إتلاف المحاصيل.. هل هي لعنة

إتلاف المحاصيل.. هل هي لعنة "أمك طنغو"؟

أصبح إتلاف الإنتاج الفلاحي عادة موسمية مع كل وفرة إنتاجية (وسيم الجديدي/جيتي)

مقال رأي



مثل اكتشاف الزراعة، أو الثورة الزراعية، مرحلة فاصلة في تاريخ البشر على هذا الكوكب. فبعد سنين طويلة من الصيد والركض والتخطيط، ومقارعة الوحوش، اهتدى الإنسان في هضبة الأناضول إلى أول الخطوات نحو الزراعة، وتألفت منها قرى ومجتمعات وبداية الدول مما استوجب خلاص الضرائب وتسجيلها على أيد أول محاسب "كوشيم" للحضارة السومرية فوق أرض حمورابي1.

والنتيجة هي تطور نظم الحساب وتلتها الكتابة في تدرج حضاري تاريخي إلى أن صارت الأرض على ما هي عليه الآن، لنرى دور الزراعة في التطور الحضاري للإنسان. وكانت "إفريقية" حاضرة في محفل الزراعة وعلومها عبر مزارعيها الكتاب، مثل ماغون وعبد ملقرت، والذين لم ينفكوا مع القرطاجيين حينها عن مغازلة الأرض ومراودتها، فلم تبخسهم ولم يشتكوا جوعًا يذكر بل تحققت وفرة اقتصادية أثمرت ثروة معرفية وفنية يمكن تحسس آثارها عبر العديد من اللوحات الفسيفسائية والزخرفات الجدارية، بل تطلعوا حينها للسيطرة على البحر وما جاوره.

أصبح "إتلاف الصابة" من السنن الفلاحية ببلادنا وعادة موسمية مع كل وفرة تجود بها الأرض والسماء

إلا أن للتاريخ والصيرورة التاريخية دائما رأي آخر، فتلك الحضارات الماجدة ورثها أحفاد عاقون. فمثل ما تعانيه اليونان اليوم من صعوبات اقتصادية واجتماعية، نجد ببلادنا في كل مرة من أخبار وأحداث مريرة ما يدفعنا للتساؤل عن ماهية مرتكبيها، وهل لذلك علاقة بالتاريخ أم بالجغرافيا أم بالطفرات الجينية؟

اقرأ/ي أيضًا: هل تدفع أزمة كورونا تونس إلى مزيد التفكير في أمنها الغذائي؟

فكما أبدع الأجداد في الزراعة وطوروها، أضاف الأحفاد "إتلاف الصابة" إلى السنن الفلاحية ببلادنا، فصارت عادة موسمية مع كل وفرة تجود بها الأرض والسماء. وهو ما حدث منذ أيام حين بادر مجموعة من الفلاحين إلى إتلاف كميات من البطاطا في حركة رمزية للفت النظر إلى مشاكلهم.

فإلى متى يتواصل هذا السيناريو؟ وماهي أسباب هذه الفاجعة؟ أفي كل مرة يجب أن نرى احتجاجات الفلاحين والثروات تُهدر؟ ألا يستلزم هذا الأمر برنامجًا ومخططًا استباقيًا بتنسيق بين الإدارة والفلاحين؟

"كان صابة تغلبنا... كان زمة تغلبنا"

بهذه العبارة، تعود أبي أن يختزل عادة سوء التصرف سواء في الوفرة الإنتاجية والطبيعية "الصابة" أو في نقص الإنتاج والقحط "الزمة"، فتعود به الذاكرة في كل مرة ليحدثني عن المجاعة سنوات الجفاف في الستينيات أو الفيضانات في الثمانينيات وما يعنيه ذلك من سابقات يفترض أن تكون عبرة للشعب وللمسؤولين، ويفترض كذلك أن تكون سببًا لمشاريع موضوعة لتجنب هذه المآسي مستقبلًا. لكن في كل مرة تعاني هذه البلاد من شح، ثم تجود "أمك طانغو"، فيأتي الخير ويتحول في بعض الأحيان إلى فيضانات وأكثر، ولكن تذهب مع الأسف تلك الثروة المائية كلها هباءً في البحار تحت أنظار مسؤولين يرجون "اللطف" كالعاجزين ثم يتشدقون لاحقًا بحسن إدارة الأزمة والتي هم سببها فما كانت لتحدث لولا تقاعسهم.

المشاريع المائية التي يتشدق بها عبدة الدولة الوطنية هي مشاريع فاشلة فرضت أنماطًا زراعية معينة على مناخات لا تصلح لها

فحتى المشاريع المائية التي يتشدق بها عبدة الدولة الوطنية وأولياءها، وحسب دراسة لشبكة شمال إفريقيا للسيادة الغذائية3 (شبكة تضم جمعيات إيكولوجية بيئية تونسية)، فهي مشاريع فاشلة فرضت أنماطًا زراعية معينة على مناخات لا تصلح لها، ناهيك على أن هذه "الموديلات الفلاحية" أثبتت فشلها، كزراعة القوراص بالوطني القبلي، إذ بين هذا القطاع انخفاض قدرته التنافسية بالأسواق الأوروبية أين يباع مثلًا طن واحد من البرتقال التونسي بـ561 دولارًا مقابل الضعف تقريبًا، 960 دولار، للبرتقال الإسباني، بغض النظر عن تكاليفه إنتاجه وتخزينه ونقله المرتفعة مقارنة بغيره من الأنماط الفلاحية.

