12-مارس-2019

النبيذ التونسي هو من أجود أنواع النبيذ في العالم (نيكولا فوكي/Getty)

 

في إطار الإعداد لهذا التقرير، ذهبتُ إلى إحدى المراكز التجارية الضخمة في تونس الذي يضم مغازة صغيرة للخمور في محاولة لاكتشاف علاقة التونسيين بالخمور، واخترت من الأيام السبت لأنه اليوم المخصص عادة للاستمتاع لدى التونسيين بعد ضغوط العمل طيلة الأسبوع.

كانت المغازة مكتظة من أشخاص من مختلف المستويات الاجتماعية. تجولت بين رفوف النبيذ الذي كانت غالبيته من الصنع التونسي، كانت القوارير الزجاجية على درجة كبيرة من الجمال ومصنوعة بتفاصيل دقيقة رائعة، واستوقفتني قارورة تحمل اسمًا أعرفه جيدًا "ماغون" (Magon)، كان لون زجاجها يشبه لون العنب الأسود الذي يستخرجون منه النبيذ، وفي الخلف كانت تحمل ملصقة كُتب عليها باللغة الفرنسية "هذا النبيذ هو إحياء لذكرى ماغون القرطاجي". بدا الأمر وكأنني أحمل زجاجة عمرها أكثر من 2000 عام.

النبيذ التونسي "ماغون" هو إحياء لذكرى ماغون القرطاجي أحد أعظم المهندسين الزراعيين في عصره الذي خلّف مخطوطات حول كيفية صنع النبيذ

ماغون القرطاجي هو أحد أعظم المهندسين الزراعيين في عصره، عاش في القرن الثاني قبل الميلاد، وكتب أكثر من 28 مجلدًا باللغة البونيقية تتعلق بعلوم الزراعة والبذور واستصلاح الأراضي حتى كُنى أنه "أبو الفلاحة". وبعد هزيمة قرطاج، دمرت روما جميع معالم الإمبراطورية القرطاجية، لكنها احتفظت بمجلدات ماغون واعتبرتها من أعظم الغنائم التي حصلت عليها. اليوم بعد أكثر من ألفي عام، ورغم حملات الاحتلال التي عرفتها تونس، لا يزال اسم "ماغون" يطوف بين مزارع الكروم في الوطن القبلي ليعطي طعمًا خاصًا للنبيذ التونسي.

لوحة فسفسائية في متحف باردو تجسّم تقديم الخمر في العهد الروماني في القرن الثالث بعد الميلاد (Getty)

اقرأ/ي أيضًا: "أنا أسكر.. إذًا أنا موجود": من الدوام إلى الحانة

يقول "ماغون" القرطاجي في إحدى مخطوطاته إنه للحصول على نبيذ جيد يجب أن تجد أرضًا جيدة وملائمة لزراعة الكروم المخصصة للنبيذ، ولإيجاد أرض جيدة عليك القيام بالتجربة التالية "ضع كأسا مليئًا بالماء أضف له بعض التربة من الأرض التي اخترتها لزراعة الكروم ثم قم بتصفية المياة وتذوقها بعد ذلك، فإن كان مذاقها حلوًا فهي أرض جيدًا وإن كان مذاقها عاديًا ففتش عن أرض أخرى".

هذا المجد الصارخ الذي يمتد لآلاف السنين جذب الصحافة العالمية وجعل مجلة "نيوزويك" الأمريكية تصنف النبيذَ التونسي كثالثَ أفخر نبيذ في العالم. وقالت المجلة إن تونس هي ثالثُ خمسِ وجهات تُقدم، وفق ما أكده خبراء للمجلة، أفخَرَ أنواع النبيذ المصنع في بلدان لا تشتهر أساساً بتلك الصناعة، بعكس الأسماء التقليدية الشائعة في صناعة أجود النبيذ مثل الولايات المتحدة وإيطاليا وبريطانيا.

كيف يُصنع النبيذ في تونس؟

تخضع صناعة الخمور في تونس إلى مراحل دقيقة، فالحصول على مذاق جيد يعتمد بالأساس على نوعية الكروم. يقول رشاد قبرصلي، وهو خبير في علم الخمر (Enology) بمؤسسة "نيفيريس"، لـ"الترا تونس" إن تونس كانت تحتوي قبل فتحها الإسلامي على مشاتل لعنب خاص بالخمر، غير أنه تم تقليعها إبان فترات الخلافة الإسلامية لتعود هذه المشاتل عام 1860 بعد إمضاء الباي لاتفاقية مع إيطاليا وكأنها قررت إعادة مجلدات "ماغون" قبل أن يستمر الأمر مع فرنسا إبان احتلالها لتونس.

