الفلاح التونسي

الفلاح التونسي "في الشتاء مغروق وفي الصيف محروق"

وعود متكررة من الحكومة بتفعيل صندوق الجوائح الطبيعية لتعويض الفلاحين دون تنفيذها (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

 

تنحني برؤوسها مثقلة بما فيها من خير لزارعيها، سنابل القمح التي افترشت سهول ومرتفعات العديد من مناطق الشمال والوسط وحتى بعض الجنوب، ما زال فلاحوها الذين عشقوا لون السنابل ينتظرون ما أنعم عليهم الله بخير. لكن للأسف أتت سلسلة الحرائق الأخيرة على أكثر من 500 هكتارًا من أراضي بعضهم حسب وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، فيما تمّ تسجيل 76 حريقًا في 24 ساعة فقط، ليتحوّل ما انتظره الفلاحون إلى رماد منثور بعد أشهر من الانتظار. 

وقد أثارت هذه الحرائق التي نشبت على مدى الأيام القليلة الماضية تساؤلات عدّة عن سببها وتزامنها، رغم أنّ درجات الحرارة لم ترتفع بالقدر الذي يجعلها سببًا في اندلاعها، ورجّح العديد أن تكون الحرائق بفعل فاعل، فيما أرجعها البعض الآخر إلى مجرّد أخطاء بشرية. فيما يُطرح السؤال، مع تواصل سلسلة الحرائق، عن وضعية الفلاحين بعد ما تكبّدوه من خسائر وما إذا كانوا سيتمتّعون بجبر أضرار.

اقرأ/ي أيضًا: ما معنى أن تكون حبوب الكسكسي جزءًا من كرامة التونسي؟

حرائق تلتهم الصابة في انتظار التعويض

كانت قد قدّرت صابة الحبوب هذه السنة بأكثر من 20 مليون قنطار مقابل 14.3 مليون قنطار السنة الماضية بحسب وزارة الفلاحة، وذلك بعد هطول كميات كبيرة من الأمطار شملت أغلب المناطق التونسية. لكن تضرر العديد من الفلاحين بسبب الحرائق، خاصة تلك التي أتت على أكثر من 200 هكتارًا في ولاية الكاف بمعتمدية السرس في 9 جوان/ حزيران 2019.، عدا عن تسجيل حرائق على امتداد أكثر من 230 هكتارًا في ولاية سليانة. وماتزال مصالح الحماية المدنية تسجل نشوب بعض الحرائق في بعض المناطق الأخرى بأقل حدّة فيما لم يقع الكشف إلى اليوم عن سببها وما إذا كانت بفعل فاعل. 

أكد وزير الفلاحة في تصريحات إعلامية إلى أنّه سيقع إقرار تعويضات للفلاحين بداية من شهر جويلية 2019 وهو ما يطرح تساؤلات عن جدية هذه الوعود في ظل تكرارها مع عدم تفعيل صندوق الجوائح إلى اليوم

وفي حصيلة أولية عن حجم الحرائق، أفاد وزير الفلاحة والموارد المائية سمير الطيب أنّ الحرائق امتدت على 514 هكتارًا، مشيرًا إلى أنّه لا يمكن نفي أو إقرار الصبغة الإجرامية لهذه الحرائق. واعتبر أنّ "ما يروّج في شأن وقوف موردي الحبوب وراء الحرائق كلام سخيف لأنّ الدولة تحتكر توريد الحبوب ولا وجود لموردين من القطاع الخاص في هذا القطاع"، مضيفًا أنّ "الوزارة اتخذت جملة من الإجراءات لحماية الزراعات الكبرى من خلال تجربة المراقبة عبر الطائرات من دون طيّار، وقد انطلقت التجربة لحقول في بنزرت شمال تونس في انتظار تعميمها".

