حصاد الثقافة في تونس سنة 2020: كورونا تقسو على قطاعات وتنعش أخرى

حصاد الثقافة في تونس سنة 2020: كورونا تقسو على قطاعات وتنعش أخرى

سجلت الأفلام التونسية خلال سنة 2020 دخولها لنتفليكس ومن بينها "بيك نعيش" لمهدي البرصاوي (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

 

يبقى الفعل الثقافي بمعانيه الفنية والإبداعية والفكرية فعلاً إنسانيًا يمارس يوميًا بالسليقة، فالمجتمعات تظل تمارس الثقافة كفعل وجود وهي في أوج أزمتها، لأن الثقافة تحدث توازنات لا مرئية أساسية بالنسبة للفرد فتخفف من عزلته الذاتية، كما تزيح من على وجه المجتمع تلك الخدوش التي يخلّفها العيش المشترك بالمفهوم الخلدوني للكلمة. 

وقد تتنوّع الأزمات لكن المجتمع الثقافي يتكيّف معها ويتدبّر آليات جديدة تحقق له نسبة استمرار وحضور حتى ولو كانت ضعيفة وهو ما حصل مع تفشي فيروس كورونا في العالم بأسره طيلة سنة 2020، حيث كانت الثقافة والفعل الفني والإبداعي رغم الصعوبات الاقتصادية ملاذاً آمناً للمجتمع تخفف من الوطأة النفسية للفيروس على الإنسان.

طيلة "أشهر الكورونا" المنقضية تراجع المنتج الثقافي في تونس بمختلف اختصاصاته إلى أكثر من النصف لكنه لم ينعدم تمامًا 

والمجتمع التونسي كغيره من المجتمعات لم يكف يومًا عن الفعل والممارسة الثقافية فقد ظلت الحياة الثقافية تعيش سيرورتها ومراكمة رصيدها التاريخي مع كل الأزمات تقريبًا بما في ذلك زمن تفشي جائحة كورونا طيلة سنة 2020.

طيلة "أشهر الكورونا" المنقضية تراجع المنتج الثقافي في تونس بمختلف اختصاصاته إلى أكثر من النصف لكنه لم ينعدم تمامًا حيث اختارت بعض القطاعات التوجه إلى العالم الشبكي وخلقت لنفسها حياة افتراضية مكنتها من الاستمرار لكن تعطلت العروض والتسويق بنسبة تصل إلى تسعين في المائة وتضررت العديد من القطاعات الثقافية مثل المسرح والسينما وصناعة الكتاب والموسيقى والفنون الموجهة للطفل. تأجلت أيضًا التظاهرات الدولية الكبرى وأغلقت المتاحف وهو ما خلق العديد من الأزمات المادية داخل مجتمع الفاعلين الثقافيين خاصة أولئك الذين يؤمّنون حياتهم بفضل العروض واللقاءات مع الجماهير.

دفع كل ذلك بالدولة، ممثلة في وزارة الشؤون الثقافية، إلى خلق أشكال استثنائية للدعم المادي لكن ذلك لم يكن كافيًا إذ تظاهر احتجاجًا طيلة شهر نوفمبر/ تشرين الثاني المنقضي العديد من الفنانين والممثلين وأصحاب الشركات الثقافية الصغيرة في ساحة الحكومة بالقصبة واعتصموا لأيام طويلة بمدينة الثقافة مطالبين وزير الشؤون الثقافية بتعديل البروتوكول الصحي الثقافي بما يمكنهم من استئناف أنشطتهم وتسويق منتجهم وهو ما حصل فعلاً إذ تم التعديل مع بداية شهر ديسمبر/ كانون الأول فعادت الحياة الثقافية إلى النشاط بنسق بطيء في انتظار العودة الكاملة. 

اقرأ/ي أيضًا: تنشيط مسرحي عن بُعد.. المسرح في مواجهة كورونا

"الترا تونس" يحاول من خلال هذه الورقة أن يقدّم حصاد الموسم الثقافي في تونس طيلة سنة 2020 حسب أهمية الأحداث ومدى إيقاعها وطنيًا وعربيًا ودوليًا:

  • حضور الكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل: حدث بارز في سنة 2020 تونسيًا

يعتبر قطاع المطالعة والصناعات والتظاهرات المتعلقة بالكتاب من القطاعات الأساسية في المشهد الثقافي التونسي لما له من تأثير عميق في تنمية الحس والوعي الحضاري لدى المواطنين وقد تم خلال سنة 2020 رصد ما قيمته 18.855 مليون دينار وهو ما يمثل 5 في المائة من حجم ميزانية وزارة الشؤون الثقافية له وهي الميزانية التي لم ترتق بعد إلى واحد في المائة من الميزانية العامة للدولة.

