حي التضامن.. بصيص نور خافت وسط ظلمة التهميش

حي التضامن.. بصيص نور خافت وسط ظلمة التهميش

يزخر حي التضامن بمواهب تعاني التهميش وصورة نمطية موصوم بها (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

 

"حي التضامن" هو الحيّ الذي إذا ذُكر اسمه قد تتغيّر النظرات نحوك ويرفض سائق التاكسي أن يقلّك وتلاحقك عبارات "حي البراكاجات"، "حي الإجرام"، "كيفاش تعيشوا غادي" وكأنّك تقطن في المرّيخ. هذه هي الصورة لحيّ بقي على امتداد سنوات مهمّشًا ومنسيًا لكنّه يوضع في ميزان السياسيين والراغبين في ثقل انتخابي ليصبح هذا الحي مزارًا للجميع في فترات الحملات الانتخابيّة.

"105"، "106"، "حفرة معاش"، "حومة البلدية" وغيرها من الأنهج والأزقّة التي اشتهر بها حيّ التضامن وهو يضمّ أكثر من 90 ألف ساكن يتوزّعون على مساحة لا تتجاوز 400 هكتار وفق إحصائيات المعهد الوطني للإحصاء لسنة 2014، جعلت منه "الصين الشعبية" للبلاد التونسيّة كما يُقال. حيّ ينبض حياة صباحًا مساءً فلا تغيب الحركيّة فيه سوى في ساعات متأخّرة من الليل ليفسح المجال لـ"ناس اللّيل".

 يضمّ حي التضامن أكثر من 90 ألف ساكن يتوزّعون على مساحة لا تتجاوز 400 هكتار

 

هي منطقة المتناقضات، فبقدر عدد مجرميها عدد مبدعيها، وبقدر عدد مسجونيها عدد مثقفيها، وبقدر كارهيها هناك أناس لا يشعرون بالانتماء إلّا فيها. ففي أحد أزقة حي التضامن، قد تجد من يبيع الخمر خلسة ويحاذيه في المسكن من يعجّ درجه بالشهائد العلميّة، قد تجد من يلعن اليوم الذي وجد فيه نفسه في هكذا مكان وأخ له لا يرى مكانًا في العالم أفضل من مقعد في "قهوة مختار" التي تطلّ على شارع ابن خلدون.

مشعل أمل للحالمين بالتغيير

إلياس الشارني (24 سنة) شاب ترعرع في هذا الحي الشعبي صنع قصّة نجاحه وهو اليوم صانع أفلام وصاحب مشروع في المجال السمعي البصري، وتحمل مسيرته مشعل أمل لكلّ الحالمين بالتغيير في حياتهم.

يتحدّث إلياس لـ"ألترا تونس" عن التحدّيات والصعوبات التي لقيها للوصول لطريق حصد فيه نجاحات متواصلة، قائلًا: "إحاطة عائلتي ورغبتي المستمرّة في تحقيق أحلامي هي التي أنقذتني من براثن الانحراف والطيش. ليس من السهل أن تجد نفسك في وسط محبط ومتشائم يعاني التهميش ولا توجد فيه أبسط مقوّمات العيش الكريم ومع ذلك كانت أحلامي أكبر بكثير من واقعي".

إلياس الشارني: ليس من السهل أن تجد نفسك في وسط محبط ومتشائم يعاني التهميش ولا توجد فيه أبسط مقوّمات العيش الكريم

اقرأ/ي أيضًا: حي هلال في تونس.. لا يزال للأمل مكان

ويضيف إلياس أنّ طبيعة عملته جعلته يحتكّ بعديد الأشخاص من فئات اجتماعيّة مختلفة ودائمًا ما تكون ردّة فعلهم صادمة عندما يعلمون أنّه "ابن حيّ التضامن"، كما أنّه يتلقّى بعض العبارات الاستفزازيّة من سائقي سيّارات الأجرة على حدّ تعبيره. ويقول إلياس، عن ردة فعله، إنّه إمّا يبتسم ويصمت أو يدخل معهم في نقاش وعادة ما يدافع عن حيّه باعتبار أنّ جميع الأماكن في العالم "فيها الباهي وفيها الخايب" وأنّ حي التضامن أنشأ عديد المشاهير من رياضيين وفنّانين وممثّلين.

ويختم محدّثنا قائلًا:" حيّ التضامن يتغيّر لكن بنسق بطيء نظراً لقلّة التأطير ورداءة الأوضاع الاجتماعيّة والاقتصاديّة ومع ذلك هناك أمل في شباب يؤمن بقدراته ويستطيع صنع المعجزات بأفكاره".

هشام (اسم مستعار): المخدّرات هي الحلّ!

طريق إلياس لم تكن وعرة بقدر طريق هشام (اسم مستعار)، 35 سنة، التي كانت مليئة بالعثرات. دخل السجن ثلاث مرات بسبب مشاجرات و"براكاجات" واستهلاك لمادّة الزطلة، هو شاب كآلاف الشباب في هذا الحي لم يجدوا حلّا للخروج من وضعياتهم سوى منفذ العربدة والإجرام. فلا يوجد في هذا الحي أي مكان للترفيه سوى المقاهي وحديقة عموميّة يتيمة يتوافد عليها الجميع بحثًا عن فرصة للترويح عن النفس سواء لهم أو لأطفالهم.