على صعير آخر ، أشار وزير الفلاحة في تصريح إعلامية إلى أنّه سيقع إقرار تعويضات للفلاحين بداية من شهر جويلية/ تموز 2019، وهو ما يطرح تساؤلات عن جدية هذه الوعود في ظل تكرارها على اعتبار أنّ صندوق الجوائح الذي أعلن عنه منذ أكثر من سنة مازال لم يفعلّ بعد. كما لا يزال عشرات الفلاحين ممن تضررت محاصيلهم خلال الأشهر الماضية جراء الفيضانات في بعض المناطق ونزول البرد في مناطق أخرى ينتظرون الحصول على التعويضات لاستئناف نشاطهم. 

فرغم مرور تسعة أشهر على الفيضانات التي شهدتها نابل في 22 سبتمبر/ أيلول 2018 والتي أسفرت عن  خسائر فادحة في القطاع الفلاحي، إلا أنّ الفلاحين مازالوا إلى يوم في انتظار صرف التعويضات التي وعدت بها الحكومة والجهات المعنية، رغم أنّ لجان التقييم أنجزت دورها على المستوى المحلي والجهوي والوطني من طرف متخصصين بوزارة الفلاحة. ومازال لا يملك فلاحون أي امكانيات لمواصلة نشاطهم الفلاحي وهم عاجزون عن تسديد أغلب ديونهم، وقد طالبوا أكثر من مرّة بضرورة التسريع في صرف التعويضات بعد أن بات بعضهم مهددًا بالسجن. 

يذكر أنّ الولاية شهدت جراء تلك الفيضانات تضرر أكثر من 850 هكتارًا من الخضروات وقرابة 800 هكتارًا من الأشجار المثمرة، إلى جانب نفوق 90 ألف طير دجاج، ونفوق 86 رأس غنم وإتلاف 180 بيت نحل، وفق ما أحصته اللجنة المكلفّة بتقييم الخسائر من المصالح الجهوية التابعة لوزارة الفلاحة. 

وعود متكررة والفلاحون يحرسون محاصيلهم!

رغم المطالبة على مدى السنوات الماضية بضرورة بعث صندوق للجوائح إلاّ أنّه لم يخرج عن مجرّد الوعود التي تتكرر بعد كلّ جائحة. ففي بدية مارس/ آذار 2017، أعلن وزير الفلاحة سمير الطيب بمجلس نواب الشعب، أنّ الحكومة أقرت إحداث صندوق الجوائح لجبر الأضرار الفلاحية ومساعدة الفلاحين وذلك لأول مرة منذ الاستقلال، على أن تموّله الدولة بقيمة 20 مليون دينار وسيساهم فيه الفلاحون بقيمة 20 مليون دينار أيضًا، أي بقيمة جملية تبلغ 40 مليون دينار. وأعلن رئيس الحكومة وقتها يوسف الشاهد، في فيفري/شباط 2019، أنه سيتم تفعيل صندوق الجوائح بداية من 15 مارس/آذار من نفس العام لكن لم تصدر الأوامر الحكومية إلا في أكتوبر/تشرين الأول وذلك مع بقاء هذا الصندوق دون تفعيل إلى اليوم.

مازال لا يملك فلاحون في نابل بعد تضرر محاصيلهم إثر فيضانات سبتمبر 2018  أي امكانيات لمواصلة نشاطهم الفلاحي وهم عاجزون عن تسديد أغلب ديونهم وبات بعضهم مهددًا بالسجن

ثم صرح عبد المجيد الزار، رئيس الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري عبد المجيد الزار، إثر اجتماع لجنة 5 +5 بين الحكومة والاتحاد في 27 فيفري/شباط 2019، أنه سيتم صرف التعويضات للفلاحين المتضررين من التغيرات المناخية والجوائح الطبيعية قبل موفى صائفة 2019. وأكد أنّه تمّ تحديد تاريخ 15 أفريل/نيسان 2019 لانطلاق تفعيل صندوق الجوائح الطبيعية، وهو ما لم يتم.

