هربًا من

هربًا من "كورونا".. أمّ تروي تفاصيل إجلاء عائلة ابنها من ووهان الصينية

وصل التونسيون القادمون من ووهان الاثنين 3 فيفري 2020

 

بين ليلة وضحاها انقلب "طريق الحرير" الصيني إلى طريق الشوك الفيروسي القاتل.. توقف كل شيء مع سقوط ضحايا فيروس كورونا وانتشار الوباء في مدينة ووهان الصينية وتسلّله إلى المدن والمقاطعات المجاورة. كانت الأحداث تتسارع وأرقام الضحايا ترتفع. وكلما غربت شمس يوم إلا وانتشر شبح الموت في المدينة المنكوبة. وخلال أيام معدودات، بدأت تتسرب الأخبار من الحصن الصيني عن مدينة الموت "ووهان الحزينة" وكأننا في إحدى أفلام الرعب الأمريكية حين غزا "الزومبي" أزقة الأحياء وعشش في الضواحي.

تقطعت أنفاسنا هنا في تونس مع اعتقادنا أن مجرّد المزحة بالأخبار الآتية من وراء البحار تعتبر استهانة بوباء فتاك قد يرمينا بسهمه من بعيد، وبدأنا نكتشف منذ فاتح شهر فيفري/ شباط أننا في مرمى النار نتيجة التبادل السياحي وانفتاح تونس على العالم الخارجي.

اقرأ/ي أيضًا: فيروس "كورونا".. خطط وقائية في تونس لمواجهة "الغول" القادم من الصين

هادية نويرة (والدة تونسي مقيم بووهان) لـ"ألترا تونس": تم تقسيم التونسيين العشرة المرحّلين من ووهان في مقر إقامتهم إلى مجموعات في أجنحة مختلفة

الأم هادية نويرة، أصيلة مدينة طبلبة، لم تتابع وباء ووهان كبقية نساء تونس، بل كانت تتابعه بقلب الأم التي تركت ابنها المهندس محمد سيف الدين وطفله هارون الذي يبلغ من العمر سنة واحدة وشهرين، وزوجة ابنها يخوضون صراعًا مريرًا للتوقي من "كورونا" في معقله ووهان.

الثلاثاء مساء الرابع من شهر فيفري/ شباط 2020، اتصل "ألترا تونس" بالأم هادية بعد أن تيقّنا من هدوء سريرتها عند بلوغ ابنها وزوجته وحفيدها برّ الأمان في مركز غير معلوم للحجر الصحي في البلاد التونسية، قادمين من الجزائر بعد أن أجلتهم طائرة جزائرية من ووهان في وقت سابق ظهر الاثنين.

سألناها عن آخر اتصال لها بابنها محمد سيف الدين فقالت "كنت منذ قليل على اتصال بابني وزوجته وأعلماني أنهما تحت الرعاية الطبية الفائقة في إحدى المراكز المخصصة للحجر الصحيّ، هو مركز غير معلوم لدينا ولم يقع الكشف عنه من قبل الجهات المسؤولة، وقد تم تقسيم التونسيين العشرة المرحّلين من ووهان في مقر إقامهم إلى مجموعات في أجنحة مختلفة، جناح لعائلة ابني وجناح خاص بالشبان، وجناح ثالث يضم مجموعة من الطالبات، ونتلقى إقامة احترازية في إطار التوقي قد يدوم 14 يومًا قبل أن يتمّ تسريحهم".

اقرأ/ي أيضًا: مجلة للحريات الفردية: مواقف الكتل النيابية وسبل مناصرة المشروع

وأضافت هادية " لقد تابعت قدوم عائلة ابني سيف الدين حين وصولهم إلى مطار هواري بومدين الجزائر عبر المتابعة التلفزية مثل باقي التونسيين وأتابع أخبار الرحلة عبر وسائل الإعلام الجزائرية. ولم يقع الاتصال بي من طرف ابني بتاتًا، وكنت على ثقة منذ وصولهم التراب الجزائري أنه قد تم إنقاذهم فعليًا من شبح الإصابة بالفيروس وتنفست الصعداء بعد أيام عصيبة وليال حالكة لم ينم لي فيها جفن قلقًا وحيرة ".

وتابعت محدثتنا قائلة "أنا مهندسة فلاحيّة متقاعدة وقد التحقت بابني سيف الدين وزوجته مرّتين بمدينة ووهان الصينية الرائعة. ومكثت بها ثمانية أشهر عند ولادة حفيدي هارون الذي يبلغ اليوم من العمر سنة واحدة وشهرين، ولد هارون في أحد مستشفيات المدينة مع العلم أن ابني يدرس الدكتوراه في الهندسة المعمارية بإحدى جامعات ووهان وذلك ضمن اتفاقية تونسية صينية في المجال العلمي والتكويني. كما أن زوجته تدرس الماستر في نفس اختصاصه ويقيمان منذ سنتين في المدينة الصينية طلبًا للعلم".

هادية نويرة لـ"ألترا تونس": السلطات الصينية كانت في خدمة الطلبة في مختلف الفترات العصيبة 

روت لنا الأم هادية أحداث الأيام الأولى عند ظهور فيروس كورونا وتأثيرها على معيشة عائلة ابنها، قائلة" كنت أتصل بسيف الدين باستمرار منذ اللحظات الأولى لظهور فيروس كورونا. وكان يطمئنني بالقول إن الأمر سيكون تحت السيطرة بالنظر إلى حجم النجاعة الصحية بالجمهورية الشعبية الصينية وحجم الإحاطة والرعاية الصحية التي يتمتع بها الشعب الصيني فهم مبدعون في مجالاتهم ولا يمكن أن يخذلونا".

