أمام تحديات الموسم الفلاحي.. اختبار صندوق التعويض عن الجوائح الطبيعية

أمام تحديات الموسم الفلاحي.. اختبار صندوق التعويض عن الجوائح الطبيعية

مخاوف متصاعدة من آثار احتباس الأمطار على الموسم الفلاحي الحالي (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

 

تبعث المؤشرات الأولية للموسم الفلاحي الحالي على القلق من استمرار انقطاع الأمطار مما يجعل من الجفاف تهديدًا جديًا خاصة مع ارتفاع النقص المسجّل بالسدود والاحتياط المائي للزراعات السقوية.

إذ أفاد المرصد الوطني للفلاحة، في نشرية بتاريخ 10 فيفري/شباط 2020، بتراجع إيرادات مياه السدود إلى زهاء 463 مليون مترًا مكعبًا أي بنقص قدره 985 مليون متر مكعّب مقارنة بمعدلات سنة 2019، كما وصلت مخزونات المياه بالسدود، تبعًا لذلك، الى حدود مليار و457 مليون متر مكعب، مقابل مليار و713 مليون متر مكعب خلال نفس الفترة من سنة 2019.

تبعث المؤشرات الأولية للموسم الفلاحي الحالي على القلق من استمرار انقطاع الأمطار مما يجعل من الجفاف تهديدًا جديًا هذا الموسم

ولعلّ تصنيف تونس ضمن تقرير معهد الموارد العالمية في المرتبة الثلاثين ضمن ما يسمّى بالخانة الحمراء "يصعّد من حجم المخاوف بالجفاف في المنطقة" وفق التقرير الذي بين أن "الاحترار العالمي يدفع نشاط الأعاصير إلى التحرك نحو القطب الشمالي، وعندما تتحرك العواصف شمالًا فإن المناطق المعتدلة في خطوط العرض الوسطى تشهد دفئًا وعواصف أقلّ في فصل الشتاء".

وتتزايد الخشية من آثار احتباس الأمطار طيلة الأسابيع الأخيرة على الموسم الفلاحي ما دفع وزارة الشؤون الدينية للدعوة لتنظيم صلاة الاستسقاء في مناسبتين خلال شهر واحد، كما تواترت الدعوات حول أهمية انخراط الفلاحين في صندوق تعويض الأضرار الفلاحية الناجمة عن الجوائح الطبيعية، الذي انطلق تفعيله في أكتوبر/تشرين الثاني الماضي.

اقرأ/ي أيضًا: هل يستنزف الاستثمار الفلاحي الأجنبي الثروة المائية في تونس؟

أرقام حول الإنتاج الفلاحي في المنستير

وتُعتبر منطقة الساحل التونسي من أهم المناطق المعرّضة لتراجع المنتوجات الفلاحية جرّاء التأثير المناخي ما صعّد من تخوّف الفلاحين. وتعدّ ولاية المنستير الرائدة في إنتاج الباكورات وطنيًا، وقد انطلق الموسم الفلاحي منذ أكتوبر/تشرين الأول 2019 بالزراعات الفصليّة والبدريّة تحت البيوت الحاميّة وبلغت الزراعات الآخر فصليّة 396 هكتار أي بنسبة 138في المائة من المساحة المبرمجة وهي 281 هكتارًا، حسب أرقام تحصل عليها "ألترا تونس" من المندوبية الجهوية للفلاحة بالمنستير.

وحسب هذه الإحصائيات، قُدّر إنتاج الزراعات الآخر فصلية خلال هذا الموسم الفلاحي بـ 31 ألف طن أي بزيادة في حدود 20 في المائة من معدل الإنتاج البالغ 26 ألف طن. أمّا بالنسبة للزراعات البدرية تحت البيوت الحامية، تمّ إنجاز 140 هكتار وبذلك تكون المساحة الجملية المزروعة تحت البيوت الحامية قد بلغت 540 هكتار أي بنقص في حدود 15 في المائة من المساحة العادية البالغة 630 هكتار.

