أزمة المياه.. هل باتت تونس مهددة بالعطش؟

أزمة المياه.. هل باتت تونس مهددة بالعطش؟

4704 مشاهدة
سد الهوارب بمحافظة القيروان (فتحي بلعيد/ أ ف ب)

أثار مقترح إحداث سلك الشرطة المائية في تونس بموجب مشروع مجلّة المياه الجديدة، المعروض على المجلس الوزاري للمصادقة عليه قبل إحالته على البرلمان، جدلًا واسعًا وغصّت مواقع التواصل الاجتماعي بالتعليقات من هذا المقترح.

وكان مدير التخطيط والتوازنات المائية بوزارة الفلاحة حمادي الحبيب قد قال إنّ "المجلّة الجديدة تتضمن مقترح إحداث شرطة للمياه بهدف المحافظة على الثروة المائية". وأوضح في تصريح لراديو ماد أن "الشرطة المائية ستكون موجودة على المستوى الجهوي وستتولى معاقبة كل من يستغل المياه بطريقة غير قانونية".

مشروع مجلة المياه الجديدة نصّ ضمنيًا على إحداث شرطة مياه

مشروع مجلة المياه الجديدة: شرطة مياه وعقوبات مشدّدة

من المنتظر أن يحيل المجلس الوزاري التونسي مشروع مجلّة المياه الذي يتكون من 150 فصلًا على البرلمان للنظر فيها وقد تم التنصيص فيه ضمنيًا على إحداث "شرطة مياه" للتصدي لتبذير المياه. إذ ينصّ الفصل 122 على أنّ "مهمّة معاينة المخالفات تسند إلى المهندسين والفنيين التابعين للوزارة المكلفة بالمياه والأطباء والمهندسين والفنيين التابعين لوزارة الصحة وكذلك المهندسين التابعين للوزارة المكلفة بالتجهيز والوزارة المكلفة بالبيئة. وتضبط قائمات المختصين في هذا الغرض بمقتضى قرار من الوزراء المعنيين."

وينص الفصل 123 على أن معاينة المخالفات تتم بواسطة محاضر تُسجل وقائع المخالفة وأقوال مرتكبيها ويتم توجيه المحاضر إلى النيابة العمومية في أجل أقصاه 15 يومًا من ختمها، فيما ورد في الفصل 124 أن الأشخاص المؤهلين لحفظ الملك العمومي للمياه يرتدون زيًا رسميًا أثناء قيامهم بمهامهم يتم ضبطه بقرار من الوزير المكلّف بالمياه.

يقرّ مشروع مجلة المياه جملة من العقوبات المشدّدة على المخالفين والمبذرين للمياه

اقرأ/ي أيضًا: تونس.. هل تتحقق انتفاضة العطشى؟

وينصّ الفصل 125 على أن لأعوان الضابطة العدلية للمياه كامل الصلاحيات لممارسة مهامهم. ويخوّل لهم النفاذ في أي وقت إلى جميع البناءات والمنشآت التي تستعمل الموارد المائية أو تؤثر فيها، وبإمكانهم طلب الاستظهار بأية وثيقة ضرورية، كما أنه بإمكانهم عند الحاجة طلب مساعدة أعوان الأمن الوطني وخاصة في حالتي مقاومة المخالفين أو التلبّس،  ومستغلي الملك العمومي للمياه مطالبون بتسهيل أداء هؤلاء الأعوان لمهامهم ومدّهم بكل وثيقة أو أداة تساعدهم على تقصي الوضعية، فيما ينص الفصل 126 على أنّه في حالة انتهاك واضح للملك العمومي للمياه، فإن أعوان الضابطة العدلية للمياه مؤهلون لاتخاذ الإجراءات التحفظية التي يرونها ناجعة ومن بينها الإيقاف المؤقت للأشغال وحجز المعدات والمواد المستعملة.

ويقرّ المشروع جملة من العقوبات المشدّدة على المخالفين تتراوح بين السّجن والخطايا المالية، ومن أبرز المخالفات التي تستوجب العقوبة إلحاق الضرر بالسدود أو المنشآت المعدّة لتعبئة المياه وصيانة المدن وكل استهلاك للمياه دون القيام بالكشوفات الفنية الدورية الإجبارية وإقامة تجهيزات من شأنها التسبب بصفة وقتية أو دائمة في تلوث المياه والقيام بأشغال أو أنشطة متسببة في إقامة حواجز أو أيّة تهيئة من شأنها عرقلة سيلان مياه الفيضانات وكل إحداث أو تهيئة موضع لحصر المياه أو تزود غير مشروع بالمياه إضافة، إلى استغلال  المياه المستعملة مباشرة لأغراض فلاحية أوالقيام  بعمل من شأنه أن يتسبب في تسربها داخل التربة أو القيام بتدخل غير مشروع في منشآت الصرف الصحي وتجهيزاته عبر تسريب أية مادة صلبة أو سائلة أو غازية من شأنها التأثير على صحة العملة أو التسبب في إتلاف هذه المنشآت أو تعطيل سيرها، أو بتصريف مياه الصرف الصحي بالملك العمومي للمياه.