كما تبين الدراسة أن كلفة إنتاج برتقالة واحدة تستوجب 80 لترًا من الماء ما يعني 560 لتر تقريبًا للكيلوغرام الواحد. فعلى سبيل المثال، بلغ إنتاج تونس سنة 2017 قرابة 560 ألف طن ما استلزم 313 مليون متر مكعب، في حين أنه في نفس السنة بلغ مخزون السدود 944 مليون متر مكعب، إذًا فنحن نصدر ثلث ماءنا الثمين دون وعي (المياه الافتراضية التي تحتويها القوارص) لسوق لا يناهز نصيبنا فيها 0.1 في المائة ونحتل فيها المرتبة 46.

وحسب نفس الدراسة، تمنع الإجراءات الحكومية ري هذه الخضراوات عبر شبكة مياه الشمال مما يؤدي إلى الغلاء، في حين توجه الماء إلى قطاع الحوامض الذي أثبت ضعف مردوديته، هذا بالإضافة إلى الدعوات المتكررة التي يطلقها نشطاء لتنظيف الطمي في قاع السدود حيث بلغ في بعضها نصف طاقة الاستيعاب. فلا يسعنا إلا التساؤل عمّن سيتحمّل المسؤولية إن صح ما ورد بالدراسة وكل ما نعيشه من تقصير، ولكن متى كانت المحاسبة مطروحة في بلادنا؟

في الدراسة المذكورة أعلاه، تفاصيل مهمة ومصادر موثوقة تطرقت إلى جوانب مهمة في القطاع الفلاحي، وقد اكتفينا بما ذكرناه منها هنا فقط للتدليل على ارتجالية مخططات الإدارة واعتباطية إجراءاتها في الوصول إلى ما نراه دوريًا من إتلاف للمحاصيل أو نقص حاد في الاحتياجات. ولكن هل هذا هو الأمر؟ أهي فقط إدارة الإنتاج والتدبير أم أن للمسألة أوجه أخرى؟

الحكم فوق عرش الجوع: يشهق ما يلحق!

في رواية "بادية الظلمات" من سلسلة "مدن الملح" لعبد الرحمان منيف، يوصي السلطان "خريبط" ابنه "راكان" وزير الداخلية: "يلزمك تشد عليهم، تخليهم يركضون وأبد ما يصلون، والواحد ما ينسدح يريد ينام إلا وبراسه ألف هم، لأنا إذا تركناهم يـسولفون ويقـسمون، تـراهم يثولونـا، ويسدون علينا الدروب خلهم ينشغلون برزقهم، وخلّ رغيف الخبز يصير بالنسبة لهم لهاية الرعيان ينشاف وما ينلحق. يرجون على الصغيرة والكبيرة، واليوم وباكر، ولساناتهم، من العطش، تتدلى شبر، حتى إذا تعبوا تأدبوا، وقالوا: إن االله حق، ويشوفون كل شيء وكأنه عطية من السماء".

اقرأ/ي أيضًا: هل يستنزف الاستثمار الفلاحي الأجنبي الثروة المائية في تونس؟

من هذه الأسطر، يستعريك دافع هام للتفكير، إذ ربما التقاعس حكمة، والتخاذل فكرة، والارتجال مبدأ إدارة. ألهذا الحد لم تستطع الدولة أن تجد حلًا للوفرة في كل مرة؟ ثم إن تشابه الحوادث مع أبناء عمنا الفينيقيين في لبنان، حيث دهست عجلات السيارات التفاح المبعثر في الطرقات، وتكرر المشهد في أكثر من بلد عربي يدفع حقًا للحيرة، وجل هذه الدول تشترك في نسب فقر وتبعية فلاحية مرتفعة. وبالنسبة لمن يبررون ذلك بالرأسمالية، فإن البلدان الغربية توجه الفائض للتصدير بسياسة تصديرية حكيمة وفعالة، حتى أنها لا تصل للحيرة إزاء الوفرة نتيجة الاستباق بالرصد واتخاذ الإجراءات اللازمة لتصريف ما زاد عن حاجتها.

في حالتنا تونس، هللت وزارة الفلاحة على لسان الوزير حينها في شهر ماي/آيار 2019 بالصابة القياسية المنتظرة، واعتبرته إنجازًا لسياسته الحكيمة، لكن أبت "أمك طنغو" مرة أخرى إلا أن تمرغ أنفه في التراب بعد أن سرق فضلها فهطلت الأمطار وفسدت المحاصيل في سليانة والكاف في مشهد يذكرنا بأساطير انتقام الآلهة عند الإغريق.