اعتمد الفلاحون في المنستير أمام النقص في كميات المياه الواردة من "سد نبهانة" طرقًا لريّ المزروعات باستعمال مياه الآبار السطحية المرتفعة المالحة نسبيًا مع خلطها بالمياه العذبة

ونظرًا للنقص الفادح في كميات المياه الواردة من "سدّ نبهانة"، اعتمد الفلاحون بالجهة طرقًا لريّ المزروعات باستعمال مياه الآبار السطحية المرتفعة المالحة نسبيًا الموجودة في المنطقة السقويّة مع خلطها بالمياه العذبة علاوة على استعمال الصهاريج لجر الماء بسعر مرتفع بلغ 30 دينارًا الصهريج بسعة 5000 لترًا، وقد عُرضت هذه الحلول خلال مجلس جهوي فلاحي بمقر ولاية المنستير في 20 فيفري/شباط 2020.

اقرأ/ي أيضًا: برنامج استثنائي لخزن زيت الزيتون.. هل ينقذ الموسم الحالي قبل نهايته؟

ويشير تقرير المندوبية الجهوية للفلاحة بالمنستير إلى أن قطاع الباكورات من أهم ركائز الدورة الاقتصادية بالجهة إذ يوفر 67 في المائة من الإنتاج الجملي بالجهة ويتصدر المرتبة الأولى في عدد البيوت الذي يصل إلى 12 ألفًا وبمعدل إنتاج يقدر بـ 46500 طن سنويًا، وهو ما يمثل 41 في المائة من الإنتاج الوطني، مع الإشارة أن معتمديات البقالطة وطبلبة والمكنين تمثل حوالي 85 في المائة من المساحة الجملية للبيوت الحامية بالجهة.

كما أشارت إحصائيات المندوبية الجهوية للتنمية الفلاحية بولاية المنستير إلى أن 90 في المائة من البيوت الحامية موجودة بالمناطق السقوية العمومية والتي تروى من مياه سد "واد نبهانة"، حيث أنّ حصة الجهة تصل إلى حدود 7 مليون متر مكعب خلال المواسم الفلاحية العادية إلا أن النقص الفادح للإيرادات بالسد خلال السنوات الأخيرة قلص حصة ولاية المنستير الى حوالي 3 مليون متر مكعب.

حملة وطنية للتعريف بصندوق التعويض للفلاحين

ونظرًا لخطورة العوامل الطبيعية على المنتوجات الفلاحيّة، انتظمت بكافة جهات الجمهورية حملة وطنية للتعريف بصندوق تعويض الأضرار الفلاحية الناجمة عن الجوائح الطبيعية، وهو صندوق محدث بموجب قانون المالية لسنة 2018 وبدأ تفعيله بتاريخ 28 أكتوبر/تشرين الثاني 2019.

يغطي الصندوق التعويضي 6 جوائح هي الجليدة، والجفاف، والعواصف، والرياح، والثلوج والفيضانات فيما تبقى عمومًا نوعية الجوائح التي يمكن إضافتها من مشمولات اللجنة الوطنية للجوائح الطبيعية

وهو يهدف إلى المساهمة في تعويض الأضرار التي تلحق بالمنخرطين من فلاحين أو بحارة جراء الجوائح الطبيعية التي يشملها محال تدخل الصندوق. ويتمثل التعويض في استرجاع جزء من قيمة المنتوج أو نفقات الإنتاج التي تحملها المصرّح المنخرط من جراء جائحة منذ بداية المواسم الفلاحية أو دورات الإنتاج إلى حين حصول الضرر المصرّح به. ويمكّن هذا الصندوق إجمالًا من تعويض الفلاحين بما قدره 60 في المائة على أقصى حدّ من قيمة المنتوج أو من كلفة الانتاج.

ويتوزع تمويل الصندوق بين مساهمة سنوية من الدولة بقيمة 30 مليون دينار ومساهمة الفلاحين بـ 2.5 في المائة من قيمة المنتوج أو من كلفة الإنتاج إضافة الى معلوم تضامني يقدّر بـ 1 في المائة على بعض المنتجات الفلاحية مثل الحبوب عن طريق ديوان الحبوب والخضر والغلال عن طريق السوق المركزية والزيتون عن طريق ديوان الزيت.

ويغطي هذا الصندوق التعويضي 6 جوائح هي الجليدة، والجفاف، والعواصف، والرياح، والثلوج والفيضانات فيما تبقى عمومًا نوعية الجوائح التي يمكن إضافتها من مشمولات اللجنة الوطنية للجوائح الطبيعية.