​ ​​ ​ 

عقوبات متشددة تنتظر المعتدين على الثروة المائية (فتحي بلعيد/ أ ف ب)

ويقوم مشروع المجلة الجديدة على جملة من المبادئ من بينها أن الماء عنصر حيوي وثروة وطنية، ملك عمومي وموروث طبيعي للبلاد يجب حمايته والمحافظة عليه وتنميته وأن الحق في الماء الصالح للشرب والحق في الصرف الصحي ضروري للحياة، تعمل السلط المختصة على المستوى المركزي والجهوي والمحلي على جعله متاحًا للجميع وتوفير الخدمات المتعلّقة به وأن الملك العمومي للمياه غير قابل للتفويت، وأنه يتم التخطيط لتعبئة الموارد المائية لتأمين الملاءمة بين طلبات الماء الحالية والمستقبلية والموارد المتوفرة كمًا وكيفًا وفق الحوكمة الرشيدة والتصرف المندمج وباعتماد دراسات دقيقة منها دراسة بصمة الماء لمختلف القطاعات.

وفيما يتعلّق بالحوكمة يقترح المشروع الجديد إحداث لجنة الملك العمومي للمياه وتتولى إبداء الرأي الفني في كل المسائل المتعلّقة بالملك العمومي للمياه إضافة إلى إحداث مجلس وطني للمياه يترأس اجتماعاته الوزير الكلّف بالمياه. وتتضمّن المجلة الجديدة جملة من الترتيبات والقوانين التي تضع تصورًا جديدًا للتصرّف في المياه كما أنها جاءت للحدّ من استنزاف الموارد المائية وزجر الاعتداء على شبكات توزيع المياه العمومي.

وتنص المجلة كذلك على مبدأ النفاذ إلى المعلومات التي تتعلّق بمجال المياه من خلال تدعيم منظومات الإحصاء إضافة إلى الحوكمة وذلك من خلال ضبط كيفية التصرف في منظومة المياه وطريقة تسيير بعض الجمعيات التي تعاني من بعض المشاكل، طبقا لذات المصدر.

مجلّة مياه 1975 منتهية الصلوحية

في شرح أسباب طرح مشروع مجلة مياه جديدة استندت وزارة الفلاحة التونسية على كون مجلّة المياه الصادرة سنة 1975 أصبحت غير ملائمة لمتطلبات المرحلة الحالية ولا تستجيب لضروريات التنمية الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، وفق ما ورد في نص المشروع.

وقد تم تنقيح هذه المجلة في ثلاث مناسبات سنوات 1987 و1988 و2001، وقد نصّت أيضًا على الملك العمومي للمياه وعلى ضرورة الحفاظ على الثروة المائية ولكنها لا تقر العقوبة السجنية في حال المخالفة وتشمل العقوبات الخطايا المالية فقط.

منسّق المرصد التونسي للمياه: تسريب مقترح "شرطة المياه" هدفه إلهاء المواطنين عن أزمة المياه التي تعيشها تونس

المجتمع المدني يساند مقترح الشرطة المائية

ومن جهته يعتبر منسّق المرصد التونسي للمياه علاء المرزوقي أنّ إحداث جهاز شرطة مياه أمر ضروري بالنسبة للدول التي تريد أن تحافظ على ثروتها المائية، مشيرًا إلى أنّ الإشكال الذي يمكن أن يرافق هذه المسألة هو الصلاحيات المنوطة بعهدة هذا الجهاز.

ويقول إنه لا يوجد خلاف بشأن تركيز هذا الجهاز صلب المجتمع المدني الذي نادى بصلاحيات أكثر للشرطة المائية في نقاشاته لمشروع مجلة المياه الجديدة، مشدّدًا على ضرورة تحديد صلاحياته.

ويضيف المرزوقي في تصريح لـ" الترا تونس" أن تسريب مقترح "شرطة المياه" هدفه إلهاء المواطنين عن أزمة المياه التي تعيشها تونس، مبرزًا أن الحكومة انتهجت سياسية التعتيم في مناقشتها لمشروع مجلة المياه الجديدة ولم تشرّك المجتمع المدني في كل النقاشات.

ويؤكّد ضرورة أن تضبط مجلة المياه الجديدة التقسيم العقاري المائي وتحدّد مسؤوليات الشركة التونسية لاستغلال وتوزيع الماء في حال انقطاع الماء، إضافة إلى التنصيص على لامركزية قرار التحكم في الماء.

