عقد على ثورة

عقد على ثورة "الكرامة" بتونس: حلم ينتظر التحقيق

النصب التذكاري لعربة شهيد الثورة محمد البوعزيزي (فتحي بلعيد/ أ ف ب)

 

خُطّ على أحد جوانبه "الشعب يريد" أحد أشهر شعارات ثورة 17 ديسمبر/ 14 جانفي، بدا النصب التذكاري لـ"برويطة" البوعزيزي ثابتًا في مكانه وسط مدينة سيدي بوزيد، مهد الثورة التونسية، بعد مرور عقدٍ على اندلاع شرارتها إثر إضرام محمد البوعزيزي، شهيد الكرامة و"الخبزة"، النار في جسده يوم 17 ديسمبر/كانون الأول 2010.

إلى جانب شعار "الشعب يريد"، كُتب بخطّ متين "17 ديسمبر 2010 / 13 أكتوبر 2019"، ويصادف التاريخ الثاني موعد الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي أفرزت قيس سعيّد رئيسًا للبلاد، وكأن من خطّ هذين التاريخين، رجا أن يكون كلاهما موعدين مفصليين في تاريخ تونس المعاصر. 

وأعلى النصب التذكاري لعربة الشهيد، دوّن شعار "مانيش مسامح"، الذي رُفع في تاريخ سابق، ضدّ مسامحة "فاسدي" النظام السابق. 

شعاران وتاريخان لخّصوا، بفرشاة وبعض دهان، ما يضمره شعب، من غضب إرادة وحلم، على مدى 10 سنوات بتمامها وكمالها.

إلى جانب شعار "الشعب يريد"، كُتب بخطّ متين "17 ديسمبر 2010 / 13 أكتوبر 2019"، ويصادف التاريخ الثاني موعد الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وكأن من خطّ هذين التاريخين رجا أن يكون كلاهما موعدين مفصليين في تاريخ تونس المعاصر

ولا تزال سيدي بوزيد إلى اليوم إحدى أفقر الولايات التونسية بمتوسط معدل فقر قدّر بـ25% ، ومعدّل بطالة بـ17.7 % ، وفق دراسة بعنوان "خارطة الفقر في تونس" نشرها المعهد الوطني للإحصاء بتاريخ 23 سبتمبر/أيلول 2020. 

كما تضمّ سيدي بوزيد معتمديات ذات معدّلات فقر عالية على غرار بوزيان (39 %)، المزونة (34.3 %) ، وجلمة (31.4 %).

وأكدت الدراسة ذاتها أن أفقر معتمديات ولاية سيدي سيدي بوزيد تعاني من التهميش، غياب التنمية، تردّي البنية التحتية، الانقطاع المبكر عن الدراسة، ارتفاع معدل البطالة، التوجه إلى النزوح الريفي، ارتفاع نسب المهاجرين غير النظاميين...

وليست سيدي بوزيد إلا نموذجًا عن عديد الولايات الأخرى التي لا تزال تشكو من مختلف مظاهر غياب التنمية اقتصاديًا واجتماعيً، وهو ما تجلّى في مختلف التحركات الاحتاجية التي تندلع بين الحين والآخر، رافعة شعارات شبيهة بتلك التي رفعت في الثورة وبعدها.

ضرورة التوافق على عقد اجتماعي جديد

وفي خضمّ هذا الشأن، يرى الباحث في علم الاجتماع محمد الجويلي، في تصريح لـ"ألترا تونس"، أن "كل مرحلة تكون فيها انتفاضة أو ثورة كبيرة يفترض أن يقع التوافق حول عقد اجتماعي بشروط جديدة وأساسًا بالشروط التي جعلت الناس ينتفضون على نظام، أو على وضع اجتماعي بشكل عام"، مستدركًا أن "هذا لم يحصل، وبقي العقد الاجتماعي تقريبًا محافظًا على عناصره القديمة".