من أبرز ما حصل خلال سنة 2020 في مجال الكتاب والمطالعة، زيارة الكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل الملقب "الرجل المكتبة" إلى تونس بدعوة من بيت الرواية

أمّا أبرز ما حصل خلال سنة 2020 في مجال الكتاب والمطالعة فيتمثل بالأساس في زيارة الكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل الملقب "الرجل المكتبة" بدعوة من بيت الرواية، حيث أثارت هذه الزيارة جدلاً كبيرًا على شبكات التواصل الاجتماعي بعد أن أعلن الكاتب كمال الرياحي، مدير بيت الرواية، عن تعمد وزير الشؤون الثقافية حينها تأجيل اللقاء وإحالة الملف للحكومة القادمة لكن مثقفين تونسيين داخل تونس وخارجها تحدوا القرار السياسي وأمّنوا اللقاء بمقر المكتبة الوطنية التونسية وسط تضامن كبير من النخب الحقوقية والفكرية والسياسية.

كما يبقى الإعلان عن جوائز الكومار الذهبي في دورتها الرابعة والعشرين من أهم الأحداث التي عاشتها الساحة الثقافية التونسية خلال سنة 2020 والتي توجت العديد من الكتّاب من أبرزهم الروائي حسونة المصباحي، الذي توّج بالكومار الذهبي عن روايته "لا نسبح في النهر مرّتين" والروائية أميرة غنيم التي حازت جائزة لجنة التحكيم الخاصة عن روايتها "نازلة دار الأكابر".

ومن المستجدات الهامة المتعلقة بالكتاب خلال سنة 2020، نجد إحداث البطولة الوطنية للمطالعة، والهدف الأساسي من هذه التظاهرة كان تنشيط 432 مكتبة عمومية تونسية تضمّ حوالي 80 مليون كتاب وستتواصل هذه التظاهرة طيلة سنة 2021.

ويمكن اعتبار ما أقدم عليه بعض المواطنين التونسيين من إيداع لمكتبات برمتها وأرصدة من الوثائق والمخطوطات التاريخية النادرة بدار الكتب الوطنية حدثًا هامًا طبع الحياة الثقافية والفكرية التونسية ولنا أن نذكر هنا إهداء أسرة الباحث صالح بن صويلح لمكتبة والدهم المختصّة في دراسات العملة، وإهداء ورثة المناضل والمصلح أحمد الدرعي لرصيد من المخطوطات النادرة منها مجموعة من رسائل بينه وبين صديقه الطاهر الحداد.

كما عرف الموسم الثقافي 2020 عدة إصدارات أدبية وفكرية وسياسية وبحثية هامة أثرت المكتبة التونسية والعربية ولنا أن نذكر بعيدًا عن حصر العدد كتاب "وسيلة بورقيبة.. اليد الخفية" للباحث والجامعي المرموق الدكتور نور الدين الدقي و"حسيب بن عمّار وحلم المشروع الإصلاحي" للباحث و الإعلامي رشيد خشانة و"السلفية التكفيرية في تونس من خيم الدعوة إلى تفجير العقول" للدكتور عبد اللطيف الحناشي وكتاب "منزلة الصابئة في الإسلام المبكر" للباحثة الجامعية آمنة الجبلاوي، ورواية "عين الحمام" للكاتب والإعلامي ماهر عبد الرحمان والرواية التاريخية "حجّام سوق البلاط في مهب الأهواء" للروائي حسنين بن عمو ورواية " ظل الشوك " للروائي أمين السعيدي.

من أهم الأفلام التونسية التي رأت النور في 2020 وتميزت في المهرجانات العربية والدولية نجد شريط "الرجل الذي باع ظهره" للمخرجة كوثر بن هنية

اقرأ/ي أيضًا: النخبة التونسية تكسر جدار المنع.. وتحتفي بالكاتب الأرجنتيني ألبارتو مانغويل

  • السينما التونسية تتويجات وجوائز عالمية في ظل الكورونا..