لا يوجد في حي التضامن أي مكان للترفيه سوى المقاهي وحديقة عموميّة يتيمة يتوافد عليها الجميع بحثًا عن فرصة للترويح عن النفس

يتحدّث هشام لـ"ألترا تونس" عن الوضع الذي يعيشه: "بالله آش تحبيني نعمل؟ لقد تركت الدراسة في سنّ مبكّرة ووالدي عامل يومي يعمل بحواضر البناء ويشقى جاهدًا حتى يحصّل لقمة العيش لعائلة تضمّ ستّة أبناء. لذلك لم أجد سوى الشارع حضنًا يرعاني، والشارع "ذراعك يا علّاف" إن لم تفرض نفسك نهشت كما تنهش الكلاب".

يعبر هشام بكلمات حارقة عن يأسه ممّا تبقّى في حياته خاصّة وأنّه خرّيج سجون وأنّه لم يفلح في أيّ عمل، على حدّ تعبيره، خاتمًا بالقول :"الشيخة (في إشارة للمخدرات) هي الحل".

اقرأ/ي أيضًا: عائشة.. تونسيّة تقاوم مرارة الواقع بـ"حلاوة" إزالة الشعر

حي التضامن في مواجهة صورة نمطية بصدد التغيّر

"كعبة البيرة في حي التضامن ليست ككعبة البيرة في اللاك (منطقة "البحيرة: المرفّهة)"، هكذا عبّر زياد الخميري (26 سنة) لـ"ألترا تونس" عن التحامل الذي يحمله البعض تجاه الأحياء الشعبيّة، مضيفًا أن المشاكل والفساد موجود بكامل أحياء البلاد من الحي الراقي إلى الشعبي ولكنّ المنظور له يختلف باختلاف المكان، على حدّ قوله.

زياد، مصوّر فوتوغرافي من أبناء دوّار هيشر، يعمل في شركة لحفظ الصحّة ليستطيع جمع ثمن ما يستحقّه من معدّات ليمارس مهنته وشغفه الذي ورثه عن والده وأخيه. تعرّض لاستقطاب من عديد الأحزاب السياسيّة لكنّه رفض كلّ محاولاتهم واختار أن يعمل بمجهوداته الخاصّة ليطوّر عمله وتكون له بصمته في حيّه وفي مجال اشتغاله وفق ما حدّثنا به.

تساهم مواقع التواصل الاجتماعي تدريجيًا في تغيير الصورة النمطيّة للأحياء الشعبيّة

 

"زازا، شاكلوّ، أشرف خاينة هم أبناء التضامن.. أقوى منتجي الموسيقى ترعرعوا في هذا الحي على غرار killer الذي تعامل مع أكبر مغنّي الراب في تونس، أمين العيادي في المزود، فهمي دوبل باك وغيرهم من الأسماء. أقوى الرياضيين في تونس والذين حصدوا ميداليات عالمية تدرّبوا في قاعات الحي ونشؤوا فيها مثل غفران بالخير في رياضة رفع الأثقال وسارة الحامدي في المصارعة.. ومازال الحي يفرّخ الناجحين"، هكذا تحدّث زياد بفخر عن أبناء حومته، مؤكدًا أنّ الإقصاء والتهميش هو ما ينتج الإرهابي والمتطرّف والمجرم، على حدّ قوله.

زياد الخميري (26 سنة): نحن من ننقل صورة الحومة أينما نتنقّل لذلك علينا أن نتماهى مع الآخرين في تصرّفاتهم دون أن نخرج من قشرتنا

"يجب على أبناء الحي التأقلم مع الوضع فأغلبهم لا يفرّق بين "شيختو وفسادو" وبين عمله ومستقبله. نحن من ننقل صورة الحومة أينما نتنقّل لذلك عليها أن نتماهى مع الآخرين في تصرّفاتهم دون أن نخرج من قشرتنا"، هكذا كانت رسالة زياد لأبناء مدينته مضيفًا أنّ مواقع التواصل الاجتماعي تساهم تدريجيًا في تغيير الصورة النمطيّة للأحياء الشعبيّة من خلال تسويق صورة مبدعيها والناجحين فيها.

وعن الحلول التي يراها للنهوض بالوضع، يؤكّد زياد الخميري أنّه على الدولة توفير دور الشباب وملاعب الرياضة والأطر التي يستطيع فيها الشباب تفجير طاقاته، ونوّه بدور الجمعيات والبلديّة في معاضدة مجهودات الدولة.

ووجه محدثنا لومًا للإعلام بسبب الصورة التي يسوّقها للأحياء الشعبية والتي تكون عادة مرتبطة بالفقر والإجرام والعمليات الإرهابيّة وفق تأكيده، قائلًا إن أغلب وسائل الإعلام لا تبحث بين أزقّة هذا الحي عن قصص النجاح المخفيّة على حدّ تعبيره.

بالنهاية، رغم محاولات أبناء الجهة المتكرّرة للفت نظر الدولة بجميع هياكلها لهذا الحيّ العريق، إلّا أنّه يظل قنبلة موقوتة قد تنفجر في لحظة يأس فيما قد يزهر، في المقابل، أملًا في لحظة تفاؤل.

 

حينما يواجه أطفال حي التضامن التهميش تشبثًا بالأمل في التغيير (زياد الخميري)

 

اقرأ/ي أيضًا:

الأحياء الشعبية التونسية: على هامش الدولة (1/2)

الأحياء الشعبية التونسية: على هامش الدولة (2/2)