مدن الحدود الجنوبيّة لتونس: الإقصاء والعقاب (2/2)

مدن الحدود الجنوبيّة لتونس: الإقصاء والعقاب (2/2)

1244 مشاهدة
الوقود المهرب وصرف العملة بشكل غير قانوني في بنقردان التونسية (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

الدولة والتهريب: "دعه يعمل دعه يمر"

يعتبر التهريب مصدرًا أساسيًّا للعيش بالنسبة لقطاع واسع من سكان الذهيبة وبنقردان. لكن متى بدأت ظاهرة التهريب؟ ولماذا هي مستمرة؟ تستطلع الدراسة البدايات وتنظر في حاضر الظاهرة والفروقات بين المدينتين.

يعتبر التهريب مصدرًا أساسيًّا للعيش بالنسبة لقطاع واسع من سكان الذهيبة وبنقردان

تعيّن الباحثة ألفة لملوم نقطة انطلاقة الظاهرة في بداية ثمانينيات القرن العشرين حين قُطعت العلاقات التونسيّة الليبيّة بسبب أحداث قفصة المسلحة، التي قامت بها مجموعة يدعمها العقيد القذافي. وبحكم مجاورتها لشمال غرب طرابلس (العاصمة الليبيّة وأكثر مدن البلاد تطوّرًا)، نشأت في بنقردان شبكات تهريب، كانت في البداية مقتصرة على تهريب العمال من تونس إلى ليبيا، ومن ثمّ تطورت في نهاية الثمانينيات، مع وصول بن علي إلى السّلطة وعودة العلاقات بين البلدين إلى سابق عهدها، إلى شبكات تهريب سلع وصرف العملة.

اقرأ/ي أيضًا: مدن الحدود الجنوبيّة لتونس: الإقصاء والعقاب (1/2)

ونمت التجارة الحدوديّة غير القانونيّة أكثر في فترة الحظر الاقتصادي المضروب على ليبيا بين عامي 1992 و1999. حيث غدت حينها مدينة رأس جدير، المتنفس البري الرئيسيّ لليبيا. كما شهدت التسعينيات تدخل عائلة الطرابلسي (أصهار الرئيس حينها) في التهريب وبناء شبكات خاصة بهم. وتشير محرّرة التقرير إلى تلاؤم التهريب مع سياسة خصخصة الدولة التي تبناها النظام حينها. فقد خفف اعتماد عدد كبير من الناس على التجارة الموازية من نفقات الدولة مما سهّل اللبرلة الاقتصاديّة. كما كان للظاهرة دور في إدماج تونس في السوق العالميّة من خلال أطرافها، حيث أسست خطوط استيراد جديدة من آسيا لتلبية احتياجات السوق الليبيّة، وتسرب جزء من السلع إلى الأسواق التونسيّة.

لكن تلك السياسة لم تستمر في النجاح لعدة عوامل، لا يستفيض التقرير في ذكرها، أهمها استيفاء قدرة السوق الموازية على استيعاب فاعلين جدد مع بقاء حجم السوق على حاله، بل وتدهوره خاصّة مع رفع الحظر الاقتصاديّ على ليبيا نهاية التسعينيات واستئنافها لنشاطها الاستيراديّ دون الحاجة لوساطة تونس، وتوظيف القذافي للمعابر سياسيًّا حيث أضحى فتحها وإقفالها مسألة توافق سياسيّ بين سلطات البلدين. وقد قادت تلك العوامل، وغيرها، إلى بزوغ حالة سخط واستياء في صفوف سكان المدن الحدوديّة. ما أدى إلى انتفاضة محليّة في بنقردان عام 2010، التي أطلق 61% من المستجوبين عليها "ثورة بنقردان"، وهي انتفاضة سبقت الثورة التونسيّة بأشهر فقط.

نمت التجارة الحدوديّة غير القانونيّة، بين تونس وليبيا، أكثر في فترة الحظر الاقتصادي المضروب على ليبيا بين عامي 1992 و1999

أما في الذهيبة، فإن المعبر الحدوديّ أحدث عهدًا من مثيله في بنقردان، حيث أنشئ في عام 1957، ولم تصبح المدينة من الناحية الإداريّة معتمديّة إلا في عام 1981. وعانى قسم واسع من سكان المدينة من الفقر والخصاصة، حيث كان الاقتصاد يعتمد أساسًا على نشاط زراعيّ بدائيّ ونشاط أغلب الرجال في قطاع البناء. وقد حظيت 334 عائلة من مجمل 800 عائلة بإعانات شبه منتظمة من الدولة. وعمومًا، لم يتغير وضع الذهيبة منذ الفترة الاستعماريّة، حين كانت منطقة عسكريّة، وصولًا إلى فترة بن علي، ما يشير إلى وجود استمراريّة في السياسات العامّة تجاهها بين الدولتين الكولونياليّة وما بعد الكولونياليّة. ويشير التقرير إلى نشوء ما أسماه "إيطيقا الكفاف" لدى السكان، جراء الغياب شبه الكليّ للتنمية وانحصار حضور الدولة في أجهزتها الأمنيّة والعسكريّة.