لا تزال سيدي بوزيد إلى اليوم إحدى أفقر الولايات التونسية بمتوسط معدل فقر قدّر بـ25%  ومعدّل بطالة بـ17.7 % ، وفق دراسة بعنوان "خارطة الفقر في تونس" للمعهد الوطني للإحصاء

وأشار، في هذا السياق، إلى أن أغلب ما نادى به التونسيون من مطالب خلال الثورة لم يتحقق، فالعدالة الاجتماعية لم تحصل سواءً بين الجهات أو بين الأشخاص، والفئات الهشة زاد عددها، وارتفعت نسب البطالة والفقر..."

وأرجع الجويلي ذلك إلى أن "الفاعلين أساسًا لم يتغيروا بشكل ضمنيّ، فهم يعتمدون تقريبًا نفس الآليات، ولديهم نفس الأفكار"، مشيرًا إلى أنهم "لم يتفرغوا أساسًا للتفكير في التغيير، خلافاتهم بالأساس حول المناصب، ويخوضون حرب تموقع، أكثر منه التفكير في بناء منظومة اجتماعية جديدة، وإرساء عقد اجتماعي بقواعد وأخلاق جديدة"، وفق تعبيره.

وأضاف الباحث في علم الاجتماع أن "فشل الدولة في إرساء منظومة اجتماعية جامعة خلق ثغرات اجتماعية، مما ساهم في بروز قوى جديدة، استغلت هذه الثغرات ودخلت من خلالها إلى عالم السياسة، على غرار عديد الجمعيات كجمعية "خليل تونس" على سبيل الذكر لا الحصر. هذه القوى الجديدة تسربت وأخذت تقوم بما يجب أن تقوم به الدولة ككيان راعٍ.

اقرأ/ي أيضًا: المدني والأهلي في الاحتجاجات الاجتماعية في تونس

وتابع القول: "ظهرت إشكاليات جديدة، إذ تأججت حركات احتجاجية جديدة، اجتماعية بالأساس مرتبطة بالتنمية والتشغيل ومطالب بتحسين مستوى المعيشة بشكل عام، مما جعل القوى الاجتماعية تتجه إلى الأقصى في مطالبها كما حدث مع تنسيقية اعتصام الكامور وغيرها"، مستنتجًا أن "ذلك دليل على أن الدولة فشلت فعلًا في أنها ترسي، في عشر سنوات، تعاقدًا اجتماعي مبنيًّا على شعارات الثورة الأساسية من كرامة وعدالة اجتماعية وعدالة تنموية...".

محمد الجويلي (باحث في علم الاجتماع): يجب إرساء عقد اجتماعيّ جديد بناءً على قواعد وشروط جديدة قائمة على شعارات الثورة الأساسية من كرامة وعدالة اجتماعية وعدالة تنموية...

وأوعز الباحث في علم الاجتماع ذلك إلى أنه من السهل إرساء عقد اجتماعي في الأنظمة المستبدة نظرًا لغياب أطراف مفاوضة وهو ما حدث في عهديْ حكم بورقيبة وبن علي، لكن الأنظمة الديمقراطية، خاصة خلال فترة الانتقال الديمقراطي، تجد صعوبة في التوافق حول عقد اجتماعي جامع باعتبار أن الأطراف المفاوضة تكون متعددة ومن مشارب سياسية وفكرية وإيديولوجية مختلفة وحتى متعارضة".

واستطرد في هذا الإطار: "ها قد مرت عشر سنوات على الثورة ولا زلنا نختلف حول ملامح العقد الاجتماعي الذي سنرسيه، وحول الطرف الذي سيشرف عليه"، على حد قوله. 

ثورة غير مكتملة

ولعلّ تأزم الوضع الاجتماعي وعدم القدرة على تحقيق أغلب المطالب الاجتماعية التي ينادي بها المحتجون في تحركاتهم، مردّه بالأساس تدهور الوضع الاقتصادي الذي بلغ أرقامًا حمراء، خاصة بعد ما خلفته أزمة كوفيد من تداعيات على جلّ القطاعات.

وفي هذا الإطار، اعتبر المختص في الشأن الاقتصادي والناطق الرسمي باسم قلب تونس، محمد الصادق جبنون، أن تونس، لئن نجحت إلى حدّ ما في المضي قدمًا في مسارها الانتقالي السياسي، فإن ثورتها لا تزال غير مكتملة بعد على المستوى الاقتصادي. 

