هل تدفع أزمة كورونا تونس إلى مزيد التفكير في أمنها الغذائي؟

هل تدفع أزمة كورونا تونس إلى مزيد التفكير في أمنها الغذائي؟

بيّنت أزمة كورونا الحاجة المتزايدة لضمان الأمن الغذائي (وسيم الجديدي/جيتي)

 

لم يكن التفكير في ملف الأمن الغذائي وليد انتشار وباء كورونا فقط، بل طالما أكد عدة خبراء ومتدخلون في الشأن الفلاحي منذ سنوات على ضرورة تحقيق الاكتفاء الذاتي من أغلب المواد الغذائية الضرورية، وتحقيق الأمن الغذائي بمفهومه الشامل وبسلسلته المترابطة من مرحلة الإنتاج إلى التسويق والاستهلاك، والتفكير فيه كشأن لا يقل أهمية عن الأمن القومي للبلاد باعتبار الأمن الغذائي شرطًا من شروط السلم الاجتماعي من جهة وضمان السيادة الوطنية من جهة أخرى.

تحتلّ تونس، حسب مؤشر الأمن الغذائي العالمي، المرتبة الواحدة والخمسين عالميًا من جملة 113 دولة سنة 2018. وفي الوقت الذي عبّر فيه مختصون وخبراء عن قلقهم تجاه انعدام الأمن الغذائي للبلاد، استمرت حالة غياب الوعي لدى جزء من المسؤولين السياسيين حيال مسألة الأمن الغذائي على مدى سنوات باعتبارها أمرًا ثانويًا يتذيل سلم الأولويات.

هل تفكر الجهات المسؤولة في تونس بعد تجاوز أزمة كورونا في مسألة الأمن الغذائي بصفة جدية هذه المرة وتعيد حساباتها من جديد؟

فهل تفكر الجهات المسؤولة في تونس بعد تجاوز أزمة الكورونا في مسألة الأمن الغذائي بصفة جدية هذه المرة وتعيد حساباتها من جديد؟ إذ تسببت هذه الأزمة في إغلاق كافة المسالك البرية والبحرية والجوية في دول العالم تقريبًا، فحتى تلك الدول التي تعوّل عليها تونس في توريد ما ينقصها من مواد غذائية قد تقفل منافذ تصديرها أمام أولوية توفير الغذاء لشعبها. فالأزمة التي يشهدها العالم اليوم لا تقل خطورتها عن أيّ أزمات حروب مرّ بها العالم سابقًا، ويعلو فيها التفكير فقط في تحقيق الأمن الغذائي والصحي والقومي لكل بلد.

شاهد/ي أيضًا: البذور البيولوجية.. نحو تجنب الاستعمار الغذائي

وقد أثار البعض عدة تساؤلات مؤخرًا حول توفر ما يكفي من المواد الغذائية الضرورية لا سيما القمح، تساؤلات أجاب عنها المرصد الوطني للفلاحة بأنّ تونس قد اشترت 150 ألف طن من الشعير العلفي بمعدل سعر واصل إلى الموانئ التونسية 593.09 دينار للطن، كما اقتنت 125 ألف طن قمح لين في 24 فيفري/شباط 2020 بمعدل سعر واصل إلى الموانئ التونسية ب 672.18 دينار للطن. وبين المرصد الوطني للفلاحة أنّ السوق العالمية للحبوب شهدت تراجعًا هامًا للأسعار مند انتشار فيروس كورونا المستجد.

 ولا تعدو أن تكون الأسئلة المُثارة حول توفر الاكتفاء الذاتي من بعض المواد سوى ترجمة للقلق تجاه الأمن الغذائي وتوفر المواد الغذائية الضرورية لاسيما وقد أصدرت منظمة التجارة العالمية مؤخرًا تحذيرًا لدول العالم من مخاطر أزمة غذائية مرتقبة بسبب جائحة كورونا وانعزال عديد الدول وغلق حدودها، إلى جانب اجراءات بتقييد تصدير الحبوب ودعوة مستثمريها الى تخزين هذه المادة ضمن خطة رفع المخزون الاستراتيجي. كما أعربت المنظمة رفقة منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة عن خشيتها خصوصًا إزاء "تباطؤ حركة العاملين في قطاعي الزراعة والغذاء"، ما يتسبب بعرقلة الكثير من الزراعات الغربية وبحصول تأخر على الحدود لحاويات البضائع ما يؤدي إلى "هدر المنتجات القابلة للتلف وزيادة التبذير الغذائي". وفق بلاغ مشترك.

وزير الفلاحة أسامة الخريجي أشار، من جهته، إلى أنّ عملية تزويد تونس بالحبوب عبر ميناء رادس متواصلة بصفة عادية رغم ظروف الحجر الصحي العام مبينًا أنّ مخزون القمح يؤمّن شهرين والكميات المتفق عليها تؤمّن بين 4 و5 أشهر إضافية.