يعد قطاع السينما في تونس من القطاعات الثقافية الصناعية الحيوية والمنعشة لحياة التونسيين وقد قدّرت الميزانية المخصصة للإنتاج لسنة 2020 بثمانية ملايين دينار لكن هذه الميزانية داهمتها كورونا وأرجأت جزءًا منها الموسم المقبل ومن أهم الأفلام التي رأت النور وتميزت في المهرجانات العربية والدولية نجد شريط "الرجل الذي باع ظهره" للمخرجة كوثر بن هنية المتوج مؤخرًا بجائزة أفضل فيلم عربي في الدورة الرابعة من مهرجان الجونة السينمائي الدولي بمصر والفيلم الوثائقي الطويل "المدسطنسي" للمخرج حمزة العوني والذي مثّل تونس في مهرجان نانسي السينمائي الدولي بفرنسا كما تحصل نفس الشريط على تنويه خاص من لجنة تحكيم مهرجان باتومي السينمائي الدولي بجورجيا وكانت له مشاركة بالمهرجان السويسري "نظرة واقعية" وهو من أهم التظاهرات السينمائية المتخصصة في السينما الوثائقية.

نذكر أيضًا شريط "فتح الله تي في" للمخرجة وداد الزغلامي الذي يطرح قضايا الهامش الاجتماعي بضواحي العاصمة تونس و"بيك نعيش" وهو الشريط الروائي الأول لمهدي البرصاوي الذي يطرح من خلاله موضوع الثورة وهروب الرئيس بن علي يوم 14 جانفي/ يناير 2011 وقد تحصل هذا العمل على 16 جائزة شرقًا وغربا قبل أن يتم عرضه بتونس ومن هذه الجوائز نذكر جائزة الجمهور في المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة في الدورة الرابعة والثلاثين للمهرجان الدولي الفرنكوفوني بمدينة نامور البلجيكية وثلاث جوائز في اختتام مهرجان القاهرة السينمائي الدولي.     

كما تميز الموسم السينمائي بانضمام المكتبة السينمائية التونسية (السينماتاك) إلى الجامعة الدولية لأرشفة الأفلام بعد سنة من العمل الجاد والمستمر الذي أثمر أيضًا افتتاح الفضاء الخاص بأرشفة الأفلام التونسية بالمكتبة الوطنية.

سجلت الأفلام التونسية خلال سنة 2020 دخولها لمنصة البث التدفقي الأمريكية المعروفة في العالم "نتفليكس" من خلال عدة أفلام من بينها "دشرة" و"بيك نعيش" و"نورا تحلم"

وسجلت الأفلام التونسية خلال سنة 2020 دخولها لمنصة البث التدفقي الأمريكية المعروفة في العالم "نتفليكس" ومن هذه الأفلام نذكر "دشرة" للمخرج عبد الحميد بوشناق و"بيك نعيش" لمهدي البرصاوي و"نورا تحلم" لهند بوجمعة و"على كف عفريت" لكوثر بن هنية، وهي كلها أفلام من الموجة الجديدة التي تشكلت بعد الثورة وهي ذات مواضيع اجتماعية وسياسية جريئة تجسد قضايا نفسية والتشدد الديني والحريات الفردية. كما تجدر الإشارة إلى أنّ نسبة تراجع إقبال الجمهور التونسي على قاعات السينما قد فاقت 80 في المائة وذلك جرّاء تفشي الجائحة خاصة.

اقرأ/ي أيضًا: شريط "فتح الله تي في".. ملحمة جيل على صفيح الموسيقى والسياسة وأشياء أخرى

المسرح التونسي أول القتلى وآخر من يموت..

لم يعش المسرح التونسي على مرّ تاريخه فترة سيئة كتلك التي عاشها طيلة الموسم 2020 وخاصة طيلة أشهر الحجر الصحي العام جراء تفشي كورونا في حيث أغلقت المسارح وتوقفت التمارين والعروض وتوقفت الأنشطة كليّا مما أدى إلى بروز أزمة اجتماعية داخل قطاع المسرح جعلت من المسرحيين يقودون مظاهرات احتجاجية وتشكيل تنسيقيات تطالب الدولة بالتدخل العاجل وتقديم مساعدات عينية للمسرحيين المتضررين.

ومن تداعيات كورونا على الحياة المسرحية التونسية، نجد قرار الهيئة المديرة لتظاهرة "أيام قرطاج المسرحية" في دورتها 22 والقاضي بإرجاء النسخة الحالية إلى سنة 2021 والاكتفاء ببرنامج ملخص عنوانه "بانوراما المسرح التونسي".

ورغم ذلك أنتجت بعض المؤسسات المسرحية العمومية والخاصة في ظروف صعبة أعمالاً تستحق الذكر فهذا مركز الفنون الدرامية والركحية  بالمنستير الذي تأسس سنة 2019 يقدّم أول إنتاج مسرحي له بعنوان "النافذة الزرقاء" وهو من إخراج فتحي اللبان. 

