هل يجب إنهاء دور الدّولة في قطاع الحبوب؟

هل يجب إنهاء دور الدّولة في قطاع الحبوب؟

زراعة الحبوب في تونس شديدة التأثّر بالعوامل المناخيّة (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

 

في تونس التي تفخر بكونها مطمورة روما تاريخيّا، تبدو وفرة محاصيل الحبوب كندرتها: ففي كلتا الحالتين يعاني صغار الفلاّحين وهم الغالبيّة إمّا من شحّ المحصول أو من مشاكل الوفرة تجميعًا أو تخزينًا أو انهيارًا في الأسعار.

وبالعودة إلى المطمورة، فإنّ العبارة لا يبدو أنّها تفيد قدرة استثنائيّة على الإنتاج بقدر ما تعني مهارة في تخزين الحبوب وتدبير أمرها تحويلًا وتجارة بصفة أعمّ، وهو ما يبدو أنّ التّونسيّين قد افتقدوه إلى الحدّ الذي جعل الشّركات الخاصّة العاملة في مجال تخزين الحبوب تستهلّ موسم الحصاد برفض استقبال المحاصيل لانخفاض السّعر الذي تقدّمه الدّولة مقابل التّجميع. وإلى حدود كتابة هذا المقال، فإنّ أزمة التّخزين لا تزال متواصلة ولم تتجاوز طاقة التّجميع 12 مليون قنطار في الوقت الذي تبلغ تقديرات المحاصيل الاستثنائيّة لهذه السّنة 24 مليون قنطار.

طوال الخمسين سنة الماضية (منذ 1970) يتراوح الفارق في الإنتاج بين السّنوات من 1 إلى 10 قنطار لكون زراعة الحبوب في تونس شديدة التأثّر بالعوامل المناخيّة رغم كلّ محاولات تحسين الشّروط الفنّية

اقرأ/ي أيضًا: صابة الحبوب.. ما سلم من الحرائق قد يُتلف لعدم التخزين!

يمكن طبعًا المحاججة بكون استثنائيّة المحاصيل حالت دون إعداد حكوميّ جيّد للتّخزين، ويمكن للمعارضة، في المقابل، أن تطلب من الحكومة تفاعلًا أسرع مع هذه الاستثنائيّة وتحسينًا في إجراءات التّجميع وإدارة قطاع الحبوب، ويمكن للنّاشطين المناضلين اليساريّين الاجتماعيّين الديمقراطيّين أن يطالبوا بدور أكبر للدّولة وبإنفاق أكبر وتدخّل أهمّ في ضبط قطاع الحبوب. كلّ ذلك ممكن وكائن ولكنّه أيضًا هامشيّ ذلك أنّ موضوع الحبوب وإن كان سياسيًا تدبيريًا بامتياز، فهو لا يغري نسًقا فكريّا وعمليًا جعل السّياسة لعبة غايتها ادّعاء تمثيل النّاس لا غير، ولأجل ذلك ربّما طغى الجدال حول القانون الانتخابيّ والترشّحات للبرلمان القادم على ما عداه.

وبالعودة إلى محاصيل الحبوب لهذه السّنة، يمكن القول إنه لا استثنائيّة في الاستثنائيّة نفسها، فوفق إحصائيّات وزارة الفلاحة لسنة 2013 وطوال الخمسين سنة الماضية (منذ 1970) يتراوح الفارق في الإنتاج بين السّنوات من 1 إلى 10 قنطار لكون زراعة الحبوب في تونس شديدة التأثّر بالعوامل المناخيّة رغم كلّ محاولات تحسين الشّروط الفنّية وهو ما يعني أنّ الاستثنائيّة قاعدة بالنّسبة لإنتاج الحبوب في تونس.