ويكاد ينحصر نشاط التهريب في الذهيبة على الوقود (رخيصة الثمن في ليبيا). حيث بدأت الظاهرة في نهاية عقد التسعينيات على يد عائلات معوزة. لكنها رغم عزلتها ووعورة تضاريسها، لم تسلم المدينة من جشع المتنفذين. حيث يشير التقرير إلى وجود قصص متداولة عن استغلال شبكات تابعة لعائلة الرئيس الأسبق بن علي (وهم غير الطرابلسية الذين احتكروا معبر رأس جدير) لمعبر الذهيبة من أجل تهريب النحاس، الذي كانت تدير سرقته مجموعات إجراميّة داخل المدن.

وقد عرفت المدينة سابقًا انتفاضة لم تحظ بأي تغطية إعلاميّة تقريبًا. حيث قام السكان في صيف عام 2007 بإضراب عام لمدة ثلاثة أيام. وقد كان للمسؤول المحليّ لحزب التجمع الدستوريّ الديمقراطيّ الحاكم حينها دورًا مهمًا في تنظيم أحداثها. إذ قام السكان بهجر المدينة والتخيّيم قرب الحدود الليبيّة، مبدين للسلطات عزمهم على ترك بلاد غير قادرة على توفير العيش الكريم لهم.

وبعد خمس سنوات على هروب بن علي، ورغم بقاء سياسات الحوكمة على حالها، أجاب جزء واسع من سكان المدينتين عند سؤالهم عن أثر الثورة على مجرى حياتهم بأنّه كان لها أثر عظيم عليهم (57.9% في ذهيبة، و66.8% في بنقردان).

اقرأ/ي أيضًا: بنقردان.. عاصمة مقاومة الإرهاب في إضراب عامّ

الحدود كما يراها ساكنوها:

بعد 5 سنوات على هروب بن علي، ورغم بقاء سياسات الحوكمة على حالها، اعتبر معظم سكان بنقردان والذهيبة أن أثر الثورة مهم على حياتهم

يشير التقرير إلى أنّ واحدًا من كلّ ثلاثة مستجوبين يرى الحدود كحاجز مصطنع. ويشمل المعجم الدلاليّ للتهريب في بنقردان والذهيبة عبارات مثل "يخدم في الحدّ" والعمل في "الكونترا/التهريب" و"تجارة الحدّ" يستخدمها السكان بشكل متبادل دون تمّييز بينها. كما يشير إلى فصل يقيمه سكان المدينتين بين المهربين الجيّدين (أي أولئك الذين يفيدون منطقتهم بعملهم إلى جانب الذين قاموا بحمايتها زمن الهجمة الإرهابيّة على المدينة) وبين المهربين السيئين، الذين يطلقون عليهم ألقابًا من نوع "قروش" أو "بارونات" (الشائع في الإعلام).

وبعيدًا عن التصنيفات القانونيّة والمعياريّة، يقيّم السكان نشاط المهربين اعتمادًا على ثنائيّة الحرام والحلال. ويشمل الحرام المستهجن تهريب مواد على غرار المشروبات الكحوليّة والمخدرات والأسلحة والبشر فيما يشمل الحلال البضائع والوقود. ويمثّل التهريب موردًا ماليًّا للأغلبيّة الساحقة من السكان (90.2% في بنقردان، و98.6% في ذهيبة) الذين يرى فيه جلّهم الموفر الأكبر لفرص عمل في غياب أنشطة اقتصاديّة أخرى. بهذا المعنى، يمكن استنتاج أنّ النشاط الاقتصاديّ في المدينتين يعتمد على التجارة مع ليبيا أكثر من اعتماده على السياسات الاقتصاديّة التونسيّة.

لكن من جهة ثانية، يقرّ الكثير من المستجوبين أنّ العمل على الحدّ اختيار شخصيّ دافعه العمل في ميدان مربح (76.2% في الذهيبة، و72.7% في بنقردان). ويرى أغلبهم (حوالي 60%) أن المنتفع الرئيسيّ من التهريب هم سكان المدينتين، فيما يرى ما يقارب 20% منهم أنّ سكان العاصمة والمدن الساحليّة منتفعون أيضًا، ولا تشير إلاّ فئة قليلة منهم إلى "البارونات" و"القروش" كمنتفعين رئيسيّين.

كما يرى 84.9% من المستجوبين في الذهيبة أن موارد التهريب تستثمر في قطاع العقارات. ويتبنى 69.5% من المستجوبين في بنقردان الرأي نفسه ويرى 48.2% منهم أن جزءًا من الموارد يستثمر في قطاع الخدمات في المدينة. كما يرى حوالي نصف المستجوبين في بنقردان أن موارد التهريب تستثمر الآن في مشاريع في العاصمة والمدن الساحليّة، ويعني ذلك حسب محرّرة التقرير أنّ كبار المهربين الذين كانوا سابقًا يتحاشون إبراز ثرائهم خشية جلب أنظار الدوائر المتنفّذة، أصبحوا الآن أكثر تحررًا في استعمال أموالهم بطريقة معلنة.