يضيف محدثنا: "نحن لا نمتلك اليوم العنب القديم الذي كان يستخرج منه القرطاجيون الخمر، ولكننا نعتمد من أجل إنتاج خمور جيدة على ما يُسمى العنب المسكي التونسي وهو متوفر في مناطق قليبية ورفراف".

حقل عنب مخصّص لصنع النبيذ في جهة الوطن القبلي (نيكولا فوكي/Getty)

ويوضح لـ"ألترا تونس" أنه قبل جني المحصول، يتم قياس نسبة السكر في العنب وعند التأكد من توفر نسبة جيدة، يُجنى المحصول ليُنقل لاحقًا إلى المعصرة أين يتم تفريق حبوب العنب من الأغصان، ثم يقع تخمير العصير بإضافة الخميرة وذلك قبل المرحلة الأخيرة وهي مرحلة التعتيق. ويوضح أن مدة التخمير تمتد بين 5 و6 أشهر مبينًا أن جميع هذه المراحل تتعلق بالطرق المستحدثة.

رشاد قبرصلي (خبير في علم الخمور): نعتمد من أجل إنتاج خمور جيدة على ما يُسمى العنب المسكي التونسي وهو متوفر في مناطق قليبية ورافراف

أما فيما يتعلق بطرق إنتاج النبيذ الفاخر حسب مخطوطات عالم الزراعة "ماغون"، يخبرنا رشاد قبرصلي، الخبير في علم الخمر، أنه يقع قطف العنب الناضج تمامًا واستبعاد العناقيد الفاسدة، ثم تُحفر حفرة بعمق 4 أقدام وتفرش بمواد صلبة ويوضع العنب بهذه الحفرة لمدة 6 أيام ويضاف إليه العنب المركز للسنة الفارطة ثم يعود إلى الحفرة ليقضى 3 أيام أخرى، ثم بعد ذلك يتم إستخراجه وعصره ويوضع في قدر كبير مصنوع من الطين ويتم غلقه بإعتماد الجبس والجلد ليتم تخميره لمدة تصل إلى 20 يومًا، ثم يُستخرج بعد ذلك للاستهلاك.

النبيذ.. نكهات مختلفة وإنتاج مرتفع

تختلف أنواع النبيذ في تونس، إذ يوجد النبيذ الأحمر، والأبيض والوردي. المسؤول الفني في أحد شركات الخمور رؤوف بن صالح، تحدث سابقًا، أن للنبيذ 3 نكهات، أولها النكهة التي تكون في العنب نفسه وهي تختلف باختلاف نوع الكرمة، ثم تأتي النكهة الثانية التي يتم التحكم بها من خلال عملية التخمير أما النكهة الثالثة فهي التي يكتسبها النبيذ أثناء عملية التعتيق باستعمال براميل من خشب السنديان.

تعتيق النبيذ التونسي في براميل مصنوعة من خشب السنديان (نيكولا فوكي/Getty)

من جهته، أخبرنا الخبير في علم الخمر، رشاد قبرصلي، أن جميع أنواع الخمور تخضع إلى تصنيفات من "الرفيعة جدًا" إلى "الرفيعة" إلى "المتوسطة" وصولًا إلى الخمور "العادية". وأوضح أن لجنة من وزارة الفلاحة هي التي تقوم بالتصنيف من خلال عملية المتابعة والتذوق ثم يحصل النبيذ على معدل على خلفية الجودة ليقع التصنيف وفق هذا المعدل، مبينًا أن 25 في المائة من الخمور في تونس مصنفة كخمور رفيعة.

بلغ إنتاج النبيذ في تونس، في الأثناء في موسم 2017/2018، ما يقارب 293 ألف هكتورليتر (الهكتوليتر هي وحدة قيس خاصة بالنبيذ)، فيما بلغ المخزون المتبقي بتاريخ 31 أوت/أغسطس 2018 قرابة 60 ألف هكتورليتر بمساحات فلاحية لم تتجاوز 10 ألف هكتار وبعائدات تقدر بـ500 مليون دولار.