إذًا فيم يكمن الخلل؟

الإجابة البسيطة الأولى تكمن في عجز سلسلة القيمة في مجال الحبوب تجميعًا وتخزينًا وتجارة (توريدًا وتصديرًا) وأسعارًا عن التكيّف مع واقع دائم التغيّر (محصول الحبوب)، وهنا لا بدّ من التّركيز على مُعطى أساسيّ قلّما يُطرح للتّساؤل في الخطاب السّائد الإعلاميّ السياسيّ التّونسي رغم حضوره في الأدبيّات حول الزراعات الكبرى التونسيّة.

وهذا المُعطى يتمثّل في احتكار الدّولة عبر ديوان الحبوب منذ إنشائه سنة 1962 لتجميع وتوزيع وتوريد الحبوب المُعدّة للاستهلاك الإنسانيّ والحيوانيّ، وفي كون الدّولة تُحدّد السّعر بيعًا وشراءً بين مختلف الفاعلين في سلسة القيمة: الفلاّحون، والمجمّعون، والمخزّنون والمطاحن ثمّ سعر البيع النّهائيّ للمستهلك والمخابز.

 تدخّل الدّولة يُحدّد سعر البيع بالنّسبة للفلاّح تفاديًا لانهيار أسعار المحاصيل ويحدّد سعر البيع بما يضبط هامش الرّبح لكلّ متدخّل وفق حسابات بيروقراطيّة تبدو للقائمين عليها منطقيّة ومتوازنة

ولتلخيص هذه المنظومة شديدة التّعقيد، فإنّ تدخّل الدّولة يُحدّد سعر البيع بالنّسبة للفلاّح تفاديًا لانهيار أسعار المحاصيل ويحدّد سعر البيع بما يضبط هامش الرّبح لكلّ متدخّل وفق حسابات بيروقراطيّة تبدو للقائمين عليها منطقيّة ومتوازنة.

اقرأ/ي أيضًا: إنتاج فلاحي وفير.. الفلاح متضرر والمستهلك غير مستفيد

وخلاصة القول، إن إدارة قطاع الحبوب في تونس أشبه ما تكون، أو هي مماثلة، إذا ما استثنينا مرحلة التّجميع التي تمّ التّفويت فيها لخواصّ منذ 2005 لما كان سائدًا في الدّول الاشتراكيّة والاتّحاد السوفياتي قبل انهيار جدار برلين وفي دول أوروبية غربية قبل الحرب العالميّة الثانيّة. وعلى وجه التدقيق، فإنّ هيكلة قطاع الحبوب في تونس والذي يخضع كلّية لتسيير الدّولة هو آلة من العبث البيروقراطي شغلها الشّاغل هو الضّبط والتحكّم في السّعر في مواجهة حركة السّوق والتبادل والمبادرة داخليًا وخارجيًا.

وفي حالة ديوان الحبوب وهو الجهاز الإداريّ الرئيسي في قطاع الزراعات الكبرى، فإنّه لا حاجة لنا للخوض في المعاني العميقة للحدّ من تدخّل الدّولة في التّجارة والاقتصاد وأولويّة الحرية على أوهام الضبط البيروقراطي. يكفي مثلًا أن نورد ما تشير إليه إحدى دراسات البنك الدولي بخصوص كلفة تدخّلات ديوان الحبوب وتأثيره في الأسعار، ففي لعبة الضبط هذه التي يديرها ديوان الحبوب تتمثّل الأولويّة في الحفاظ على سعر مرتفع للفلاّح وتخفيضه بالنّسبة للمطاحن ثمّ المستهلك النّهائيّ.