وائل شويهات (ممثل "كتاما"): هكذا ينخرط الفلاح في الصندوق

في تصريح لوائل شويهات، مهندس في الاقتصاد الفلاحي وممثل الصندوق التونسي للتأمين التعاوني (كتاما)، لـ"ألترا تونس"، على هامش يوم جهوي للتعريف بالصندوق في 19 فيفري/شباط 2020 بمقر ولاية سوسة، تحدّث عن انطلاق عمليات تحسيسيّة في مختلف ولايات الشمال لاتصالها بصابة الحبوب وأيضًا في ولايات الساحل في صلة بالخضروات والبقليّات.

اقرأ/ي أيضًا: توزيع مادة "السداري".. الصندوق الأسود للفساد في قطاع تربية الماشية

وأفاد أن الصندوق يغطي مختلف المستغلات الفلاحيّة باستثناء الأحياء المائيّة، مشيرًا إلى أن الاكتتاب يكون باستظهار الفلاح بوثيقة تثبت استغلاله لأرضه أو تعاطيه لنشاط فلاحيّ مع دفع مساهمته، ثم يتقدم بمطلب في التعويض لمكتب "كتاما" يعلن فيه عن مكان الجائحة ونوعيّتها وزمنها.

وأوضح محدثنا أن التأمينات تجمّع المطالب وتوجهها إلى اللجنة الوطنية للجوائح الطبيعية والمتكونة من أعضاء من وزارة الفلاحة ومن اتحاد الفلاحة من وزارة المالية والمعهد الوطني للرصد الجوي والوكالة الوطنية للاستشعار عن بعد لتقوم بدراسة الملفات وتقرّر إذا ما كانت المنطقة جائحة من عدمه.

وأضاف شويّات أنه حين تلقي الأمر، تقوم التأمينات بإرسال خبرائها على عين المكان ومعاينة الأضرار وإعداد تقاريرها في الغرض ليقع تحديد قيمة التعويض لاحقًا وتأذن اللجنة بصرفها. وتحدّد قيمة الانخراطات بـ 2.5 في المائة من قيمة المنتوج أو من كلفة الإنتاج وفًقا لما يختاره الفلاح ويقع تعويضه بنسبة 60 في المائة كأقصى حدّ من قيمة المنتوج إذا ما تعرّض إلى جائحة تسببت في أضرار له تفوق 25 في المائة.

حسان اللطيف (اتحاد الفلاحة والصيد البحري): ضرورة الانخراط في الصندوق

والتقى "ألترا تونس"، في ذات الإطار، حسان اللطيف، وهو رئيس الاتحاد الجهوي للفلاحة والصيد البحري بسوسة، الذي دعا الفلاحين إلى الانخراط في الصندوق قائلًا: "الدولة لن تساهم مستقبلًا في تعويض الفلاحين وبالتالي لابد من الانخراط في الصندوق للاستفادة من التعويضات وجبر الأضرار".

حسان اللطيف (اتحاد الفلاحة والصيد البحري): الدولة لن تساهم مستقبلًا في تعويض الفلاحين وبالتالي لابد من الانخراط في الصندوق

وأشار محدثنا إلى أن الصندوق يهم الزراعات الكبرى مطالبًا بتطويره ليمسّ جميع القطاعات ويشمل جميع الفلاحين الصغار والكبار دون استثناء وفق تعبيره، مع الالتزام بتوفير تغطية اجتماعية وصحية لصغار الفلاحين والعملة الفلاحيين.

يذكر أن القيمة الجمليّة للأضرار الناجمة عن الجوائح الطبيعية بين سنتي 2011 و2018 بلغت 211 مليون دينار فيما بلغت إجمالي المساعدات الظرفية لجبر الأضرار الفلاحية من ميزانية الدولة خلال نفس الفترة 121 مليون دينار، وفق ممثل الصندوق التونسي للتأمين التعاوني الفلاحي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

بسبب الساتر الترابي.. فلاحون في بنقردان والذهيبة محرومون من أراضيهم

سرقة محاصيل الزيتون.. تحدي سنوي يؤرق الفلاحين في تونس