وأوضح، في تصريح لـ"ألترا تونس"، أن هذه الثورة المنقوصة باتت تشكّل تحديًا أمام التونسيين، يستوجب إعادة النظر في منوال التنمية الاقتصادية، والبحث بشكل أشمل عن حلول لإدخال إصلاحات من شأنها خلق النهوض الاقتصادي، مشددًا على أن تسريع وتيرة النمو الاقتصادي بات ضرورة وحاجة ملحة.

وأضاف جبنون، في سياق متصل، أن الوضع الاقتصادي المتأزم حوّل المطالب المرفوعة في الاحتجاجات من مطالب سياسية، إلى مطالب اقتصادية واجتماعية، مشيرًا إلى أن هذه الاحتجاجات لم يقتصر منظموها على المطالبة بالتنمية والتشغيل فقط، بل نادوا أيضًا بحصة أكبر في موارد وثروات جهاتهم على اعتبار أنهم الأولى بها، مثلما حدث في الكامور، وسار على خطاه محتجون في جهات أخرى. 

محمد الصادق جبنون (مختص في الشأن الاقتصادي): لئن نجحت تونس إلى حدّ ما في المضي قدمًا في مسارها الانتقالي السياسي، فإن ثورتها لا تزال غير مكتملة بعد على المستوى الاقتصادي

وأشار إلى أن "تونس منذ الاستقلال لم تأخذ منحى القيمة المضافة والتميز التكنولوجي، وهو ما جعل منوالها الاقتصادي بعيدًا عن التطور"، مضيفًا أنها "كانت دائمًا تعتمد اقتصاد المناولة، ثم انطلقت في اقتصاد الخدمات وبالخصوص السياحة، التي تدهورت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة".

ولفت المختص في الشأن الاقتصادي إلى أن "تونس اليوم لم تعد قادرة على جذب الاستثمار وعلى خلق الثروة"، موضحًا: "نحن اليوم في تصنيف الحريات الاقتصادية في المرتبة 128 من 155 دولة، مع وجود ضغط جبائي مرتفع، فضلًا عن تردي البنية التحتية والخدمات والمرافق، ... كل هذه العوامل تتسبب في تنفير المستثمرين"، وفق تقديره. 

وأردف جبنون، في ذات السياق، أن "بعض الاستثمارات العمومية المتعلقة بالثروات الطبيعية ( مثل معمل الحلفاء، شركة الفسفاط في الحوض المنجمي، المجمع الكيميائي التونسي) في حد ذاتها تجاوزها التاريخ، ولم يقع تطويرها إلى الجيل الرابع من الصناعة ولم يقع خلق الجيل الجديد من الصناعة الذي سيعوضها".

اقرأ/ي أيضًا: 2020 في تونس.. سنة الجوائح المناخية والصحية والسياسية

وشدد محدث "ألترا تونس" على ضرورة وضع خطط صناعية وخطط للبنية التحتية وخطط تنمية متوازنة، فضلًا عن ضرورة تشجيع المبادرة ، تشريك فعلي للقطاع الخاص، وتثمين الاقتصاد التضامني الاجتماعي.

كما أكد الصادق جبنون أنه لابدّ من "تثمين وتطوير القطاع الأساسي، وهو الفلاحة، الذي لم يقع إعطاؤه الأهمية التي يستحقها والذي بإمكانه تشغيل عدد هام من التونسيين بأجور جيدة، من خلال التحكم في مسالك التوزيع وتطوير الاقتصاد التضامني الفلاحي ودفع التجربة الفلاحية من خلال دفع الإنتاج ودعم وتمويل صغار الفلاحين وتمكينهم من الوسائل التكنولوجية الحديثة"، على حد تقديره.

الانتقال الديمقراطي نجح ولكن...