إن فرضية أن حكام تونس يسعون دائمًا لإبقاء الشعب في سعي وراء "الخبزة" وارد جدًا، بل وقد تداول الكثيرون جملة ينسبونها لبورقيبة "الشعب التونسي لا تجوعوا لا تشبعوا، ففي الحالتين سينقلب عليك". ومع اعتبار ثورات علي بن غذاهم حين جاع الشعب وعظمت الجباية، وكذلك ثورة 14 جانفي الخالدة، ربما يستنبط حكام اليوم الحكمة فيحرصون على توفير القليل ليقتات الشعب، ويهملون الباقي حتى تبقى الأسعار على ماهي عليه في صعود مستمر ردًا لجميل ممولي حملاتهم الانتخابية "هباطة المرشي".

أولئك الحيتان التي طالما تسمع حكايات عن تغولها في فرض الأسعار وفق ما يناسبها والوساطة بين المواطنين والفلاحين في قلعتهم "بير القصعة"، شملهم أيضًا داء القطاعية الذي يضرب البلاد منذ مدة، فتراهم يهبون لنجدة بعضهم، فإذا علق أحدهم أو بعضهم في صفقة "بطاطا" مستوردة مثلًا، وفاضت الأسواق بالخيرات المحلية، هب البقية لنجدته عبر رفض سلعة الفلاحين أو فرض أسعار بخسة، كما حدث مؤخرًا وكما في كل مرة بحجة ركود السوق، والحال أن البطاطا قابلة للتخزين ومطلوبة للاستهلاك طوال العام. فكيف ترفض البطاطا في سوق استهلاكية ترفع شعار "بربي بزايد فريت" (لو يمكن المزيد من البطاطا المقلية"؟

تبقى الأسعار في ارتفاع في حالة الوفرة، فإن حدث نقص في التزويد ترتفع أكثر ولا تنخفض البتة، وترضى الحيتان الكبيرة من كبار المزودين والسماسرة

من هنا يمكن ربط العلاقة الآتية: تبقى الأسعار في ارتفاع في حالة الوفرة، فإن حدث نقص في التزويد ترتفع أكثر ولا تنخفض البتة، وترضى الحيتان الكبيرة من كبار المزودين والسماسرة، فيجدوا من الهواء ما ينفخون به في صور من يرضون لحكمنا الذين يتوعدون بدورهم بمحاربة الفساد في دائرة أخالها لا تنتهي تذكرنا بالعود الأبدي لنيتشه. ولك الله يا شعب!

 في النهاية، يجدر التنويه إلى ما جاء به فرانسيس مورلاييه وجوزيف كولينز في كتابهما "صناعة الجوع: خرافة الندرة" حول مأساة الغذاء والزراعة العالمية إذ كتبا: "وما دامت نسبة كبيرة من البشر أفقر من أن تشتري ما تحتاجه من غذاء فسوف تظل المشكلة الرئيسية أمام الاقتصاديين الزراعيين هي تهديد الفائض وليس الندرة". لكن ألسنا نحمل الأمر أكثر مما يحتمل، ربما تراجع الاستهلاك بسبب الكورونا كما تبجح المزودون والسماسرة هو السبب؟ لكن، هل الكورونا حاضرة في حالات سابقة لإتلاف المحاصيل أيضًا؟

من جهة أخرى، ذكرت المنظرة السياسية حنا أرندت أن الانتقال من التوتليارية إلى الديموقراطية لا بد و أن تشوبه الفوضى كالانتقال من حالة فيزيائية إلى أخرى بالنسبة للمواد، حيث المتحكم الرئيسي هو درجة الفوضى "الأنتروبي". ربما هذا هو تفسير ما نعيشه في بلادنا منذ سنوات، ربما أيضًا حال حكامنا هو كما وصفت حنا قائد "الغستابو" أثناء محاكمته في القدس: "نكرات" لا ذوات لهم، في إشارة منها إلى غباء الشر وضعف إرادته. إن كان ذلك أيضًا، فلا داعي أن نحمل الحكام فوق ما يحملونه على أمل أن تتحسن الأوضاع مستقبلًا باعتبار حركة التاريخ، فلا يمكن لحالنا أن تسوء أكثر مما ساءت فقد بلغنا مستوى "ما بعد القاع".

 

المصادر:

1- هومو سابينز: تاريخ مختصر للبشرية، يوفال نوح هراري.

2-  أمك طانغو: هي عادة اندثرت، كما هي "عروسة شوالق" يلتجأ لها الأهالي منذ القدم طلبًا للغيث عند القحط. ويقول عدة باحثين ومختصين إنها الآلهة القرطاجية "تانيت" بعد أن تمت أسلمتها (مثل الألهة الإيرلندية بريجيد والتي تنصرت فأصبحت بابتيزد). انظر دراسة حول أمك طنقو أو أمك طنبو أو التانيت، محمد زاهر كمون.

3- دراسة حقيقة المعادلة المستحيلة مياه الشمال وربحيّة قطاع القوارص (الحوامض)، شبكة شمال إفريقيا للسيادة الغذائية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

لماذا الضريبة الاستثنائية على الثروة؟

ما معنى أن تكون حبوب الكسكسي جزءًا من كرامة التونسي؟