اقرأ/ي أيضًا: منح أراض فلاحية للمعطلين عن العمل.. برنامج جاذب في واقع صعب

مرّ بذلك أكثر من تاريخ محدد لتفعيل صندوق الجوائح، وبعد كلّ جائحة يتعرّض لها الفلاحون، يقع الإعلان عن موعد جديد لتفعيل الصندوق، آخرها ما أكده وزير الفلاحة في 13 جوان/يونيو الحالي، أنه سيقع تفعيل صندوق الجوائح بداية من جويلية/ يوليو القادم، مشددًا أنّ مصالح المندوبيات الجهوية للفلاحة ستتنقل على عين المكان وستقوم بالمعاينات اللازمة للأضرار التي خلفتها الحرائق. 

عبد الكريم، وهو فلاح تضررت أراضيه في الكاف، قال لـ"ألترا تونس" إنه لن ينتظر أي تعويض من الدولة قائلًا: "كان أولى بالدولة معاضدة جهود الفلاح لحماية محاصيله من أي عمل إجرامي حتى لا يتكبد هو أو الدولة أي خسائر". وهو كغيره من الفلاحين لا يصدّق وعود الدولة التي لم تلتزم بالتعويض لمن سبقهم ولمن اتلفت محاصيله جراء الفيضانات أو البرد خلال الشتوية الماضية قائلًا "الفلاح في الشتاء مغروق (أي غارق) وفي الصيف محروق"، وذلك كما يقول المثل الشعبي.

بشير بن محمد (فلاح): غير مستبعد أن تكون أغلب الحرائق بفعل فاعل خاصة وأنّ بعضها نشب في الليل أو في الفجر وهي أوقات لا تكون فيها درجة الحرارة مرتفعة

من جهته، يحدثنا بشير بن محمّد، فلاح ولاية سليانة، أنه بعد تكرر الحرائق في عدّة مناطق بات أغلب الفلاحين يحرسون أراضيهم مخافة احتراقها، غير مستبعد أن تكون أغلب الحرائق بفعل فاعل، خاصة وأنّ بعضها نشب في الليل أو في الفجر، وهي أوقات لا تكون فيها درجة الحرارة مرتفعة حتى تتسبب في حرق المحاصيل وفق تعبيره.

وأضاف بن محمد لـ"ألترا تونس" أنّه غالبًا ما تكون الأراضي الفلاحية المزروعة نظيفة من أي مواد قابلة للاشتعال مثل البلاستيك أو الزجاج مشيرًا إلى تنظيفها بصفة جيدة خلال حرث الأرض ولذلك يقدّر أغلب الفلاحين، وفق قوله، أنّ هذه الحرائق مفتعلة. وأشار إلينا أن هذه الخشية دفعت بعض الفلاحين إلى حراسة أراضيهم خاصة ليلًا "لكن امتداد الأراضي وشساعتها تًصعّب عملية الحراسة" وفق محدثنا.

ماذا تعرف عن صندوق تعويض الأضرار الفلاحية؟

يُذكر أن صندوق تعويض الأضرار الفلاحية، وفي انتظار تفعيله، منظم بموجب الأمر الحكومي عدد 821، الصادر بتاريخ 8 أكتوبر/تشرين الأول 2018، المتعلق بتنظیم عمل صندوق تعويض الأضرار الفلاحية الناجمة عن الجوائح الطبيعية الذي طالب به الفلاحون والبحارة، وهو يشمل مجالات تأمین الزراعات السقوية والمطرية والحیوانات المدجّنة والمنتجات الفلاحیة والبحرية والتأمین على الفیضانات والعواصف والرياح والجفاف والثلوج الجلیدة، وفق ما ورد في نصه.