ويتابع: "نحن كمجتمع مدني وفي إطار دورنا التعديلي قدّمنا جملة من المقترحات وطالبنا بتوضيح الفصول الواردة في مشروع المجلة الجديدة كي لا تكون مفرغة من محتواها ومليئة بالثغرات"، مشيرًا إلى أنه من الضروري تشريك المجتمع المدني في كل مراحل مناقشة المجلة كي لا تكون مشاركته صورية.

سد سيدي سالم في تستور بمحافظة باجة (فتحي بلعيد/ أ ف ب)

مخاوف من أن تعيش تونس تجربة جنوب إفريقيا

وفي سياق منفصل، يشير علاء المرزوقي إلى أن تونس تشهد عديد التناقضات خاصة في علاقة بالتحذير من الجفاف والعطش رغم تساقط كميات هامة من الأمطار. ويقول: "المرصد التونسي للمياه نبّه منذ 3 سنوات إلى أنّ فصول الصيف في سنوات 2016 و2017 و2018 ستشهد أزمة مياه وتم اتهامه بالتهويل من قبل وزارة الفلاحة والشركة التونسية لاستغلال وتوزيع المياه واليوم الحكومة أصبحت تحذّر من أزمة مياه" .

ويضيف: "من غير المقبول أن تحمّل الحكومة المواطن التونسي مسؤولية شحّ المياه ذلك أنّ كميات المياه المستهلكة سنويًا تشمل قطاعي الفلاحة والصناعة ومسابح النزل والمؤسسات العمومية"، مؤكّدًا أن هناك أزمة مياه في السنوات الأخيرة مردّها التسرب المائي وسوء التصرف في الموارد المائية. ويلاحظ أنّ معدّل التسرّب يصل في بعض الجهات الداخلية إلى 60 و70 % وهو ما يعدّ كارثة بالنسبة لدولة مواردها المائية محدودة ولا تولي أهمية لصيانة شبكة المياه.

ويوضّح أنّ كميات الأمطار هذه السنة فاقت كميات السنة الفارطة ولكن كميات المياه المجمعة في السدود أقل من السنة الفارطة، لافتًا إلى أنّ هذا التناقض مرده سوء التصرف في الموارد المالية وعدم التمكن من التحكم في مياه الأمطار وتجميعها. ويتابع: "بالنسبة للحكومة الحلول السهلة تتمثل في تركيز محطّات لتحلية المياه لتفادي ّأزمة الجفاف والعطش وهي مسألة مكلفة وسينجرّ عنها الترفيع في تسعيرة المتر مكعب من الماء بأضعاف الحالية".

منسّق المرصد التونسي للمياه: أزمة المياه ستحتدّ نظرًا لغياب الإرادة السياسية

ويضيف "هناك عدّة حلول استراتيجية لكي لا نصل إلى يوم دون ماء تتمثل في التحكم في التسربات من خلال صيانة شبكة المياه والتحكم في مياه الأمطار وأخذ التغيرات المناخية بعين الاعتبار والتوجّه إلى مناطق الجنوب التي أصبحت تشهد فيضانات وتركيز سدود صحراوية فيها وأماكن لتجميع المياه، إضافة إلى تطهير مياه الصرف الصحي والتصدي للحفر العشوائي للآبار".

ويؤكّد محدّثنا أن أزمة المياه ستحتدّ نظرًا لغياب الإرادة السياسية لحل المشاكل وعدم تقدّم المشاريع المتعلّقة بالمياه، مبرزًا أن حالة السدود التونسية كارثية وأن انقطاع المياه سيشمل مختلف مناطق الجمهورية التونسية. ويشير إلى ضرورة وضع استراتيجية وطنية لحماية الثروة المائية، مبيّنًا أن التمشي الذي تنتهجه تونس سيؤدي بها إلى خوض نفس لتجربة التي خاضتها جنوب إفريقيا حيث بلغت مدينة كيب تاون اليوم الصفر وانعدمت قطرات الماء من أنابيبها، وفق قوله.

يذكر أن السلطات الجنوب إفريقية قد أعلنت حالة الكارثة الطبيعية في عموم البلاد بسبب الجفاف الحاد الذي يضرب مدينة كيب تاون منذ أشهر، والذي يهدد بانقطاع مياه الشرب. وذكرت حكومة البلاد - حسبما ذكرت شبكة إيه.بى.سى.نيوز الأمريكية - أن الجفاف بلغ حدته في المقاطعات الثلاث لـ"كيب تاون" الواقعة جنوب البلاد.

وفيما تتواصل تحذيرات المجتمع المدني من إمكانية أن تعيش تونس حالة من الجفاف والعطش وتواجه نفس المصير الذي واجهته جنوب إفريقيا، تكتفي الحكومة باللجوء إلى حلول سهلة على غرار تركيز محطات لتحلية المياه من شأنها أن تضاعف في سعر المياه في وقت تغيب فيه رؤية استراتيجية تطرح حلولًا فعالة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل سقط هواة الصّيد في تونس ضحيّة التهور والإرهاب؟

يد شابة تشجر تونس بـ"المورينجا"