وبعيداً عن المطبّات والإخفاقات الاقتصادية والاجتماعية التي لا تزال عالقة، فإن هناك اتفاقًا على أن ثورة تونس نجحت في نقل البلاد إلى المسار الديمقراطي، لكن يبقى عدم استكمال إرساء عدد من الهيئات الدستورية، في مقدمتها المحكمة الدستورية، عقبة أمام هذا المسار. 

صلاح الدين الجورشي (محلل سياسي): رغم الكثير من الصعوبات التي شهدتها تونس طيلة عشر سنوات، إلا أن مسار الانتقال الديمقراطي ما يزال قائمًا، وبالتالي من الضروري التروّي والانتظار لسنوات أخرى، حتى نحكم آنذاك حكمًا كاملًا على مدى صلابته ونجاحه

ويقول المحلل السياسي صلاح الدين الجورشي، في تصريح لـ"ألترا تونس"، إن مسار عشر سنوات من الثورة هو مزيج بعض الانتكاسات من جهة وبعض المكاسب التي تحققت من جهة أخرى.

ويرى، في هذا السياق، أن هناك دعوات متعجلة تريد أن تحكم على الثورة التونسية بالخسران وبالانتكاسة الكاملة وبالفشل، معتبرًا أن في ذلك الكثير من التسرع وعدم التقييم بموضوعية. 

وتابع الجورشي القول إن "رغم مرور عشر سنوات بعد الثورة ورغم الكثير من الصعوبات والمشاكل التي حصلت، إلا أن مسار الانتقال الديمقراطي ما يزال قائمًا، وبالتالي من الضروري التروّي والانتظار لسنوات أخرى، حتى نحكم آنذاك حكمًا كاملًا على مدى صلابة هذا الانتقال ومدى قدرته على النجاح"، وفق تعبيره.

وأضاف المحلل السياسي أن "قضية حرية التعبير واحترام الحد الأدنى من الحقوق الإنسانية وتمكين المجتمع المدني من حركة واسعة، تعتبر على الأقلّ المكاسب الرئيسية التي حققتها الثورة ومازالت قائمة إلى حد الآن رغم بعض الصعبات"

في المقابل، اعتبر محدث "ألترا تونس" أن "القوى الحزبية في تونس أثبتت أنها لم تصل إلى مستوى أن تدرك ماهية الديمقراطية وأن تحترم قواعد اللعبة الديمقراطية، وخاصة أن تترجم الثقافة الديمقراطية إلى سلوك سياسي سواءً على مستوى التنظيم، أو التحالفات، أو تقديم الرؤى والبرامج".

الجورشي: جزء كبير من الأحزاب السياسية في تونس دون برامج ودون قدرة على تصوّر تونس بعد 10 و 20 سنة، الخيال السياسي عند هذه النخبة ضعيف جدًا إن لم يكن معدومًا

ولفت، في السياق ذاته، إلى أن الأحزاب التونسية لاتزال في أغلبيتها الساحقة ضعيفة، وغير قادرة على التعبئة، وتعتمد على التجييش وعلى البعد الفردي، ولم تنجح بالقدر المطلوب في بناء أحزاب حقيقية، مضيفًا أنها "مازالت في مرحلة ما قبل الأحزاب بالمعنى الحديث للكلمة، وهو ما أعطى فرصة بروز الخطاب الشعبوي الذي يتوسع يومًا بعد يوم ويجعل من الشعارات بديلًا عن البرامج وتكون هذه الشعارات في الغالب سطحية ولا تتضمن رؤية مستقبلية"، حسب رأيه.

وتابع الجورشي القول: "لهذا السبب جزء كبير من الأحزاب السياسية في تونس دون برامج ودون قدرة على تصوّر تونس بعد 10 و 20 سنة، الخيال السياسي عند هذه النخبة ضعيف جدًا إن لم يكن معدومًا، وبالتالي هذه الأحزاب غارقة في السفاسف وفي النشاط اليومي، وكذلك خاضعة لرود الفعل وليس لها الصبر على إدارة مرحلة انتقالية صعبة مثل المرحلة التي تمرّ بها تونس"، وفق تصريحه. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

أفيون الثورة التونسية

بخطى حثيثة نحو إخصاء الثورة... وبالقانون!