مصنع لإنتاج النبيذ في قرمبالية من ولاية نابل (نيكولا فوكي/Getty)

معلقًا على معدل الإنتاج، يشير محدثنا رشاد قبرصلي أن تونس كانت تنتج في حقبة الاستعمار الفرنسي قرابة 250 مليون قارورة نبيذ حتى أن السلطات الاستعمارية في ذك الوقت كانت تأخذ النبيذ التونسي لتصلح به نكهة النبيذ الفرنسي، وفق تأكيده. ويضيف أن الإنتاج تراجع، في الوقت الحاضر، ليصل إلى 30 مليون قارورة سنويًا  لكن "هذا العدد يعتبر جيدًا مقارنة بالفترة التي تعيشها تونس" كما يقول.

اقرأ/ي أيضًا: هل تونس حقًا الأولى عربيًا والخامسة عالميًا في استهلاك الخمور؟

استهلاك النبيذ.. نحن هنا

رغم ما عرفته تونس من فترات طويلة من الخلافة الإسلامية، ورغم الطابع المجتمعي المحافظ عمومًا، توجد علاقة متميزة بين جزء كبير من التونسيين والخمور ومن ذلك أن معدل الاستهلاك السنوي للتونسي فوق 15 سنة  بلغ 1.9 لتر، وفق التقرير السنوي لمنظمة الصحة العالمية عام 2016، وهو أعلى معدل استهلاك للخمور في المنطقة العربية بعد الإمارات وقطر (يعود ارتفاع الاستهلاك فيهما لنسبة الأجانب المقيمين أساسًا)، بل لازالت عائلات تونسية في عدة مناطق من قرقنة وقليبية وغيرها محافظة لليوم على طرق متوارثة عبر الأجيال في صنع الخمور.

تتصدر تونس نسبة استهلاك الخمور في منطقة شمال إفريقيا وتحتل المرتبة الثالثة عربيًا (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

تكتظ حانات تونس دائمًا بمستهلكي الخمر وتحديدًا النبيذ على غرار سامي (اسم مستعار/35 سنة)، فهو مُغرم بالنبيذ التونسي، وقد اختار اسمًا مستعارًا بسبب الخلفية المحافظة لعائلته. يقول في حديثه لـ"الترا تونس" إن علاقة التونسيين بالنبيذ هي مسألة ثقافية بالأساس وهي محدد رئيسي من محددات شخصية التونسي وفق قوله.

يعمل محدثتا معلمًا في إحدى المدارس الابتدائية بالعاصمة، وهو يخصص يومًا في الأسبوع للخروج مع أصدقائه للاستمتاع بجلسات حوار صاخبة حول وضع البلاد والثقافة وحقوق المرأة وغيرها من المواضيع.

سامي (اسم مستعار): أحبذ النبيذ التونسي لأنني أشعر دائمًا أنه جزء من شخصيتي وثقافتي وهو يحمل مذاقًا خاصًا

حدثنا سامي بإطناب شديد عن علاقته بالنبيذ قائلًا: "هي علاقة متميزة بدأت منذ سنوات طويلة، أحبذ النبيذ التونسي لأنني أشعر دائمًا أنه جزء من شخصيتي وثقافتي. تذوقت الكثير من أنواع النبيذ لكن للنبيذ التونسي مذاق خاص جدًا، أشرب من أجل الاسترخاء والهروب من ضغوط العمل اليومية، ولكن للاستمتاع أيضًا بمذاق النبيذ نفسه".

بالنهاية، تحافظ صناعة النبيذ في تونس على عراقتها وجودتها العالية وقدرتها التشغيلية والإنتاجية، وهي تمثل قطاعًا واعدًا تسيره الدولة ويضمن لها عائدات مالية مهمة وتكبح، في الأثناء، مبادرة استثمار النبيذ في حدود عرف مجتمعها الذي يبدو، في الوقت نفسه، مستهلكًا وفيّا للخمور عمومًا والنبيذ خصوصًا. وبما أن النبيذ التونسي يُصنّف اليوم ضمن أجود أنواع النبيذ في العالم، يبدو أن أحفاد "ماغون" قد تلقوا الرسالة جيدًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أنيس حبيب.. شغف "الجعة الحرفية" قاده إلى الأرجنتين ليعود محملًا بحلم

اللاقمي في الجزائر وتونس.. مشروب بوجهين