تزايد الشكوك والاحتجاجات:

النشاط الاقتصاديّ في بنقردان والذهيبة يعتمد على التجارة مع ليبيا أكثر من اعتماده على السياسات الاقتصاديّة التونسيّة

تظهر نتائج الدراسة الميدانيّة وجود إحساس بالشّك، مرتبطًا بخوف السكان أساسًا من البطالة (97.8% في الذهيبة، و90.8% في بنقردان)، ومن العوائق التي تعطل تجارتهم الحدوديّة (97.4% في الذهيبة، و90.8% في بنقردان)، ونقص التنمية الاقتصاديّة (96.8% في الذهيبة، و94.4% في بنقردان)، وحتى الخوف من نقص الطعام (89.4% في الذهيبة، و58.9% في بنقردان). وقد عزز الإغلاق المتكرر للمعابر الحدوديّة شعورهم بانعدام الأمن. إذ اكتسبت المسألة طابعًا سياسيًا يتعدى سياسة الأنظمة، ويخضع لاتفاقات بين فاعلين مدنيّين وأمنيّين مختلفين على طرفي الحدود، يتنافسون على الشرعيّة والموارد.

وعند انتهاء الجانب الكميّ من البحث الميداني، قبل حوالي شهرين من الهجوم الإرهابي على بنقردان، قيّم معظم سكان المدينتين الوضع الأمني على نحو إيجابيّ (67% في بنقردان، 84.8% في الذهيبة). وصرّح أغلب سكان بنقردان (60.5%) أن لهم ثقة في الجيش، فيما صرّح سكان الذهيبة بتحسّن سلوك الأجهزة الأمنيّة منذ الثورة. لكنهم عبّروا، من جهة أخرى، عن خوفهم من تدفّق الأسلحة والمجموعات الليبيّة المسلّحة.

وحول نظرتهم إلى النخبة السياسيّة، كان رأي المستجوبين أنّ أداء نواب جهتهم في البرلمان لم يتغيّر منذ الثورة. ويقتسم حزبا النهضة ونداء تونس الحصة الأكبر من نيابات الجهة في البرلمان. وتفتقد جميع مؤسسات الحكم المحليّة إلى الشرعيّة (وهو أمر مشترك بين كلّ جهات تونس)، إذ لم تنظّم انتخابات بلديّة منذ حلّ المجالس البلديّة بعد الثورة، ما يفاقم الشعور بالعجز على تغيّير الواقع المحليّ. ويظهر البحث غياب الهياكل التقليديّة، أي الاتحاد العام التونسي للشغل وأحزاب اليسار أساسًا، عن تأطير التظاهرات التي حصلت في المدينتين على مدى السنوات الماضيّة. إذ تكوّنت هياكل جديدة بعد الثورة في شكل جمعيات، حوالي 20 جمعيّة، هي من تساهم في تأطير الاحتجاجات. وترسم ألفة لملوم خطوط تشابه بين الاحتجاجات في المدينتين والاحتجاجات في مدينة القصرين (الوسط الغربي)، وتنسب أسبابها إلى التعامل الأمنيّ مع تلك المناطق الحدوديّة وإلى شباب مقتنع بأن التشغيل والتنمية حقوق يجب على الدولة توفيرها.

يختتم التقرير بالحديث عن نظرة السكان للجهاد. ويحيل على دراسة أنجزت عام 2015 حول المناطق التي ينحدر منها الجهاديون التونسيون النشطون في سوريا، وقد جاء فيه أن مدينة بنقردان واحدة من أكبر المدن المزودة للجهاديّين. كما يشير التقرير إلى شهادات سكان محليّين حول توجه مئات من الشباب إلى الجهاد في العراق بعد غزوه عام 2003، وإلى تورط 8 شباب من بنقردان في أحداث مخيم نهر البارد في لبنان ضمن مجموعة فتح الإسلام. وقد تورّط عدد من شبان المدينة أيضًا في الهجوم الإرهابيّ عليها بداية السنة الحاليّة، أهمّهم "مفتاح منيطة"، ابن المدينة.

وينتهي التقرير بملاحظة أنّ عسكرة المدن الحدوديّة وتعزيز الحضور الأمنيّ فيها لم يمنعا حصول الهجوم الإرهابيّ. وأن هناك رابطًا تدعمه الدراسات المقارنة بين الاضطرابات الأمنيّة التي تحصل في المناطق الحدوديّة وبين حرمان تلك المناطق من الحقوق، بالمعنيّين الاقتصاديّ والاجتماعيّ.

اقرأ/ي أيضًا:

 

القصرين".. نموذج التهميش"

القصرين.. جرح الثورة الغائر