لكن تظل المعضلة الأساسية في تغطية حاجياتنا الوطنية من القمح اللين على مدار السنة رهينة للخارج. إذ توفر بلادنا حاجياتها من القمح للاستهلاك لقرابة شهر واحد فقط، فيما تعول على التوريد لـ11 شهرًا. وأمام جائحة كورونا التي تعصف بعديد دول العالم، اضطرت العديد من البلدان المنتجة لهذه المادة إلى تقييد عمليات التصدير لكافة الحبوب لرفع مخزونها الاستراتيجي، ما خلق حالة من هلع لدى الدول الموردة وخاصة دول شمال أفريقيا والشرق الاوسط. وهو ما يطرح اليوم مسألة الأمن الغذائي بقوة وتفكير الدول الموردة في إمكانيات توفيرها لاكتفائها الذاتي سنويًا.

تذبذب توفر بعض المنتوجات الغذائية في السوق التونسية

عانت تونس، طيلة السنوات الماضية، نقصًا في العديد من المنتوجات الفلاحية الضرورية على غرار الألبان والخضروات. كما غاب عن السوق في فترات مختلفة علف المواشي إلى جانب احتجاج أغلب الفلاحين في عدّة قطاعات بسبب ارتفاع تكلفة الانتاج وانخفاض الربح، نتيجة توريد كل شيء من بذور وسماد وأدوية. الأمر الذي جعل الفلاحة التونسية في تبعية خاصة بفقدانها أغلب بذورها البيولوجية.

كريم داود (رئيس نقابة الفلاحين التونسيين): أغلب البذور يقع استيرادها من الخارج وهي معدّلة جينيًا

كريم داود رئيس نقابة الفلاحين التونسيين يؤكد، لـ"ألترا تونس"، أنّ عديد القطاعات الفلاحية تشكو هشاشة كبيرة وتبعية للخارج، إذ أنّ أغلب البذور يقع استيرادها من الخارج وهي معدّلة جينيًا "وهو ما لا يخفى عن الجميع مما يجعلنا وقت الأزمات قد نواجه خطر فقدان تلك البذور بعد فقدان بذورنا الأصلية وعدم قدرتنا على توريد البذور بسبب توقف المسالك التجارية".

اقرأ/ي أيضًا: من "الشتيوي" إلى "البركة".. فلاح عصامي يقود معركة حماية البذور التونسية

وأضاف أن مردّ أزمة قطاع الحليب في تونس مثلًا والذي طالما شهد أزمات مختلفة على غرار ارتفاع تكلفة علف الأبقار إلى جانب تراجع عدد مربي الأبقار نتيجة ارتفاع تكلفة الإنتاج وصعوبة الترويج كذلك، هو استيراد أبقار لا تنتجها في تونس مع استيراد غذائها أيضًا في ظل ارتفاع تكلفتها في الأسواق الخارجية ما يؤدي إلى ارتفاع كلفة الإنتاج لا تقابلها زيادة في سعر البيع.

محمّد عبد النبي، أحد الفلاحين المنتجين للخضروات، يحدثنا أنّ الفلاحة التونسية لا سيّما في قطاع الخضروات تعوّل على البذور الموردة سواء فلفل أو طماطم أو بطاطا أو غيرها بعد فقدان بذورنا الأصلية مما يجعلنا اليوم نتساءل في ظل الأزمة التي يعيشها العالم اليوم بسبب أزمة الكورونا وتوقف أغلب المسالك التجارية وحلقة الإنتاج، عن كيفية تأمين البذور للفترة القادمة في حال استمر الوضع في العالم إلى أشهر عدّة.

يصف، في تصريحه لـ"ألترا تونس"، قرار إيقاف توريد العديد من المنتوجات الغذائية بأنه "قرار صائب يدعم الإنتاج المحلي بالأساس، لكن موازاة مع ذلك لا بد من التفكير في استرجاع بذورنا الأصلية حتى لا نبقى في تبعية نعيش خطورتها أكثر في مثل هذه الأزمات".

دراسات عن الأمن الغذائي

أصدر المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية التابع لرئاسة الجمهورية عام 2018 دراسة عن الأمن الغذائي في تونس منجزة من طرف عدة الخبراء في المجال الفلاحي، أكدت أن عدّة مخاطر تهدد ضمان الأمن الغذائي على غرار ضعف مساهمة القطاع الفلاحي في الناتج القومي الخام الذي تراجع من 19.6 في المائة  سنة 1964 إلى 8 في المائة سنة 2016، إلى جانب تقلص مساحة الأراضي الصالحة للزراعة بسبب التصحر وعوامل التعرية والانجراف والجفاف وارتفاع ملوحة الارض بسبب نقص الأمطار التي طالت مناطق واسعة في الوسط و الجنوب و التي تهدد 78 في المائة من مساحة البلاد.  

