من الحجارة إلى الألوان: كيف تغيّرت المشهديّة الاحتجاجيّة في تونس؟

من الحجارة إلى الألوان: كيف تغيّرت المشهديّة الاحتجاجيّة في تونس؟

كيف تطوّرت المشهدية الاحتجاجية في تونس؟ و ما هي الأسباب التي ساهمت في ذلك؟ (ياسين القايدي/ الأناضول)

 

"إن الحياة كلمة وموقف، الجبناء لا يكتبون التاريخ، التاريخ يكتبه من عشق الوطن وقاد ثورة الحق وأحب الفقراء" شعار رفعه أيقونة الثورة والتمرّد تشي جيفارا، أصبح مع مرّ الزمن رسالة كلّ باحث عن وطن أفضل.

والوصول لهذا الهدف يمرّ ضرورة بحركات احتجاجيّة تختلف باختلاف السياق الزمني والظرفي. وقد مرّت الحركات الاجتماعية الاحتجاجية في تونس بعدّة مراحل إلى أن أصبحت محرّكًا سياسيًّا فعليًّا. ومنذ عشر سنوات، تعيش الدولة التونسيّة على وقع تحركات اجتماعية متغيّرة النسق والوتيرة، وأصبح الحراك الاجتماعي قادرًا على التأثير على الدولة وتغيير عديد القرارات السياسية.

فكيف تطوّرت المشهدية الاحتجاجية في تونس؟ و ما هي الأسباب التي ساهمت في تغير الأشكال الاحتجاجية؟ وما مدى تأثير الشكل الاحتجاجي في تحقيق المطالب؟

أسئلة تجيب عنها "الترا تونس" في هذا التقرير.

من "النازلة التونسيّة" للثورة: السياق الزمني للاحتجاجات في تونس

يمكن تعريف الاحتجاجات، حسب المؤرّخ عبد اللطيف الحناشي، من خلال طبيعتها سواء كانت سياسيّة أو اقتصاديّة أو ثقافيّة وتختلف بتطور الوعي السياسي والاجتماعي والفكري وحتى التكنولوجي.

عبد اللطيف الحناشي (مؤرخ) لـ"الترا تونس": تتنوّع الاحتجاجات من المنتظمة إلى غير المنتظمة وتتدرّج من السلميّة للعنيفة ومن الصامتة إلى الصارخة. وتتعدّد تمظهراتها عن طريق اللباس أو التعري، الموسيقى، الشعر، الرسم، الغناء...

وتتنوّع من المنتظمة إلى غير المنتظمة وتتدرّج من السلميّة للعنيفة ومن الصامتة إلى الصارخة. وتتعدّد تمظهراتها عن طريق اللباس أو التعري، الكمامات، السيارات، الموسيقى، الشعر، الرسم، الغناء، الأمثال الشعبية....

وقد تكون الاحتجاجات جندرية أيضًا وأكبرها وقعت سنة 1908 في الولايات المتحدة الأمريكية. كما يمكن اعتبار الإضراب  سواءً عن الطّعام أو الدروس أو العمل نوعًا من أنواع الاحتجاجات.

ويؤكّد الحنّاشي أنّ الإضرابات ازدادت قيمة مع بروز الأحزاب والنقابات ومع صعود الرأسمالية وقضايا الاستغلال في العالم، مضيفًا أنّ الثورة الاتصالية ساهمت في تجذير الاحتجاجات من حيث شكل المطالب ونوعها.

اقرأ/ي أيضًا: سردية اللعب في ليالي جانفي الطويلة..

وعن المظاهرات الأخيرة، يقول الحنّاشي لـ"ألترا تونس" إنّ الاحتجاج الراهن والدعوات له من خلال وسائل التواصل الاجتماعي يؤكّد ظهور عصر جديد من الاحتجاجات.


المؤرّخ عبد اللطيف الحناشي

وهذه بسطة تاريخيّة للسياق الزمني للاحتجاجات منذ انتصاب الحماية الفرنسيّة حسب المؤرّخ عبد اللطيف الحنّاشي:

  • 1885: أحداث "النازلة التونسية" التي قامت بها مجموعة من المدرسين والشيوخ ضد إدارة الحماية.
  • 1906: "ثورة الفراشيش"
  • 1911:  "أحداث الجلاز"
  •  1912: إضراب الترامواي قامت به "حركة الشباب التونسي" وتمثلت المطالب الرئيسيّة في أحقيّة الاشتغال بالشركة بدل الفرنسيين والإيطاليين، بالإضافة  إلى المناداة بالتخفيض من أسعار التذاكر وتخفيف السرعة وسط المدينة بعد مقتل طفل تونسي.
  • 1925: مظاهرة ضد ارتفاع الأسعار في عدد من الولايات التونسية
  •  1930: أزمة كبيرة بين الحركة الوطنية وإدارة الحماية انطلقت باحتجاجات ضد دفن المتجنسين التونسيين في مقابر المسلمين. واعتبرت الحركة الوطنية وقتها أن ذلك تعدٍّ على الذاتية التونسية.
  • انتشرت في عدد من الولايات احتجاجات قادها "الحزب الحر الدستوري" ضد المؤتمر "الافخرستي" في قرطاج الذي يتبنّى فكرة أنّ تونس أصلها مسيحي
  • 1933-1936: مظاهرات ضد ممارسة القمعية ضد الوطنيين بلغت ذروتها عندما وقع نفي بعض القيادات الدستورية والشيوعية
  •  1940-1950: احتجاجات منظّمة ومطالب سياسية واجتماعية
  • مباشرة إثر الاستقلال: صدامات عنيفة بين اليوسفيين والبورڨيبيين وقع فيها استعمال السلاح والعصي وأوشكت أن تكون حربًا أهلية.  واشتهر وقتها "صبّاط الظّلام"  في "المدينة العربي" وهو المكان المخصّص للتعذيب.
  •  1960: أول حركة احتجاجية في "أولاد نصير" من قبيلة جلاص في القيروان سببها أنّ النظام استولى على 6 آلاف هكتار مخصصة للرعي ومنحها  للشيخ حسن بن عبد العزيز
  •  1961:  مظاهرة ذات طابع ديني في القيروان انتهت بإضراب عام في المدينة، قادها عبد الرحمان خليف. وقعت فيها صدامات بين السكان وأعوان الحرس، وسببها معارضة الأوساط الدينية لسياسة بورڨيبة حيث وقع اتهامه باللائكية .
  • مظاهرة في قرية "جرادو" في زغوان بسبب تنصيب أحد المشائخ متّهم بالثلب والنهب. ورغم محدوديّتها ولكنّ وقعها كان قويًّا.
  •  1964: مظاهرة في مساكن قادها أعيان المدينة احتجاجًا على قضيّة التعاضد، وتواصلت لعدّة أيام
  •  1965: تمرّد كبير بـ"برج علي الرايس" عندما وقعت محاولة إخراج السكان لإزالة الأكواخ في إطار سياسة التهذيب العمراني
  • 1967: احتجاجات قادها الطلبة وقع خلالها حرق المركز الثقافي الأمريكي
  •  1967-1969: توسّع الاحتجاجات الرافضة للتّعاضد
  • 1978: أحداث  "الخميس الأسود"
  •  1984: "أحداث الخبز"
  • زمن المخلوع: مظاهرات مختلفة قادتها سواء الرابطة التونسيّة لحقوق الإنسان أو الاتحاد العام التونسي للشغل أو الأحزاب مساندة القضية الفلسطينية والعراق. وقد بلغت الاحتجاجات  ذروتها زمن المخلوع مع أحداث بن ڨردان.
  •  2008: احتجاجات "الحوض المنجمي"
  • 2010: احتجاجات "الثورة التونسية"

قدرة الاحتجاجات الكرنفاليّة على قلب الموازين

يؤكّد الباحث في علم الاجتماع جهاد الحاج سالم لـ"ألترا تونس" أنّه ليس هناك تغيّر كبير في الأشكال الاحتجاجية (أعمال الشغب، إضرابات الجوع، مواجهات مع الشرطة، مسيرات..)، مضيفًا أنّ الأنماط الاحتجاجيّة الساخرة والتي تعتمد استفزاز القوات الأمنية وجدت منذ حملة "منيش مسامح".

جهاد الحاج سالم (باحث في علم الاجتماع) لـ"الترا تونس": رهان النزاع هو تحويل الشارع من فضاء تسيطر عليه قوات الأمن وتفرض عليه سلطة الضبط وتحديد المعايير والقيم، لفضاء تمارس فيه الحرية العامة

ويعتبر بن سالم أنّ رهان النزاع هو تحويل الشارع من فضاء تسيطر عليه قوات الأمن وتفرض عليه سلطة الضبط وتحديد المعايير والقيم، لفضاء تمارس فيه الحرية العامة.

وفي قراءته للمشهدية الاحتجاجيّة في تونس في هذه الفترة، يقول جهاد الحاج سالم: "هو نزاع لمجموعات شبابية تسعى لنوع من الحرية الفردانية، حرية التخريج الذاتي وحرية التعبير في الفضاء العام وما بين منظومة تعتمد على الضبط وتحديد المعايير الفوقية وضبط السلوكيات".

وعن اعتماد أنماط احتجاجية جديدة، يؤكّد الحاج  سالم أنّها عملية تعبير عن الحرية في درجاتها القصوى، فيها قلب واستفزاز للقيم الاجتماعية التي تفرضها السلطة في المجال العام.