  إدارة قطاع الحبوب في تونس أشبه ما تكون، أو هي مماثلة، إذا ما استثنينا مرحلة التّجميع لما كان سائدًا في الدّول الاشتراكيّة 

وإذ يبدو هذا الهدف للوهلة الأولى مثاليًا واجتماعيًا بامتياز، فإنّ طريقه على أرض الواقع محفوفة بمطبّات كبيرة. فوفق دراسة للبنك الدّولي تعود إلى سنة 2006، تبلغ كلفة تدخّل الدّيوان بالنّسبة للمستهلك الواحد 12 دولار أمريكي في السنة، في حين لا تفضي هذه التدخّلات إلاّ إلى دعم المستهلك النّهائيّ بما قيمته 1.30 دولار أمريكي. أمّا من زاوية الفلاّح، فإنّ تدخّل الدّولة قد يفضي وقد أفضى في سنوات سابقة إلى تحديد سعر محلّي أقلّ من السّعر العالميّ وهو ما يماثل ضريبة غير مُعلنة على قطاع الزّراعات الكبرى وهو في كلّ الحالات لا يبتعد كثيرًا عن السّعر العالميّ.

وكما هو معلوم، فإنّ تدخّل الدّيوان في تحديد هوامش الربح لكلّ المتدخّلين يحول دون سعي القطاع الخاصّ للاستثمار بطريقة تجعله يتوقّع أرباحًا من حيويّة السّوق بما فيها مسألة صعوبة توقّع المحاصيل ومسألة التّخزين. وعلى نفس النّحو، فإنّ واقع التدخّل الإداريّ في كلّ مراحل ومفاصل الزّراعات الكبرى إنتاجًا وتوريدًا يؤدّي إلى إهدار كبير، ومن ذلك خسائر بين 8 و10 في المائة (الدراسة المذكورة أسبقه) وذلك من جملة المحاصيل عند النّقل والتّجميع والتّوزيع.

تحرير قطاع الحبوب والتدخّل في الحدّ الأدنى..

ما تدخّل السّلطان في التّجارة والفلاحة إلاّ وفسدتا وفسد معهما السّلطان، تلك قاعدة خلدونيّة أصيلة يبدو أنّ تونس لا تلقي لها بالًا. والحال أنّ الانسحاب المنظّم للدّولة من هذا التّحكّم المتهافت في قطاع الحبوب توريدًا وتجارة وتوزيعًا هو الأسلم، ومفاد ذلك أنّه لا حاجة لديوان الحبوب بشكله الحاليّ جملة وتفصيلًا. ومن زاوية عمليّة، فإنّ هذا التّحرير قد أثبت جدارته من زاوية التّجميع، فمنذ سنة 2005 صدر قانون لتحرير هذه العمليّة وإشراك التعاونيّات والقطاع الخاصّ في التّجميع بما أدّى إلى تراجع دور ديوان الحبوب في هذه العمليّة إلى حوالي 30 في المائة في السّنوات الأخيرة.

عودة الحبوب إلى أهلها فلاحة وتوزيعًا وتجارة كفيل وإن بعد حين بأن يعيد مطمورة روما إلى سابق حكمتها في تدبير شؤون قمحها

وإذا كان المطلوب استراتيجيًا من الدّولة أن تتحكّم في مفصل الأمن الغذائيّ، فالأجدر هو أن تنحصر مهمّة الدّولة في محورين رئيسيّين: تأمين مخزون استراتيجيّ يكون متاحًا في حالات الندرة أو الجفاف لا قدّر الله، ومرافقة الفلاّح المحلّي في الحفاظ على البذور الوطنيّة والمعارف التّقليديّة المتوارثة في الزّراعات الكبرى باعتبارها مكسبًا استراتيجيًا وطنيًا وبندًا من بنود اتّفاقيّات دولية عديدة في الحفاظ على التنوّع البيولوجي (بروتوكول ناغويا 2010). وما عدا ذلك، فإنّ عودة الحبوب إلى أهلها فلاحة وتوزيعًا وتجارة كفيل وإن بعد حين بأن يعيد مطمورة روما إلى سابق حكمتها في تدبير شؤون قمحها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الفلاح التونسي "في الشتاء مغروق وفي الصيف محروق"

منح أراض فلاحية للمعطلين عن العمل.. برنامج جاذب في واقع صعب