من المتوقع أن تشهد تونس إلى حدود سنة 2030 تواترًا حادًا في تتالي سنوات الجفاف

كما ذكرت الدراسة أنّه من المتوقع أن تشهد تونس إلى حدود سنة 2030 تواترًا حادًا في تتالي سنوات الجفاف، فتعاقب سنتين أو ثلاث سنوات، يؤدي إلى نقص بالنصف في إنتاج الزيتون والإنتاج الغابي، وستنخفض منتوجاتهما إلى 80 في المائة في الوسط والجنوب و20 في المائة في الشمال.

وقد أشار كريم بالكحلة، خير بالمعهد مشارك في إعداد الدراسة، إلى أنّ 350 ألف هكتار من الأراضي الفلاحية في تونس غير مستغلة بسبب النزاعات القانونية إضافة إلى 100 ألف هكتار أراضي أحباس وأكثر من 60 ألف هكتار هي أراضي دولية تستغل بطريقة غير قانونية من قبل عدّة أشخاص. وأكد أنّ واردات تونس الغذائية واصلت الارتفاع بنسق تصاعدي وهي تمثل اليوم حوالي 9.2 في المائة من جملة الواردات، وتحتل الحبوب المرتبة الأولى في سلم الواردات بنسبة 43 في المائة ثم السكر والزيوت النباتية الغذائية.

اقرأ/ي أيضًا: ما معنى أن تكون حبوب الكسكسي جزءًا من كرامة التونسي؟

بنك الجينات جمع آلاف العينات المنهوبة

وكثيرًا ما تُطرح مسألة التآكل الجيني وسرقة البذور الأصلية لتونس والتعويل على البذور المعدلة جينيا مما جعلنا في تبعية دائمة للخارج وتسبب في انقراض الكثير من الأصناف النباتية، المتلائمة بشكل جيد مع الظروف الطبيعية والمناخية لبلادنا. وقد حذر عدة خبراء من خطورة هذا الأمر الذي سيتسبب أساسًا في فقدان سلالات ومشاتل وبذور وطنية بشكل نهائي.

ومن منا لا يذكر قضية البذور التي أثارها المنصف المرزوقي سنة 2013 وما أثارته تصريحاته من سخرية دون وعي بأهمية ما كان يقصده في علاقة بالأمن الغذائي والقومي على حدّ سواء لا سيما وقد تراجع معدّل استعمال البذور المحلّية في تونس من 70 في المائة سنة 1975 إلى ما يقارب 5 في المائة فقط حاليًا، حسب كاتب الدولة المكلف بالإنتاج الفلاحي السابق عمر الباهي، وتستورد تونس البذور خاصة من أمريكا والصين وفرنسا.

انقرضت كلّ أجناس الماشية المحلية ومخاطر حقيقية مُحدقة بالتراث الجيني الفلاحي التونسي

وحاول العشرات من الفلاحين استرجاع بعض أنواع البذور الأصلية التونسية التي توفر كميات كبيرة من الانتاج دون مبيدات أو أدوية وتتأقلم مع مناخ وتربة تونس. فيما تمكن البنك الوطني للجينات من جمع أكثر من 6 آلاف عينة من البذور المنهوبة، من حبوب وبقول وأشجار مثمرة وتوابل وحتى أعلاف ونباتات زينة وفق ناصر مبارك المدير العام لبنك الجينات.

وقد أشار مبارك إلى أنّ كلّ أجناس الماشية المحلية قد انقرضت، وأنّ مخاطر حقيقية مُحدقة بالتراث الجيني الفلاحي التونسي، فحوالي 1100 نوع تونسي تم تصديرها إلى الخارج دون إذن السلطات المعنية. كما صُدّرت أكثر من 1650 من أنواع الحبوب والأعلاف التونسية الخالصة إلى بنوك جينات خارجية، واختفت نهائيًا أنواع أخرى ولم تعد تُزرع بتاتًا في تونس منذ أكثر من قرن. وتستورد تونس سنويًا حوالي 5000 طن من المبيدات، وتمنح 700 ترخيص للاستيراد، ولا تتجاوز عمليات الرقابة الـ150 عملية أي حوالي 600 عينة يتم تحليلها فقط.

كلّ هذه المؤشرات تشخص الوضع الفلاحي في علاقة بتأمين الأمن الغذائي في تونس التي باتت في تبعية غذائية لبعض الدول، فهي وإن لا تستورد منها منتوجات غذائية جاهزة فإنّها تستورد منها بذورًا قد نفقدها هي الأخرى بسبب ما يشهده العالم اليوم من أزمة توقف الإنتاج وتوقف الحركة التجارية. فهل تحفّز حقّا أزمة كورونا لجعل ملف الأمن الغذائي ذو أولوية قصوى؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

مبارك بن ناصر:القمح والزيتون تحيط بهما الأخطار وتهريب الجينات كارثي (حوار1/2)

مبارك بن ناصر: "الشملالي" و"الشتوي" أفضل مشاتل الزيتون في الكون (حوار 2/2)