"إنّ هذا الجيل مختلف، فمطالبه لم تكن ماديّة واقتصاديّة فقط، بل تحوّلت لمطالب ثقافية فيها إبراز لأهمية الذات ودورالاستقلالية الفردانية من أجل خلق فضاء عام أكثر تحرّر يستطيع أن يحدّد فيه المحتجّ المعيارية الخاصة به"، هكذا عبّر الباحث في علم الاجتماع عن جوهر الاحتجاجات الأخيرة، مؤكّدًا أنّ المحتجّ يعتبر نفسه يعيش في فضاء مسيّج قيميًا، تفرض فيه قيم فوقية محافظة ومسقطة.


 الباحث في علم الاجتماع جهاد الحاج سالم

وأضاف محدث "الترا تونس " أنّ الشكل جوهري في تحقيق المطالب وإبلاغها، فالطريقة الكرنفالية في الاحتجاج الأخير هي أحد تعبيرات قلب للمعايير الاجتماعية، واكتساب للحرية، من خلال إحداث منطقة أو لحظة داخل الزمنية الاجتماعية يباح فيها قلب الموازين.

اقرأ/ي أيضًا: "العوينة" بسوسة.. حي منسي

وختم حديثه قائلًا إنّ "الأشكال المختلفة للاحتجاج هي محوريّة وجوهريّة ومحدّدة. وهي اكتساب وقتي للحظة حرية ذاتية دخل فضاء عام  وداخل زمنية اجتماعية عامة مسيّجة بقوة ومعيارية السلطة التي تريد أن تحدد لهم أسلوب عيشهم حديثهم لباسهم وتصرفهم في أجسادهم."

"التحرّكات الاجتماعيّة محكومة بالمشاعر والأحاسيس اللاّواعية"

من منظور نفسي، اعتبرالأخصائي النفسي كريم اليعقوبي أنّ الحركات الجماعية والتحركات الأخيرة في تونس هي مؤشّر لتطور الفكر الجماعي ووعي بأهميّة الآخر في تغيير المنظور.

وأشار اليعقوبي إلى أنّ أغلب المحتجين يصنَّفون من فئة الشبان والمراهقين وهم في حالة بحث عن مثل تتماهي مع  تطلعاتهم المستقبلية، لافتًا إلى أنّه في ظل عدم الاستقرار أو غياب المرجعية الثقافية والاجتماعية والسياسية فإنهم موكولون إلى أنفسهم للدفاع عن أحلامهم، على حدّ تعبيره.

كريم اليعقوبي (أخصائي نفسي) لـ"الترا تونس": الاحتجاج هو تعبير عن موقف جماعي تجاه وضعية اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية معينة، وحالات الهلع وبثّ الشائعات وأعمال الشغب والعنف هي أشكال تعبيرية تتجاوز مفهوم الاحتجاج وتصاحبه في أغلب الأوقات

وأكّد الاخصائي النفسي لـ"ألترا تونس" أنّه  عند الحديث عن الأشكال المتعدّدة للمشهديّة الاحتجاجيّة في تونس، يجب التمييز بين العديد من الظواهر: "إنّ الاحتجاج هو تعبير عن موقف جماعي تجاه وضعية اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية معينة، وحالات الهلع وبثّ الشائعات وأعمال الشغب والعنف المادي والمعنوي هي أشكال تعبيرية تتجاوز مفهوم الاحتجاج وتصاحبه في أغلب الأوقات".

وأضاف اليعقوبي أنّ المثير للاهتمام في المشهديّة الأخيرة للاحتجاجات هو طغيان الجانب العاطفي والوجداني على التحركات ممّا جعلها منقوصة من استراتيجيات البرمجة والتأطير الميداني. وبالتّالي فإنّ الأهواء الجماعية تتحكّم في مصير التحرّك، ليتماهى مع طبيعة المحتجين وهذا ما نوه به العديد من المختصين في الميدان وأثبتوا أنّ لا مجال للذكاء الفردي وللعمل العقلاني في التحركات الجماعية فهي محكومة بالمشاعر والأحاسيس اللاّواعية.

وختم حديثه قائلًا:" ما يجمع المحتجين هي علاقة عاطفية تحويلية تتفاقم كلما تنازل الأفراد على تفرّدهم لخلق منظومة اجتماعية جديدة تنافس المنظومة السائدة"، معتبرًا أنّ الاحتجاجات العنيفة على المستوى الجماعي هي تعبيرات تترجم ردود أفعال على النرجسية التي تعمّ الخطاب الرسمي والتي تطمح لقمع كل مظاهر الاختلاف ماديًا ومعنويًا على نظريّة الطبيب النمساوي "ألفرد ادلر".

 

اقرأ/ي أيضًا:

منظمات حقوقية: مداهمات عشوائية وعنف ضد الموقوفين على خلفية الاحتجاجات الأخيرة

حوار| بن عمر: تقديم الحكومة إجابة أمنية لأزمة اجتماعية دليل على انعدام رؤيتها