والإعلام والجهات إنّما هو بين تيّار بناء الديمقراطيّة وتيّار استعادة نظام الاستبداد. وبين هذين الحدّين تتوتّر قوى عديد القوى، ولكنّ الفرز لا يتوقّف.

هناك من يصل مطلبه بمسار بناء الديمقراطيّة وهناك من يجعل من المطلب الاجتماعي مدخلاً للطعن في المسار الديمقراطي وإبطاله. فالصراع العميق الذي ينظم كلّ هذه المنازلات إنّما هو بين تيّار بناء الديمقراطية وتيّار استعادة نظام الاستبداد

وإنّ أخطر ما يثير القلق غياب الانسجام في موقف أعلى هرم الدولة ومؤسساتها التشريعيّة والتنفيذيّة. وأشدّها إزعاجًا غياب رؤية سياسيّة موحّدة وبرنامج سياسي تلتقي عليه السلطة التنفيذية. فبين خطاب الرئاسة وخطاب الحكومة هوّة حقيقيّة يفاقمها سكوت رئيس الجمهوريّة عمّا يُنسب إليه من تنسيقيّات في الجهات لا تُخفي مناهضتها لمسار بناء الديمقراطيّة، ولا تتردّد في الانحراف بالاحتجاج الاجتماعي وأهدافه. وتجد هذه القوى في غياب مرجعيّة الديمقراطيّة ومسارها في خطاب الرئاسة مبرّرًا للتمادي في هذا التوجّه من "الفوضويّة العاميّة" التي لا يليق بها أحسن من نعت "الشعبويّة". وهي في هذا تلتقي موضوعيًّا مع بعض الفاشيّة ومع النقابات وقواعدها من في الاتحادات الجهويّة من شعب التجمّع المهنيّة المتحوّلة إلى نقابات لتكون صوت النظام المركزي القديم ولوبياته. 

مطلوب من الدولة أن توحّد خطابها وأن يكون لها "برنامج سياسي" تنزل به إلى الجهات لتوضّح الصورة، ولكنّ الدولة أميل إلى الصمت وإذا تكلّمت فبأكثر من خطاب. وهذا هو الخطر الحقيقي المهدّد. إذ تكفي كلمة من رئيس الجمهوريّة يعلن فيها أنّ الأرضيّة الجامعة هي أرضيّة الانتقال إلى الديمقراطية واستكمال بناء مؤسساتها كفيل لإيقاف أطماع كلّ المناشدين وكلّ المتربّصين بالتجربة ودعاة ّالبيان الأوّلّ. ولكن يبدو أنّ هذا غير مرغوب فيه، أو غير مقدور عليه أولا مفكّر فيه. ومع ذلك فبناء الديمقراطيّة ماض ما دامت شروطه قائمة رغم حجم التحدّيات واتساع الأزمات.   

 

اقرأ/ي أيضًا:

2020 في تونس.. سنة الجوائح المناخية والصحية والسياسية

مقترح حوار وطني.. محاولة افتكاك المبادرة من جديد في تونس