أغلقت المسارح وتوقفت التمارين والعروض وتوقفت الأنشطة كليّا مما أدى إلى بروز أزمة اجتماعية داخل قطاع المسرح

كما تبقى مسرحية "لنقار" للمخرج الشاب هيكل الرحالي من أبرز إنتاجات السنة 2020 والتي قدمت عروضها الأولى بفضاء التياترو بالعاصمة بعد التعديل الأخير للبروتوكول الصحي العام في قسمه الثقافي. ومن الأعمال التي طبعت 2020  مسرحية  "راجل بهيجة" عن نص لعبد القادر الدريدي وتمثيل رياض النهدي وكوثر بلحاج وإخراج لحسام الساحلي. 

اقرأ/ي أيضًا: مسرحية ذاكرة.. مرارة الذكريات على عتبات النسيان

  • بعث المتحف الوطني للفن المعاصر 

بالنسبة لقطاع الفنون التشكيلية، فإن حصاده جيّد خلال سنة 2020 حيث تحقق للتونسيين مطلب تاريخي ببعث "المتحف الوطني للفن المعاصر" بصدور قرار الإحداث بالرائد الرسمي والذي سيكون مقرّه النهائي بمدينة الثقافة بالعاصمة وسيجمع الرصيد الوطني من الأعمال الفنية التي اقتنتها الدولة التونسية طيلة عقود ويصل عددها إلى حوالي 12 ألف عمل فني وقد تولت لجنة مشتركة بين وزارة الشؤون الثقافية ووزارة الدفاع الوطني ووزارة أملاك الدولة نقل الأعمال من مخازن القصر السعيد بباردو إلى المخازن الجديدة والعصرية بمدينة الثقافة.

كما ذهب العشرات من الفنانين التشكيليين طيلة فترة الحجر الصحي العام، الذي عرفته تونس في سنة 2020، إلى إنجاز أعمال فنية وعرضها للبيع في مزادات محلية ودولية عبر شبكة الانترنات ومن ثمة التبرع بالعائدات إلى المستشفيات التونسية وخاصة بالجهات الداخلية ومن المبادرات التي بقيت عالقة في ذاكرة السنة نجد المزاد العلني الافتراضي للرسام والأستاذ الجامعي "عمر كريّم"  ومبادرة الفنان التشكيلي حافظ مساهلي المقيم بألمانيا الذي قام بعرض جميع أعماله للبيع ورصد كل العائدات للمستشفيات التونسية.

لم تكن سنة 2020 سنة هيّنة على الفنون والآداب في تونس جراء تفشي الجائحة لكننا نحتمي بالفلسفة فنقول "تبقى الثقافة عندما يفنى كل شيء"

اقرأ/ي أيضًا: في مواجهة كورونا.. رسامون وتشكيليون تونسيون يدعمون المستشفيات ببيع أعمالهم

  • إطلاق اسم الشاذلي القليبي على مقر مدينة الثقافة 

كما صبغ الموسم الثقافي المنقضي برحيل العديد من الوجوه الثقافية والأدبية والفنية التي طبعت التاريخ الثقافي التونسي ومن الأسماء المخلّدة والتي لم تسقطها الذاكرة نجد رحيل الأستاذ الشاذلي القليبي، الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية وأول وزير للثقافة في دولة الاستقلال، وتخليدًا لذكراه تم إطلاق اسمه رسميًا على مقر مدينة الثقافة ورحل أيضًا عالم الاجتماع والمدير العام الأسبق لبيت الحكمة الأستاذ عبد الوهاب بوحديبة والفيلسوف والكاتب والروائي كمال الزغباني كما غادرتنا السيدة نعمة وهي سيدة من سيدات الغناء والفن التونسي الأصيل وغادرنا الفنان الصوفي سليم البكوش والرسام خميس ناجي والمسرحي محمد القبودي والناشرة والشاعرة إشراف عزوز.

لم تكن سنة 2020 سنة هيّنة على الفنون والآداب في تونس جراء تفشي جائحة كورونا لكننا نحتمي بالفلسفة فنقول "تبقى الثقافة عندما يفنى كل شيء".   

 

اقرأ/ي أيضًا:

المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر.. عندما تنتصر إرادة الشعب للذاكرة الثقافية

نعمة.. صوت عذب في ذاكرة التونسيين