ويھدف صندوق الجوائح إلى المساھمة في تعويض الأضرار التي تلحق بالمصرحین من الفلاحین أو البحارة عبر استرجاع جزء من قیمة المنتوج أو نفقات الإنتاج التي تحمّلھا المصرّح المتضرر من جراء جائحة طبيعية منذ بداية المواسم الفلاحیة أو دورات الإنتاج إلى حین حصول الضرر. إذ يتعین على كل فلاح أو بحار، وفق هذا الأمر الحكومي، أن يقوم باكتتاب عقد اشتراكه في صندوق تعويض الأضرار الناجمة عن الجوائح الطبیعیة "صندوق الجوائح" في بداية كل موسم فلاحي أو دورة إنتاج لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد ويتسلم عقد الاشتراك مقابل دفع مساھمته السنوية.

ويعھد إلى شركة تأمین بمقتضى اتفاقیة يتم إبرامھا مع الوزير المكلّف بالمالیة التصرف في صندوق تعويض الأضرار الفلاحیة الناجمة عن الجوائح الطبیعیة، وتدفع هذه الشركة التعويضات للمصرحین المتضررين المصادق علیھم من قبل اللجنة الوطنیة للجوائح الطبیعیة وذلك طبقًا لبنود عقد الاشتراك وبالاعتماد على تقارير تقییم الأضرار المتعلقة بملفات المتضررين والمساحات.

يھدف صندوق الجوائح إلى المساھمة في تعويض الأضرار التي تلحق بالفلاحین أو البحارة عبر استرجاع جزء من قیمة المنتوج أو نفقات الإنتاج التي تحمّلھا المصرّح المتضرر من جراء جائحة طبيعية

وقد صدر بذات التاريخ الأمر الحكومي عدد 822 لسنة 2018 المتعلق بضبط مساهمة المصرحين في صندوق تعويض الأضرار الفلاحية الناجمة عن الجوائح الطبيعية ومقاييس احتسابها. وقد حدد الفصل الأول مساهمة المصرحين بـ"نسبة 2.5 في المائة من مبلغ قيمة المنتوج أو نفقات الإنتاج وذلك في حدود حصة تعويض مضمون تساوي في أقصاها نسبة 60 في المائة من مبلغ قيمة المنتوج أو نفقات الإنتاج وتحتسب على أساس نسبة الضرر. كما تضبط منحة التعويض لكل متضرر على ضوء اختبار الأضرار الحاصلة ومدى تقدم الأشغال والنفقات التي صرفها دون أن يتعدى هذا التعويض قيمة الأضرار ولا يمكن في جميع الحالات إسناد مبالغ تعويضات تفوق الموارد المتوفرة بالصندوق"

فيما نص الفصل الثاني على أن "تضبط أسس احتساب المساهمات والتعويضات باعتماد المعطيات التي يتم توفيرها سنويا من قبل وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري (الإدارة العامة للتمويل والاستثمارات والهياكل المهنية) لفائدة اللجنة الوطنية للجوائح الطبيعية وشركة التأمين المتصرفة في الصندوق. وبالنسبة لقيمة المنتوج يتم اعتماد معدل الإنتاج للسنوات الثلاث الأخيرة للمعتمدية أو منطقة الصيد البحري التي يرجع إليها المتضرر بالنظر. أما بالنسبة لنفقات الإنتاج يتم اعتماد الكلفة المباشرة السنوية لإنتاج الزراعات وحيوانات التربية والصيد البحري". فيما نصّ الفصل الثالث على أن تحدّد نسبة 25 في المائة كحد أدنى من نسبة الأضرار للحصول على التعويض.

بالنهاية وفي انتظار تفعيل صندوق الجوائح الطبيعية مع تجاهل الحكومة لقطاع الفلاحة، يرزخ الفلاح التونسي تحت وطأة ظروف قاسية تجعله يبتعد شيئًا فشيئًا عن هذا القطاع الاستراتيجي الذي إذا توفرت أمامه الشروط المناسبة يستطيع أن يقوم بدور هام لإنعاش الاقتصاد التونسي، عدا عن دوره في ضمان الأمن الغذائي للتونسيين.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حوادث شغل المهن غير المهيكلة.. ضحايا دون تعويض!

ملف خاص: "الأليكا".. وجهات نظر متباينة