وأضافت " كانت لابني ثقة كبيرة في الأجهزة الصحية الصينية ولم يتخيّل للحظة أن هذا الفيروس التاجيّ سيطيح بمدينة بأسرها، ولم يكن يعتقد أبدًا أنهم سيتعرّضون إلى صعوبات في التموين والتنقل وتوفّر المواد الأساسية وأنه سيتم عزلهم قسرًا عن العالم الخارجيّ".

وبيّنت محدثتنا أن ابنها وعائلته أحسوا بالرعب وفظاعة الموقف وتحسّسوا الخطر المحدق لما صدرت الأوامر بإحكام غلق منافذ المدينة وقطع الطرقات وإخلاء الأماكن العامة، موضحة أنه أعلمها أنه تم إغلاق محطات التزوج بالمحروقات حتى يمنع التجول والتنقل بين أنحاء المدينة، وأنه كان من المبرمج أن يغادروا المدينة ولكن أمر عزلها كان أسرع.

هادية تعرف مدينة ووهان جيّدًا لذلك كانت تروي لنا ما عاشه ابنها في الأيام الأخيرة قبل ترحيله إلى تونس بالتفاصيل الدقيقة. وأفادت أن "اليمنيين والجزائريين والتونسيين والليبيين قد تضامنوا مع بعضهم في هذه المحنة، كما أن السلطات الصينية كانت في خدمة الطلبة في مختلف الفترات العصيبة ومكّنوهم من التموين اللازم في الصباح والظهيرة والمساء ومكنوهم من الاحتياجات الضرورية طيلة فترة الحجر".

وأضافت هادية في تأثر بالغ " كنا ندعو لهم بالنجاة ليلًا نهارًا وكنا نتصل بهم باستمرار عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، وأعلمني ابني أن سفير تونس بالصين كان على اتصال يوميّ بهم ويعدهم بإجلائهم. وقد لجأنا إلى وسائل الإعلام لبسط محنة التونسيين العالقين هناك لدى الرأي العام والتحفيز لإخراجهم من الصين".

وكشفت محدثتنا أن ابنها أعلمها أنهم كانوا سيغادرون ووهان عن طريق شخص يملك جواز مرور صيني على متن حافلة، ثم يتوجه به إلى مدينة شنغهاي، ويستغرق ذلك 3 أيام من السفر، وفي كل مرحلة من الرحلة، يبقون في الحجر الصحي لمدة 14 يومًا، مبينة أن هذا الأمر لا يقدر الطفل هارون ذي السنة والنيف من العمر على تحمّله.

هادية نويرة لـ"ألترا تونس": تم التخلي عن جزائريين وليبيين ومنعهم من العبور للاشتباه في إصابتهم بفيروس كورونا

وبخصوص ملابسات الرحلة بين ووهان والجزائر، أفادت هادية أنه تم تجميع الطلبة الجزائريين والتونسيين والليبيين والموريتانيين أمام مقرّ الجامعة العلمية بالتنسيق مع السفير الجزائري وممثلي البعثات الدبلوماسية للبلدان المعنية، ومكنتهم السلطات الصينية والفرق الصحية من الواقيات من ألبسة ومعدات، ثم تم نقلهم في حدود السادسة مساء إلى بهو مطار ووهان أين قاموا بإجراءات صحية وفحوصات دقيقة ومكنوهم من الأدوية اللازمة.

وأشارت إلى أنه تم التخلي عن جزائريين وليبيين ومنعهم من العبور للاشتباه في إصابتهم بفيروس كورونا نتيجة الحرارة المرتفعة وأعراض مختلفة ونقلهم للمستشفيات الصينية لمزيد العناية بهم، في حين غادر 56 شخصًا على متن الخطوط الجزائرية في اتجاه العاصمة الجزائرية بعد 12 ساعة من الانتظار، وقد دامت الرحلة التي كانت مباشرة 15 ساعة.

"هروبًا من فيروس البطالة وقوعًا في فيروس الموت"، هكذا وصفت هادية رحلة الطلبة التونسيين نحو الصين وعودتهم منها. وبقدر فرحها بعودة ابنها الذي لم تحتضنه إلى حدّ كتابة هذه الكلمات فإن اشتياقها لحفيدها الصغير هارون سيكون أعمق في قلبها باحتضانه ورؤيته مزهوًا بين يدي أمّه.

فيروس كورونا القاتل سيخلّف وراءه قصصًا إنسانيّة سيرويها القاصي والداني، قصص يمتزج فيها الألم بالأمل وسيتناقلها الأجيال. كما سيترك التضامن بين الدول أثرًا بالغًا ولو بعد حين، ولعلّ أبرز مظاهره تسخير السلطات الجزائرية إمكانياتها لإجلاء شباب المنطقة والتنسيق مع السلطات التونسية التي سخرت بدورها طائرة عسكرية لنقل أبنائنا إلى أرض الوطن. ويبقى الأمل قائمًا في قدرة الصين على السيطرة على فيروس كورونا الجديد في وقت قريب، مثلما أشار إلى ذلك سفير الصين في تونس.

 

اقرأ/ي أيضًا:

السيجارة الإلكترونيّة.. ملاذ الباحثين عن حلّ لعادة استنزفتهم

التقويم الفلاحي.. ذاكرة الفلاحين في استقراء المناخ